«الإسكافي».. حكاية مهنة تصارع الحداثة في الأقصر
في ورش صغيرة تختبئ داخل شارع السوق بالأقصر، حيث تختلط رائحة الجلود بصخب الحياة اليومية، يواصل «الإسكافي» حكايته القديمة مع الجلد والإبرة، متمسكا بمهنة توارثتها الأجيال. ورغم زحف الأحذية الجاهزة وتغير أذواق المستهلكين، لا تزال هذه الورش الصغيرة تقاوم الاندثار، حاملة في تفاصيلها روح حرفة تقليدية لم تفقد بريقها، بل تحتفظ بمكانتها كجزء أصيل من ذاكرة المكان وتراثه الشعبي.
استيراد الجلود الطبيعية من القاهرة
هاني حنين يعقوب، 47عامًا، يمتلك ورشة مقسمة إلى ثلاثة أقسام لتسهيل العمل: قسم لتصنيع الأحذية والشباشب، وآخر لإصلاح وخياطة الأحذية، والثالث لترميم الحقائب بمختلف أنواعها وأحجامها. وقد ورث هذه المهنة أبًا عن جد، ويعمل في ورشته الخاصة منذ عام 2014.
يقول هاني: “مهنة الإسكافي كويسة وفيها فنيات كتير، لكن أغلب الشباب لا يحبونها ويفضلون العمل السهل، واللي عايز يتعلمها يحتاج مش أقل من 4 أو 5 سنوات على الأقل حتى يتقنها”.
يشتري هاني الجلود من القاهرة، وتحديدًا من منطقتي باب الشعرية والرويعي، حيث يتواصل مع أصحاب المحال التجارية لتحديد أنواع الجلود والكميات المطلوبة، ويقومون بإرسالها إليه في موعد متفق عليه. وعن العمل يقول: “أشتغل بثلاثة أنواع من الصبغات المستخدمة للأحذية، وهي الأسود والبني والزيتي، وأحيانًا الرصاصي. وتبدأ مراحل تصنيع الحذاء بتجهيز وجه الحذاء، ثم شدّ القالب، ونزع المسامير، ثم الصنفرة والدهان، وفي المرحلة النهائية يتم الكبس وخياطة الحذاء يدويًا”. وتستغرق هذه العمليات نحو ساعتين متواصلتين للحذاء الواحد.
وعن شراء الجلود من القاهرة، يوضح أنه يتم شراؤها بالقدم، حيث يُحسب قياس الجلد بالمساحة وليس بالمتر، وعادة ما يستخدم الجلود البقري أو الجملي أو الجاموسي، والتي تتميز بأسعار متوسطة تناسب أغلب الزبائن، بينما توجد أنواع أخرى مرتفعة السعر يقل الإقبال عليها، ويتم شراء الخامات وفقا لحجم العمل ومعدل الاستهلاك.
اختلاف الأذواق وانخفاض الإقبال
عن تفصيل الأحذية، يؤكد هاني أن أغلب الزبائن، خاصة الشباب، يفضلون الأحذية الجاهزة والكوتشيات، بينما يزداد الطلب على التفصيل من قبل السيدات وأصحاب المقاسات الكبيرة (من 45 فأعلى) لعدم توافرها في أغلب المحال، كما يتم تنفيذ أحذية مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة.
ويرجع سبب ضعف الإقبال على الشراء إلى التغير الكبير في أذواق الشباب خلال السنوات الأخيرة، حيث يتوجهون إلى أشكال عصرية لا تتوفر لدى صناع الأحذية اليدوية، في حين توفر المحال التجارية تصميمات متنوعة تواكب هذه الأذواق.
وعلى الرغم من ضعف الإقبال على التفصيل أو الإصلاح، لا يزال متمسكا بمهنته، إذ يبدأ عمله يوميا من العاشرة والنصف صباحا حتى التاسعة مساءً.
اقرأ أيضا: 70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه
تعلم الحرفة أثناء الدراسة
أما رفعت منير، فيعمل في تصليح الأحذية والحقائب منذ نحو 20عامًا، ويقول: “بدأت العمل في هذه المهنة منذ المرحلة الابتدائية، حيث كنت أذهب للمدرسة صباحا، ثم أعود لتغيير ملابسي وأتوجه إلى الورشة للعمل، وكنت أعمل أيضا خلال الإجازات”.
ويضيف أن بدايته كانت بالإصلاح اليدوي، والذي يتميز بالدقة رغم بساطته، ثم تعلم العمل على الماكينات، التي تعد أفضل في إصلاح الحقائب.
ويعمل مع رفعت في محله المعروف بشارع السوق نجله الأوسط، بشوي، وهو طالب بكلية الهندسة قسم ميكانيكا. ويقول في حالة من الرضا: “نشكر ربنا، المهنة دي فاتحة بيتنا وساترانا، واتعلمت منها الالتزام والصبر، واتعرفت من خلالها على ناس كتير، منهم الجيد والسيئ”.
ارتفاع الأسعار
عن ارتفاع أسعار الخامات، يقول رفعت إن الأسعار تضاعفت مؤخرا، ورغم ذلك لا يستطيع رفع الأسعار بشكل كبير على الزبائن، حيث يتراوح سعر خياطة القطعة بين 15 و20 جنيها، وهو أقل بنحو 10 جنيهات من محال مجاورة، رغبة في كسب الزبائن. ويضيف “أزود ليه؟ البركة في القليل مش في الكتير، والحمد لله الزبائن بتيجي للشغل النضيف، وفي ناس بتيجي من قنا وتحديدا م قوص”.
نادية عبدالله، كانت تنتظر أمام المحل انتهاء إصلاح حقيبتها، وتقول إنها زبونة لديه منذ أكثر من 6 سنوات، رغم أنها تسكن بعيدا عن المدينة، حيث اعتادت إصلاح الأحذية والحقائب لديه، لتميزه وانخفاض أسعاره مقارنة بغيره.
اقرأ أيضا: «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد
تعلم الحرفة بسبب ظروف الحياة
تعلًم أنطونيوس جرجس، الشهير بـ”توني”، 27عامًا، مهنة إصلاح الأحذية والحقائب منذ نحو 10 سنوات، بعد حصوله على الدبلوم المتوسط، حيث تعلم أصول الحرفة على يد جيرانه، وتحديدا “عم إسحاق”، قبل أن يفتتح محله الخاص ويكون قاعدة من الزبائن.
يقول توني: “بعد انتهاء الدراسة لم أجد أمامي فرصة عمل، ولم أفكر كثيرًا لأني أحب مهنة إصلاح الأشياء التالفة خاصة الحقائب والجلود، فتعلمت هذه الحرفة بسرعة وأصبحت مهنتي الوحيدة، والتحق بها أخي أيضا”. ورغم تنقله بين العديد من المحال بسبب انتهاء عقود الإيجار، إلا أن “توني” نجح في تكوين زبائن من مناطق مختلفة داخل الأقصر وخارجها، حيث يأتيه زبائن من القرى والنجوع.
ويضم محل توني ماكينتين لإصلاح الأحذية والحقائب، إحداهما بإبرة رفيعة تستخدم للأعمال الدقيقة، والأخرى بإبرة كبيرة لإصلاح نعال الأحذية، كما يستخدم أنواعا مختلفة من الخيوط مثل الحرير والكتان، حسب القطعة واختيار الزبون نفسه.
اقرأ أيضا: «الكانون».. تراث الأجداد يعود للحياة في بيوت الصعيد







