سنوات من الإبداع انتهت بالإهمال.. حكاية المركز الحضري للمرأة بالأقصر
بعد سنوات من النشاط الذي جعله مقصدًا للسياح والمهتمين بالحرف التراثية، تحول المركز الحضري للمرأة بمنطقة الكرنك في الأقصر إلى مبنى شبه مهجور يعاني التوقف والإهمال، بعدما توقفت الماكينات عن العمل واختفت الخامات اللازمة للإنتاج. ورغم تراجع النشاط وانقطاع الرواتب، لا تزال العاملات يترددن على المركز يوميًا، متمسكات بحقوقهن الوظيفية، ومطالباتِ بإعادة تشغيله وإحياء دوره في تدريب السيدات على الحرف اليدوية المختلفة.
البداية من عام 2008
تقول نيفين إندراوس، عاملة تطريز بالمركز الحضري: “عملت في المركز منذ إنشائه تحت رعاية سوزان مبارك عام 2008، حيث كان يضم 11حرفة يدوية، من أبرزها الجلود، والفركة، والنحاس، والخوص، والخياطة، والحرير، والسجاد، والكليم، والفخار، والخيامية، والتطريز، وكان لكل قسم مدربة تتولى تدريب عدد من الفتيات على الحرفة يدويًا، وبعد انتهاء فترة التدريب التي استمرت عدة أشهر، كانت المتدربات يقمن بتدريب فتيات أخريات مع حصولهن على حافز مادي”.
وتوضح نيفين أنها كانت من بين الفتيات اللاتي تلقين التدريب ثم أصبحن مدربات في قسم التطريز بعد إتقان الحرفة، مشيرة إلى أن كل قسم كان يمتلك خاماته الخاصة من ماكينات وآلات وخيوط وجلود وخوص وغيرها، وكان يعمل بصورة مستقلة.
اقرأ أيضا: 70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه
انتعاشة في المركز الحضري
تقول نعمة عبد الراضي، عاملة خيامية بالمركز: “منذ بدء إنتاج القطع الفنية في مختلف الأقسام، ازداد النشاط اليومي بشكل ملحوظ، حتى أصبح المركز يستقبل زيارات يومية من السياح الراغبين في التعرف على الحرف التراثية وشراء المنتجات اليدوية. كما شارك المركز في العديد من المعارض داخل مصر، من بينها معرض ديارنا، إضافة إلى مشاركته في معرض فني بالصين، حيث حقق نجاحًا كبيرًا”.
وتتذكر وفاء صبري، عاملة خوص، التي عملت في المركز منذ تأسيسه، مشاركة المركز في مهرجان السينما الإفريقي بالأقصر، قائلة: “قمنا بتصنيع هدايا وحقائب خاصة تحمل اسم المهرجان، وتم توزيعها على الحضور كنوع من الدعاية والتسويق. كما استقبل المركز أمراء ووفودًا من دول عربية أبدوا إعجابهم بالمنتجات التراثية التي كانت تُصنع داخله”.
لكن الوضع تغير، بحسب أسماء عبده، فني تطريز، التي تشير إلى أن الأزمة بدأت عام 2015 مع صدور قرار من مديرية التضامن الاجتماعي بإسناد إدارة المركز إلى مؤسسة “نداء”، وإجراء تغييرات في نظام العمل والرواتب. وتوضح أن العاملات اعترضن على القرار وفضلن الاستمرار تحت مظلة المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي التابعة لوزارة التضامن، ما دفعهن إلى اتخاذ إجراءات قانونية لإثبات حقوقهن.
توقف الرواتب وتراجع النشاط
عن الأجور، تقول وفاء صبري: “بدأنا العمل عام 2008 براتب 130جنيهًا، ثم ارتفع إلى 270جنيهًا، وكان آخر راتب حصلنا عليه 405 جنيهات. وفي عام 2012 حصلنا على عقود رسمية مختومة بختم المركز، وكنا نوقع يوميًا في دفاتر الحضور والانصراف وفق مواعيد العمل الرسمية”.
وتضيف أن الأوضاع تغيرت بعد تولي مؤسسة “نداء” إدارة المركز لمدة عام ونصف تقريبًا، حيث توقفت الرواتب والمكافآت، وتم سحب دفاتر الحضور والانصراف، ما دفع العاملات إلى اللجوء للقضاء. ومنذ ذلك الحين، تراجع نشاط المركز بصورة كبيرة، واختفت الخامات اللازمة للإنتاج، وتوقفت أغلب الآلات والماكينات عن العمل.
اقرأ أيضا: «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد
القضاء ينصف العاملات
يقول عمرو جمال، محامي العاملات: “في عام 2014 أقمنا دعوى قضائية ضد عدد من الجهات التنفيذية بالأقصر، على رأسها مجلس أمناء مؤسسة التكافل الاجتماعي ومديرية التضامن الاجتماعي، للمطالبة بعودة العاملات للعمل بنظام التعاقد مع المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي، وإلغاء التعامل مع مؤسسة نداء”.
ويضيف أن مطالب الدعوى توسعت لاحقًا لتشمل صرف المستحقات المالية المتأخرة، وحق العاملات في التثبيت، وإلزام الجهة الإدارية بسداد التأمينات الاجتماعية المستحقة.
وأوضح أن المحكمة أحالت القضية إلى خبير متخصص لفحص المستندات والتأكد من أحقية العاملات في الرواتب، وانتهى التقرير إلى ثبوت علاقة العمل واستحقاق الرواتب، لتصدر المحكمة حكمها بأحقية العاملات في صرف مستحقاتهن اعتبارًا من نوفمبر 2016 وحتى صدور الحكم عام 2023، قبل أن يتم تأييد الحكم في مراحل التقاضي اللاحقة.
وأشار إلى أن الصيغة التنفيذية للحكم أرسلت إلى محافظة الأقصر ومديرية التضامن الاجتماعي، اللتين أحالتا الملف إلى المؤسسة العامة للتكافل الاجتماعي، إلا أن الأخيرة امتنعت عن التنفيذ بدعوى عدم توافر المخصصات المالية اللازمة، وضرورة مخاطبة الوزارة لاعتماد ميزانية للصرف.
وأضاف جمال أن العاملات حررن محضرًا رسميًا بسبب امتناع الجهة المختصة عن تنفيذ الحكم، رغم صدور إنذارات قضائية تلزمها بذلك.
رد مديرية التضامن
حاول «باب مصر» التواصل مع مديرية التضامن بمحافظة الأقصر، للحصول على رد بشأن مطالب العاملات وموقف تنفيذ الأحكام القضائية، إلا أن المديرية لم تستجب، وقالت إنه صدرت تعليمات من وزارة التضامن بالامتناع عن الإدلاء بأي تصريحات أو الحديث مع وسائل الإعلام.
اقرأ أيضًا: «الإسكافي».. حكاية مهنة تصارع الحداثة في الأقصر








