دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

د. «يسرية حسني»: أخاف على التراث من الجهل وتحوله لذكريات

يوثق كتاب «الحُلي والتراث» للدكتورة يسرية عبد العزيز حسني، أستاذ الفنون والتراث، رحلة ممتدة عبر الزمن، تستعيد خلالها جزءًا من الذاكرة المصرية، وتعيد الاعتبار لواحد من أنواع التراث المصري الذي طالما حمل ملامح المجتمع وهويته ومعتقداته.

حيث تسرد في كتابها تاريخ الحُلي المصرية منذ الحضارة المصرية القديمة حتى العصر الحديث، متنقلة بين سيوة وسيناء والصعيد والنوبة، لتكشف كيف يمكن لقطع صغيرة أن تتحول من مجرد زينة إلى وثائق حية تروي تاريخ الإنسان المصري وعلاقته بهويته وتاريخه، دون أن تقف عند حدود التوثيق الأكاديمي، بل تعكس أيضًا رحلة طويلة من الشغف والبحث، كرست خلالها سنوات من حياتها لجمع هذا التراث وإنقاذ ما تبقى منه، مع تقديمه برؤية معاصرة تجمع بين الماضي والحاضر.

في هذا الحوار، تتحدث د. يسرية عن كتابها، وعلاقتها الممتدة بهذا الفن، وكيف نحفظ تراثنا وهويتنا؟

  • رغم تعدد الدراسات حول التراث المصري، ركزتِ على الحُلي.. ما السبب في ذلك؟

منذ طفولتي، وخلال سفري إلى أسوان والأقصر وسيوة وسيناء، كنت دائمة التجوال في هذه الأماكن، وأُعجبت بما رأيته من حُلي، ووجدت فيها نوعًا كبيرًا من المتعة، سواء في الأزياء أو الحُلي نفسها. ومن ثم بدأ اهتمامي بالبحث حول معاني هذه القطع، وما ترمز إليه، ومتى كانت تُرتدى، والمعتقدات المرتبطة بها. في البداية، كان ذلك اهتمامًا شخصيًا لكنه دفعني للقراءة عن الحُلي.

زاد هذا الاهتمام مع دراستي للتاريخ، التي بدأت بدراسة تاريخ مصر القديمة ثم امتدت حتى حصولي على درجة الدكتوراه. حيث كنت أشعر دائمًا بأن هناك شيئًا يجذبني نحو تراثنا، إلى جانب حبي للآثار، وهو ما انعكس على اهتمامي بهذا النوع تحديدًا.

بالتالي، بدأت أنظر إلى كل قطعة أقتنيها من ناحية تاريخها وأصلها، ومع تكوّن خلفيتي الأكاديمية ازدادت أبحاثي حول الحُلي المصرية القديمة، ومدى ارتباط الحديث بالقديم، وهل للحُلي الشعبية أو التقليدية تحديدًا جذور من الحضارة المصرية القديمة، ولماذا لا تشبهها؟ ومع الوقت توصلت إلى بعض التأصيلات التاريخية لعدد من القطع، سواء في العصر الفرعوني أو اليوناني الروماني، وبدأت تتبع امتدادها التاريخي.

وبحكم تربيتي ودراستي، كنت مهتمة بكل أنواع التراث، لكن الحُلي كانت الأقرب إليّ، لأنني أتعامل معها مباشرة، لكن هذا لا يمنع أن يظل التراث المعماري والثقافي والبيئي وغير ذلك شديد الأهمية أيضًا.

  • خلال رحلاتك في الواحات وسيناء والصعيد، هل وجدتِ قطعة حُلي مميزة أثارت انتباهك بشكل خاص؟

ليست قطعة واحدة بعينها، لكن ما لفت انتباهي بالفعل هو اكتشافي لمسارات التطور التاريخي للحُلي. حيث أدركت أن كثيرًا من الحُلي الموجودة اليوم ليست امتدادًا مباشرًا لحُلي مصر القديمة، بل مرت بتحولات عدة؛ بدءًا من الحضارة المصرية القديمة إلى اليوناني الروماني، ثم البيزنطي، وصولًا للعصر الإسلامي.

وبحكم دراستي للفن اليوناني الروماني، رأيت كيف انتقلت الرموز المصرية القديمة إلى عصور لاحقة. على سبيل المثال، رمز “عنخ” أو ما يُعرف بمفتاح الحياة امتد تأثيره حتى تطور وأصبح الصليب قريبًا منه. كذلك الشمس المجنحة أو رمز “رع” تحولت دلالتها البصرية إلى الهالة التي نراها في الأيقونات القبطية حول رؤوس السيد المسيح والسيدة العذراء.

ومن أكثر ما لفت انتباهي أيضًا أن لبعض الحُلي الشعبية المعاصرة أشكالًا تتطابق مع رموز مصرية قديمة؛ مثل حلقة (قرط) تنتهي بشكل على هيئة الأيدي الصغيرة، وهو نفس الشكل الذي نراه في تمثيلات الإله آتون، حيث تنتهي أشعة الشمس بأيدٍ تمنح البشر الخير والعطاء. بالنسبة لي، كان ذلك أعظم مثال على امتداد التأثير الفرعوني حتى اليوم.

اقرأ أيضا: فائض الأساطير: كيف نتحرر من وهم «المخلص الوحيد» في الموسيقى العربية؟

  • هل انعكست البيئة الجغرافية على شكل الحُلي ووظيفتها في كل منطقة؟

بالتأكيد، الحُلي ترتبط بشكل كبير بالعادات والتقاليد، وما يكتسبه الإنسان من مجتمعه ويرثه عن أجداده، كما ترتبط أيضًا بالحالة النفسية، والمناسبات المختلفة، وكذلك بالحالة الصحية. إذ نجد كثير من الموتيفات أو الرموز المرتبطة مباشرة بحالات معينة.

على سبيل المثال، طقس “الزار” الذي كان موجودًا في مصر قديمًا، وتمارَس فيه طقوس رقص معينة مرتبطة باعتقاد شعبي بأن الشخص يعاني من مس أو تأثير من الجن، رغم أن الأمر لم يكن كذلك بالمعنى العلمي. كان لهذا الطقس حُلي خاصة به يتم ارتداؤها، تصنع غالبًا من الفضة، على هيئة قرص أو مثلث أو شكل كمثري، تُنقش عليه صورة السيد أو السيدة المصابين مع آيات قرآنية، وكان يُعتقد أن ارتداءها بشكل دائم يساعد الشخص على الشفاء.

كذلك الأحجار نفسها ارتبطت بقوة بالحياة التقليدية؛ إذ نجد مثلًا حجر الهيماتيت الذي كان يُعرف باسم “حجر الدم”، ويُعتقد أنه يساعد على وقف النزيف، بينما كانت الخرزة الزرقاء تُستخدم للحماية من الحسد. لذلك نعم، هناك ارتباط وثيق جدًا بين الحُلي وتقاليد الشعوب ومعتقداتها.

غلاف كتاب الحُلي والتراث للدكتورة يسرية عبد العزيز حسني
غلاف كتاب الحُلي والتراث للدكتورة يسرية عبد العزيز حسني

 

 

  • إلى أي مدى تجاوزت الحُلي الشعبية فكرة الزينة لتؤدي أدوارًا اجتماعية ورمزية داخل المجتمع؟

الحُلي الشعبية تحديدًا لم تكن مرتبطة بالمدينة كما هو الحال في الريف أو الصعيد، ولذلك تُوصف بأنها حُلي شعبية أو تقليدية، حيث لا ترتبط بطبقات اجتماعية اختلطت بالثقافة الأوروبية أو الأجنبية، بل ارتبطت أكثر بمجتمعات الريف والصعيد التي استخدمتها لأغراض متعددة.

على سبيل المثال، الجلاجل أو الخلخال لم تكن تُرتدى اعتباطًا، بل للتنبيه إلى مرور امرأة. ووفقًا للعقيدة المصرية القديمة، كانت هذه الشخاليل مرتبطة بالإلهة حتحور، لأن “الشخشيخة” كانت إحدى رموزها. كما أن البيئة المصرية القديمة، في ظل غياب الكهرباء ونظرًا للطبيعة الصحراوية، تولدت تصورات ومخاوف مرتبطة بعالم الجن والأشباح، ولذلك كان يُعتقد أن هذه الجلاجل تُبعد هذه الأرواح والأشباح.

  • أشرتِ إلى أننا فقدنا جزءًا كبيرًا من هذا التراث.. في رأيك لماذا أخفقنا في حمايته؟

لأننا ببساطة لا نملك ثقافة حقيقية للحفاظ على التراث. رغم أننا نفتخر بتراثنا وتاريخنا وآثارنا، لكن عمليًا لا نمارس ثقافة الحفاظ عليه. كما لم ينشأ الطفل منذ صغره على أن هذا التراث جزء من هويته وقيمته.

كذلك، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، يصبح الاحتياج المادي عاملًا ملحًا يدفع الناس أحيانًا للتنازل عن أشياء كثيرة. ومع ضعف الإقبال على هذه الصناعات، خاصة في الواحات والمناطق البعيدة، بدأ التراجع في جودة المواد المستخدمة؛ فقد انتقلنا من التصنيع من الذهب إلى الفضة، ثم إلى معادن أرخص مثل النحاس والبرونز والصفيح.

وبذلك لم يعد الصانع يحقق ربحًا جيدًا من هذه الحرفة، مما أدى إلى ركودها. لذلك، حين ظهرت فرص مالية بديلة، لجأ البعض إلى بيع الأصول نفسها، مثل الأسطمبات الأصلية التي كانت تُستخدم في صناعة الحُلي، فقام الأجانب بجمعها، وكان هناك متخصصون في الحصول على هذه القطع. وهكذا فقدنا جزءًا كبيرًا من هذا التراث، ولم نعد نجد كثيرًا من النماذج القديمة سواء في سيوة أو العريش أو سيناء وغيرهم من أماكن.

ولهذا شاركنا في مؤتمرات في سيوة لإعادة إحياء التراث، في محاولة لتوفير بيئة تعليمية للصناع، وتشجيع أبنائهم على العودة إلى هذه الحرفة مرة أخرى، إلى جانب دعم الدولة.

  • “الحلي والتراث” لا يعتمد على التوثيق فقط، بل يتعامل مع القطع نفسها.. كيف يمكن تحديث التراث دون الإخلال به؟

حين كنت أجمع القطع، لم تكن تصلني كاملة دائمًا، بل كانت تأتي أحيانًا قطع أساسية فقط أو ينقصها بعض التفاصيل. فإذا كانت القطعة الأصلية، مثل الكردان، مكسورة أو غير كاملة، كنت أعيد تركيبها واستكمالها بخامات مناسبة؛ فإذا كانت الخامات الأصلية بسيطة كخرز زجاجي أو بلاستيكي، كنت أستبدلها بأحجار كريمة أو نصف كريمة بنفس الشكل واللون، حتى يظل شكل القطعة الأصلي محفوظًا.

وفي أحيان أخرى، استخدمت القطعة الأساسية كما هي، مع إضفاء تصميم جديد عليها، دون الإخلال بشكلها الأساسي أو تغيير الحجر القديم. مع الحرص على أن تبقى القطعة الأصلية محفوظة، والاكتفاء باستكمال ما ينقصها.

اقرأ أيضا: «ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى

  • ألم تكن هذه العملية صعبة؟

لا، لأن الأمر يعتمد أساسًا على عقلية الشخص الذي يقوم بهذا العمل، هل هو محب للتراث بالفعل أم مجرد شخص يجمع قطعًا ويعيد ترتيبها. بحكم خبرتي في تاريخ الحُلي وأشكالها القديمة، كنت أحاول توظيف القطع لتُستخدم كحُلي معاصرة قابلة للارتداء أو الاستعمال اليومي، وفي نفس الوقت أبقيها هي نفسها القطعة القديمة الأصلية دون أن أصنع منها نسخة جديدة.

  • هناك من يعملون اليوم في الحرف اليدوية ويستلهمون الحُلي التراثية.. هل ممكن أن يفقد ذلك قيمة الأصل؟

لا إطلاقًا. لدينا في المتحف ما يُعرف بإدارة النماذج الأثرية، حيث تُصنع نسخ من تماثيل أو قطع أثرية، وهذا لا يفقد الأصل قيمته. لأنها مجرد نماذج مماثلة للأصل.

الأمر يشبه السجاد الإيراني القديم؛ لماذا يكون أغلى من السجاد الجديد رغم التشابه؟ لأن القديم مصنوع من خامات وألوان طبيعية، وتختلف فيه الصناعة نفسها. وكذلك الحال مع السجاد اليدوي مقارنة بالآلي. الحديث لا يلغي قيمة الأصل، بل يؤكدها.

  • في رأيكٍ هل فقدت الأجيال الجديدة صلتها بالتراث؟

على العكس، مجرد محاولة تقليد التراث أو استلهامه، في حد ذاته يُعد قيمة كبيرة جدًا، لأنه يعكس مدى الارتباط بالجذور. وليس سيئًا أبدًا أن يحب الشباب التراث ويحاولوا تقليده، بل على العكس، هذا أمر إيجابي جدًا.

  • ما دور المؤسسات الثقافية في إحياء هذا التراث؟

كانت لوزارة الثقافة جهود لإحياء الحرف التراثية، وهناك أماكن في مصر القديمة مثل مركز الحرف التقليدية بالفسطاط، الذي يضم ورشًا للحرف اليدوية، كما كان هناك مشروع لإحياء الخزف في منطقة عين الصيرة تبناه الأمير تشارلز، إلى جانب العديد من المبادرات الأخرى.

لكن هذه الجهود يجب ألا تبقى محدودة أو موجهة إلى مجموعات صغيرة فقط، بل تصل إلى المجتمع ككل. فالمدارس والمعاهد مهمة جدًا، إلى جانب دور المجتمع المدني. أعرف مبادرات أسسها رجال أعمال لإحياء تراث الحُلي. لذلك فإن وجود اهتمام حقيقي، لرعاية للمواهب، وإنشاء مدارس ومراكز متخصصة لإحياء التراث، كلها خطوات إيجابية ضرورية، حيث لا تستطيع الدولة وحدها القيام بكل الجهود، بل يجب أن يكون للأفراد دور فعال أيضًا.

  • أهديتِ مجموعة كبيرة من قطع الحُلي لمكتبة الإسكندرية.. ألم يكن القرار صعبًا؟

اهتمامي الرئيسي أن يعرف المصريون تراثهم، لأن الأغلبية لا تعرفه جيدًا أو ما الذي تملكه مصر من هذا الثراء. كثيرون يعيشون داخل دوائرهم الصغيرة، دون معرفة حقيقية بتراث بلدهم كامل.

بالتالي، من خلال هذا الإهداء أردت أن يعرف الشباب الذين يزورون مكتبة الإسكندرية بهذا التراث، من خلال مجموعة كبيرة من القطع التي توضح لهم كيف كان المصري يعيش في قرون سابقة، وكيف كان يعمل، وما حجم الفن والجمال الذي كان يحيط بحياته اليومية. ومع الكتاب “الحُلي والتراث” يوجد شرح للقطع واستخداماتها، سواء في الملبس أو المنزل أو حتى لحيواناتهم.

هذه القطع لم يكن لها أن تكون معروفة لفرد واحد، لكن حينما تمتلك المعرفة جماعة كاملة، فذلك يضمن استمراريتها. أنا لست باقية، لكن الأجيال تتجدد، لذا لم أبخل بهذه القطع، رغم أنها كانت من الفضة والأحجار الكريمة والنصف كريمة وتمثل قيمة مادية ومعنوية كبيرة، لكن الأهم لدي أن يشعر المصري بامتداد هذا التراث إليه.

  • في رأيكِ ما الخطر الأكبر على التراث اليوم.. السرقة أم النسيان؟

أخاف على التراث من الجهل، وتحديدًا الجهل الثقافي، حتى إن صدر عن شخص متعلم. فالتعليم بمعناه معرفة القراءة والكتابة لا يكفي. ما أخشاه هو أن يتولى شخص جاهل ثقافيًا منصبًا مسؤولًا لا يدرك قيمة ما بين يديه، ولا يشعر بأهمية الحفاظ عليه، فيدمره دون قصد. هذا هو الخطر الحقيقي.

  •  كيف يمكن للناس العاديين أن يحافظوا على التراث؟

بالتوعية أولًا؛ يجب أن يتعلموا كيف يتعاملون مع التراث والسياح، فنحن من أكبر البلدان السياحية، لكن الكثير من الناس لا يدركون قيمة السياحة بوصفها ثروة حقيقية. والتعامل غير اللائق مع هؤلاء السياح يضر البلد نفسها. بالتالي إذا لم يدرك الإنسان قيمة تراثه سيفرط فيه بسهولة. لذلك يجب أن تبدأ التوعية منذ الطفولة، وتعليم الأطفال قيمة تراثهم، وأين يوجد، وما مردوده عليهم وعلى المجتمع، وكيف يمكن أن يرفع من مستوى حياته وتفكيره على المدى البعيد.

  • هل تخشين على التراث أن يتحول إلى مجرد صورة أو ذكرى؟

إذا استمررنا بنفس الوضع الحالي، نعم، سيتحول التراث إلى مجرد صور وذكريات. لكن الحل يبدأ من المدرسة ومن تعليم الأطفال، وكذلك من التلفزيون، لأنه وسيلة شديدة التأثير في التعليم والتعريف بقيمة التراث. ومن ثم نحتاج إلى برامج تعريفية بتراث الأماكن المختلفة: ما تراث الواحات؟ والصعيد؟ والقاهرة؟ وكيف نحافظ عليه؟

لذلك فإن التلفزيون وسيلة غاية في الأهمية، ليس فقط للطفل، بل للكبار أيضًا. فبالنسبة للطفل، هناك ركيزتان أساسيتان: المدرسة والمنزل، ويجب أن يكون الأهل أيضًا على وعي بقيمة التراث. لذلك أرى أن الإعلام، إلى جانب المدرسة، يؤدي دورًا مهمًا جدًا في هذه المهمة.

اقرأ أيضًا: الكاتب سيد عبد الحميد: «الراب» في مصر نتيجة حتمية لتحولات الشارع والجيل

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.