دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«معبد المدامود».. أطلال أثرية تقاوم الإهمال والمياه الجوفية شرق الأقصر

في قرية تحمل الاسم نفسه شرق الأقصر، يقع «معبد المدامود» كأحد الشواهد الأثرية الباقية منذ آلاف السنين. ورغم ما تعرض له من نسيان وإعمال، لا يزال الموقع يحتفظ بملامحه الأساسية، وكأنه يقاوم الزمن في صمت، منتظرا قرارا جريئا يعيد إليه بعضا من رونقه المفقود، قبل أن تتفاقم آثار المياه الجوفية التي تهدد بقاءه.

المعبد الذي يقع على مساحة نحو 14 فدانا، بُني في عصر الدولة الحديثة وخُصص لعبادة الإله «مونتو»، إله الحرب والضراوة، ولعل ذلك ما يفسر التشابه الكبير بينه وبين معابد الكرنك، التي تضم أيضا معبدا للإله مونتو. ويضم معبد المدامود به بحيرة تشبه البحيرة المقدسة بالكرنك، إضافة إلى طريق للكباش، وغيرها من العناصر المعمارية المتقاربة بين الموقعين.

“مادو”.. الاسم الأصلي للمنطقة 

يقول مصطفى أحمد علي، مفتش الآثار بالمعبد، في تصريح لـ«باب مصر»، إن الاسم الأصلي للمنطقة هو “مادو”، وهو المركز الإقليمي التابع لإقليم الوسط (الإقليم الرابع في مصر العليا). وكان المعبد يمثل الواجهة الشمالية الشرقية لطيبة القديمة، وارتبط بقدسية خاصة كمركز لعبادة الإله “مونتو” أو “مونسو”، إله الحرب الذي ظهر بقوة في عصر الدولة الوسطى.

ويضيف أن المعبد يتميز بكونه “سجلاً زمنياً” متحركاً؛ إذ لم يتوقف البناء فيه عند عصر واحد، بل تعاقبت عليه حضارات متعددة. فقد بدأ تشييده في عصر الدولة الوسطى، ثم توسع في الدولة الحديثة، وصولاً إلى العصر اليوناني الروماني “الجريكو-رومان”، كما توجد به بقايا أثرية تعود إلى العصرين البيزنطي والقبطي.

هذا التنوع المعماري جعله أشبه بمعبد مفتوح يضم عناصر نادرة، من بينها بحيرة مرتبطة بقناة نهر النيل، تشبه تلك الموجودة في معبد الكرنك وطريق الكباش الذي شيده الملك “نختنبو” من الأسرة الثلاثين، إضافة إلى صروح تعود إلى الإمبراطور “تيبيريوس” الذي أعاد استخدام أحجار من عصر الملك سنوسرت الثالث.

اقرأ أيضا: «وفاء الشقيري» الفائزة بجائزة داود عبد السيد: «عاوزة صوتي يوصل للناس»

معلم أثري محاط بالزراعات

يتابع مفتش الآثار حديثه: “رغم قيمة المعبد وأهميته الأثرية، فإنه يواجه تحديات تهدد بقاءه، مثل ارتفاع منسوب المياه الجوفية بسبب عدم وجود صرف صحي في القرية، إضافة إلى أنه محاط بالزراعات على مسافات ليست ببعيدة. كل ذلك تسبب في تأثر الأحجار الرملية المكونة المعبد، ما يجعله في حاجة ماسة إلى خطة عاجلة لإنقاذه.

ورغم وجود خطة معتمدة من وزارة السياحة والآثار لتحويل مسار الصرف الصحي بعيدا عن المنطقة الأثرية، إلا أن المعبد لا يزال بحاجه إلى مشروع عاجل لخفض منسوب المياه الجوفية، خاصة أن البحيرة المقدسة ما زالت مغمورة بالمياه ومحاطة بالرديم، مما يؤثر على سلامة الموقع بأكمله”.

ويشير “علي” إلى أن المعبد كان جزءا من منظومة دينية لعبادة الإله مونتو، التي شملت مراكز أخرى في أرمنت والطود، بالإضافة إلى معابد داخل معبد الكرنك، فيما يعرف بـ”المثلث المقدس” لعبادة هذا الإله. كما يضم المعبد صالة الجمهور وصالة الأعمدة الكبرى، إلى جانب حجرات مزينة بنقوش تظهر الإله مونتو بصحبة الملك بطليموس، في مشاهد تعكس العلاقة بين السلطة الدينية والملكية.

آثار خارج مصر

يؤكد مصطفى أحمد علي، مفتش الآثار بالمعبد، أن جزءًا من آثار المعبد موجود حاليا خارج مصر، خاصة في متحف اللوفر بباريس، حيث توجد تماثيل وقطع أثرية مهمة، من بينها تمثال لكبش يعود إلى عصر الملك نختنبو الأول.

ويضيف أن الموقع يشهد أعمال حفائر وترميم مستمرة تقوم بها بعثة فرنسية منذ سنوات، لافتا إلى أن تحويل المعبد إلى متحف مفتوح يتطلب عرض الكتل الحجرية المنقوشة فوق مصاطب، ما يسهل على الزائرين الاطلاع على تفاصيل النقوش. كما أن المعبد محاط بسور يعود إلى العصر الروماني، جرى تشييده في عهد الإمبراطور تراجان، ويظهر عليه نقش للعجل المقدس أبيس، الذي يشكل تطورا لبعض صفات إله الحرب مونتو.

ويردف قائلا إن معبد المدامود يمثل سجلا حيا يوضح كيف عبر المصري القديم عن مفاهيم القوة والحماية من خلال المعبودات، وكيف ربط الدين بالحياة اليومية والسياسة في وقت واحد، مؤكدا أن الحفاظ على هذا المعبد مسؤولية ضرورية لضمان بقائه للأجيال القادمة.

اقرأ أيضا: إسنا تفقد جزءا من تراثها.. إزالة منزل عمره أكثر من 100 عام

مزار أثري يتطلب ميزانية ضخمة

يقول الدكتور عبدالغفار وجدي، مدير آثار الأقصر، في تصريح لـ«باب مصر»، إن المعبد في حالته الحالية عبارة عن أطلال، وتحويله إلى مزار أثري يستقبل السائحين يتطلب ميزانية ضخمة. ويؤكد أن المعبد مفتوح بنظام الزيارات الخاصة فقط، ومعظمها زيارات علمية وبحثية، وليس مفتوحا بشكل دائم أمام الجمهور.

ويتساءل وجدي عن الجدوى الاقتصادية لضخ استثمارات في موقع أثري محدود الزيارة، في ظل وجود مواقع كبرى مثل الكرنك، الدير البحري، مدينة هابو، ووادي الملوك والملكات، والتي تستحوذ على النصيب الأكبر من الحركة السياحية. ويشير إلى أن عملية التطوير لا تقتصر على الترميم فحسب، بل تشمل تمهيد الطرق، وتأمين الموقع، وحل مشكلة المياه الجوفية، وهي عوامل تجعل فتحه للجمهور قرارا بالغ الصعوبة.

ويضيف أن بعثة فرنسية تابعة للمعهد الفرنسي تعمل منذ أكثر من عشر سنوات في الموقع، وتتركز جهودها في الجهة الجنوبية من المعبد، حيث اكتشفت بقايا أفران فخار قديمة، وهو ما يوضح لماذا كانت “مادو” مركزاً صناعياً هاماً بفضل جودة طمي النيل المتراكم في هذه المنطقة.

أسرار لم تكتشف بعد

من جانبها تقول سمر ناجي، مرشدة سياحية ومؤسسة مبادرة “اعرف تاريخك”، إن مساحة الـ14 فداناً التي يقع فيها المعبد لا تزال تحمل أسراراً لم تكتشف بعد؛ فالمساحة الظاهرة من الأعمدة والأحجار لا تمثل سوى جزء بسيط من الامتداد الحقيقي للموقع، الذي يمتد شمالاً وجنوباً، حيث كشفت مجسات سابقة عن طبقات فخار تعود لعصور مختلفة.

وتتابع: يعد معبد المدامود واحدا من المواقع الأثرية المصرية الهامة، حتى وإن لم يتبق منه سوى أطلال، إذ إنن المصريين القدماء لم يبنوا معابدهم عبثا، بل كان لكل معبد دلالة دينية وتاريخية، تقف خلفها أسرار وقصص لم تقال بالكامل. لافتة إلى أن إعادة اكتشاف هذه القصص وتحويلها إلى سرديات جذابة وتقديمها بشكل مختلف يمكن أن يحول الموقع إلى نقطة جذب سياحي ممتازة.

وتلفت ناجي إلى أن العديد من الدول، رغم امتلاكها قدرا محدودا من التراث، نجحت في تسويق مواقعها الأثرية من خلال سرديات وروايات جذابة، عبر نسج حكايات مشوقة حولها. مؤكدة أن هناك دولا إذا عثرت على حجر يتجاوز عمره مئة عام، فإنها تنسج حوله قصة تجذب آلاف الزوار وتستثمر فيه بشكل ذكي”. وتقول: “مصر تمتلك كنوزًا حقيقية، لكنها تحتاج إلى إعادة عرضها بشكل وسردية مختلفة”.

وتشير إلى أن إعادة تهيئة وتطوير معبد المدامود وفتحه للزيارة بشكل منتظم، وإدراجه ضمن البرامج السياحية الرسمية، يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية كبيرة، مؤكدة أن مثل هذه الخطوات أصبحت ضرورية في ظل الحاجة الملحة لتعزيز موارد السياحة وتوفير العملة الصعبة.

اقرأ أيضا: طقس زراعي متوارث.. رحلة حصاد الجوافة البلدي في حقول «نجع أبو الحمد»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.