«الكارينة».. حرفة دمياطية قديمة تواجه خطر الاختفاء
داخل ورش صغيرة متناثرة بين قرى دمياط، ما زالت ماكينات فرم سعف النخيل تعمل يوميًا، لتحافظ على واحدة من أقدم الحرف المرتبطة بصناعة الأثاث الدمياطي، وهي مهنة «فرم الكارينة»، التي ظلت لعقود طويلة تمثل العنصر الأساسي في ورش التنجيد التقليدي قبل انتشار الإسفنج والفايبر والخامات الصناعية الحديثة.
جزء من التراث القديم
يوضح الحاج علي أبو أربعة، صانع أقفاص، أن هذه المهنة ترتبط بتاريخ طويل داخل صناعة الأثاث بدمياط، حيث كان سعف النخيل يُحوَّل داخل الورش إلى ألياف خشنة تُستخدم في حشو الكراسي والصالونات والأنتريهات، لتمنح الأثاث متانة وعمرًا أطول، وهو ما اشتهر به الأثاث الدمياطي لسنوات طويلة.
ورغم التراجع الكبير الذي شهدته المهنة خلال السنوات الأخيرة، ما يزال عدد من صناع الأثاث يتمسكون بها، باعتبارها جزءًا من التراث الصناعي القديم للمحافظة، في محاولة للحفاظ على حرفة تواجه خطر الاختفاء مع تغير شكل الصناعة واتجاه السوق إلى الخامات الحديثة السريعة.
ويؤكد الحاج أبو أربعة أن «الكارينة» تُصنع من سعف النخيل، أو ما يُعرف بـ«الخوص»، حيث يتم إدخاله داخل ماكينات فرم خاصة لتحويله إلى ألياف خشنة تشبه الشعر، ثم تُستخدم بعد ذلك في حشو الصالونات والكراسي والأنتريهات التقليدية، موضحًا مرة أخرى أن هذه الخامة كانت لفترة طويلة العنصر الأساسي في عمليات التنجيد داخل ورش الأثاث بدمياط.
اقرأ أيضا: على ظهر البحر.. خطاطو المراكب يرسمون أحلام الصيادين ويوثقون أسماء الأحفاد
من خامة طبيعية إلى صناعة كاملة
يضيف الحاج أبو أربعة أن التنجيد بسعف النخيل لم يكن مجرد مرحلة داخل صناعة الأثاث، بل كان يعتمد على خبرة ومهارة يدويتين كبيرتين، إذ كان الصنايعي يقضي ساعات طويلة في تجهيز السعف وربطه وتوزيعه داخل قطع الأثاث بشكل متوازن يمنحها الصلابة وطول العمر، وهو ما جعل الأثاث الدمياطي قديمًا معروفًا بقوته وتحمله لسنوات طويلة.
وأوضح أن دخول الإسفنج والفايبر غيّر شكل الصناعة بالكامل، بعدما اتجهت غالبية الورش إلى الخامات الحديثة لسهولة استخدامها وسرعة تجهيزها، إلى جانب تقليل الوقت والتكلفة مقارنة بالتنجيد التقليدي بسعف النخيل، الأمر الذي تسبب تدريجيًا في تراجع الاعتماد على الكارينة واختفاء عدد كبير من الورش القديمة.
وأشار أبو أربعة إلى أن المهنة تواجه خطر الاندثار أيضًا بسبب طبيعتها الشاقة والخطرة، موضحًا أن العمال يقفون يوميًا أمام ماكينات فرم تحتوي على مئات السكاكين الحادة، وأن أي لحظة غفلة قد تتسبب في إصابات خطيرة أو حوادث بتر، وهو ما دفع كثيرًا من الشباب إلى العزوف عن تعلمها، خاصة مع ضعف العائد المادي مقارنة بالمهن الأخرى المرتبطة بصناعة الأثاث.
ونوه إلى أن المهنة كانت تنتشر بصورة واسعة داخل قرى كفر ميت أبو غالب والسوالم بمركز كفر سعد، وكانت دمياط تضم خلال التسعينيات أكثر من ألفي ورشة تعمل في فرم الكارينة، بينما تراجع العدد حاليًا إلى نحو 150 أو 200 ورشة فقط، بعد انخفاض الطلب على الخامات الطبيعية واتجاه السوق إلى بدائل صناعية حديثة.
تغير أذواق المستهلك سبب الأزمة
من جانبه، يقول صلاح مصباح، عضو جمعية الدفاع عن صناعة وصناع الأثاث بدمياط، إن تغير أذواق المستهلكين لعب دورًا كبيرًا في تراجع المهنة، بعدما أصبح كثيرون يفضلون الأثاث الحديث خفيف الوزن وسريع التصنيع، في حين يحتاج التنجيد بالسعف إلى وقت أطول وتكلفة أعلى نسبيًا.
وأضاف أن صناعة الأثاث الدمياطي كانت تعتمد في الماضي على خامات طبيعية بالكامل، مثل خوص النخيل والأخشاب الطبيعية كالأرو والزان والسويد والروماني، إلى جانب الغراء الطبيعي الذي كان يُصنع في منطقة مجرى العيون بالقاهرة ومن المدابغ، مؤكدًا أن سعف النخيل كان من أهم الخامات المحلية المتوفرة بكميات كبيرة على مدار العام.
وأوضح أن مناطق رأس البر والسنانية وكفر البطيخ، تضم أعدادًا ضخمة من النخيل، ما وفر المادة الخام لصناعة الكارينة لعشرات السنين، مشيرًا إلى أن استمرار اختفاء الورش القديمة يهدد بفقدان جزء مهم من التراث الصناعي والحرفي المرتبط بدمياط.
اقرأ أيضا:بين البر والبحر.. «الأَزَءْ» مهنة تعمير المراكب واليخوت في دمياط
الشختورة تحمل بضائع دمياط إلى المتوسط
أما الحاج عماد أبو أربعة، صاحب ورشة صناعة الأقفاص، والذي عمل منذ صغره داخل مفرمة خوص النخيل المملوكة لعائلته، فيروي تفاصيل صناعة الكارينة، موضحًا أن العمل يبدأ بجمع سعف النخيل من القرى والمزارع، ثم نقله إلى الورش لوضعه داخل حوض ممتلئ بالماء، ليبيت فيه لليوم الثاني، ليخرج مبللا لتسهيل العمل فيه داخل ماكينة الفرم، فتخرج الألياف خضراء اللون قبل أن تُنشر تحت أشعة الشمس حتى تجف، وبعدها تُكبس في ربطات كبيرة تُباع لورش التنجيد.
ويؤكد أن الكارينة لم تكن تُستخدم داخل مصر فقط، بل جرى تصديرها منذ أربعينيات القرن الماضي إلى دول عربية عدة، مثل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين، عبر ميناء دمياط النهري، باستخدام مركب شراعي كبير كان يُعرف باسم “الشختورة”.
ويضيف أن «الشختورة» كانت تحمل منتجات سعف النخيل، والحبال اليدوية، والغراء، والأرز ومنتجات خشبية متنوعة من الأثاث الدمياطي وتبحر بها إلى موانئ البحر المتوسط، وكانت تمثل وسيلة النقل الأساسية للبضائع الدمياطية في ذلك الوقت، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع ظهور وسائل النقل الحديثة وانتشار الخامات الصناعية التي غيّرت شكل صناعة التنجيد والأثاث في دمياط.
ورغم التراجع الكبير في أعداد الورش والعاملين بالمهنة، ما زال بعض الحرفيين يتمسكون بـ«فرم الكارينة» باعتبارها جزءًا من تاريخ دمياط الصناعي، ومحاولة للحفاظ على حرفة ارتبطت لعقود طويلة بتاريخ صناعة الأثاث في المحافظة، وسط مطالب بدعم الحرف التقليدية وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمها قبل أن تختفي بشكل كامل.
اقرأ أيضًا: «أقفاص الجريد».. حرفة يدوية تواجه هجوم الصناديق البلاستيكية في كفر البطيخ









