«أقفاص الجريد».. حرفة يدوية تواجه هجوم الصناديق البلاستيكية في كفر البطيخ
هنا، وفي مركز كفر البطيخ بمحافظة دمياط، تقف واحدة من أقدم الحرف اليدوية على حافة الضياع، حيث تواجه صناعة «أقفاص الجريد»، التي طالما ارتبطت بالنشاط الزراعي والتجاري، تحديات متزايدة تهدد استمرارها، في ظل هجوم بدائل حديثة مثل الصناديق البلاستيكية والكرتونية.
قطار الحاضر أم قطار التراث؟
يؤكد الحاج أحمد عبد العظيم، 63 عامًا، من كفر البطيخ، أن المدينة تُعد المركز الرئيسي لصناعة أقفاص الجريد في دمياط، حيث يعمل بها مئات العمال الذين توارثوا المهنة عبر أجيال، معتمدين عليها كمصدر أساسي للدخل. وعلى مدار سنوات طويلة، لعبت هذه الأقفاص دورًا مهمًا في نقل وتخزين الخضراوات والفاكهة، قبل أن تتراجع أهميتها تدريجيًا مع تغير أنماط التعبئة والتغليف.
اقرأ أيضا: على ظهر البحر.. خطاطو المراكب يرسمون أحلام الصيادين ويوثقون أسماء الأحفاد
مراحل الإنتاج وخامات التصنيع
يوضح الحاج عبد العظيم أن صناعة الأقفاص تعتمد على الجريد المستخرج من أشجار النخيل، والذي يتم شراؤه من مزارعي النخيل عقب موسم جني البلح. ويخضع الجريد لمرحلة تجفيف تحت أشعة الشمس حتى يصل إلى درجة الصلابة والمرونة المناسبة، تمهيدًا لتشكيله يدويًا في صورة أقفاص بأحجام مختلفة، وفقًا لاحتياجات السوق.
ويستعيد عبد العظيم ذكريات ازدهار المهنة قائلًا إن الورش كانت تعمل بلا توقف قبل ظهور الصناديق البلاستيكية والكرتونية، حيث كان الطلب على أقفاص الجريد يصل إلى آلاف القطع دفعة واحدة، مضيفًا: «كنا نصل الليل بالنهار، والنهار بالليل، لتنفيذ طلبات الزبائن التي كانت تبدأ من ألف وألفين وثلاثة آلاف قفص بمختلف المقاسات والأنواع، وكنا نعمل على الطلب الواحد شهرًا أو شهرين».
مصدر دخل إضافي
يشير الحاج عبد العظيم إلى أن تلك الفترة شهدت حالة اقتصادية مستقرة للعاملين بالمهنة، كما ساهمت في تشغيل أعداد كبيرة من العمالة بمختلف أعمارهم، حتى غير المنتظمين منهم، لافتًا إلى أن كثيرًا منهم كانوا يعتمدون على هذه المهنة كمصدر دخل إضافي بجانب أعمال أخرى.
ويؤكد أنه، رغم قسوة العمل، كان يشعر بالرضا لقدرته على توفير فرصة رزق لعدد كبير من الأسر، قبل أن يتراجع كل ذلك بشكل مفاجئ مع تقلص حجم الطلب، ليجد أصحاب الورش أنفسهم يعملون وفق احتياجات محدودة لا تقارن بما كانت عليه المهنة في الماضي.
الجريد بين تعبئة الطماطم وصناعة الكراسي
يضيف السيد ربيع، صاحب ورشة تصنيع أقفاص في كفر البطيخ، أن صناعة الأقفاص شهدت تحولًا كبيرًا، تمثل في اقتصار استخدام أقفاص الجريد خلال الفترة الأخيرة على تعبئة الطماطم فقط، بعد أن حلت الصناديق البلاستيكية والكرتونية محلها في معظم عمليات التعبئة، خاصة لمنتجات مثل المانجو والفراولة والخيار والعنب والجوافة والبلح والليمون.
ويتابع أن استخدام أقفاص الجريد يقتصر حاليًا على عدد محدود من الأغراض، أبرزها تعبئة الطماطم، إلى جانب استخدامها في صناعة كراسي وطاولات المقاهي، و”شبرية” العيش لحفظ الخبز، وأقفاص تربية الحمام، محذرًا من اقتراب المهنة من نقطة الانقراض.
ويؤكد أن استمرار استخدامها في تعبئة الطماطم يمثل طوق النجاة الأخير، مشيرًا إلى أن ظهور بديل مناسب من حيث التكلفة والكفاءة قد يؤدي إلى اختفاء أقفاص الجريد تمامًا من السوق، ما يهدد بفقدان مئات الأسر لمصدر رزقها.
اقرأ أيضا: «المنجأونة».. حكاية فطيرة تروي ذاكرة بورسعيد في شم النسيم
نظام العمل بـ”الطريحة“
يشير كريم طايل، أحد العاملين في الورشة، إلى أن انخفاض سعر القفص يجبرهم على العمل لساعات طويلة، موضحًا أنهم يعملون بنظام “الطريحة” اليومية حتى يتمكنوا من الحصول على أجر معقول.
ويضيف: “طريقة العمل تميل إلى الآلية، والتي تستدعي التحضير للحظة التجميع، ومعظم أوقاتنا نقضيها في الورشة، حتى السهر نسهر في الورشة، فلو تهاونا في أوقات العمل سنخسر كثيرًا”.
وأوضح أن العمال يحرصون على توفير أجواء معيشية داخل الورشة، حيث يظل التلفزيون مفتوحًا بعد انتهاء ساعات العمل، كما يقومون بإعداد الشاي والقهوة والطهي أيضًا، لافتًا إلى وجود غرفة منفصلة ومجهزة للحماية من أي أخطار محتملة.
نظرة الجيل الجديد للمهنة
يعمل محمد طايل في مهنة صناعة الأقفاص منذ 13 عامًا، بعدما اضطر لتحمل مسؤولية أسرته عقب وفاة والده، إذ بدأ العمل في سن صغيرة لم تتجاوز السادسة من عمره. ورغم أنه كان ينوي الاستمرار لعام واحد فقط، إلا أن الظروف دفعته للاستمرار حتى اليوم، بالتوازي مع حصوله على دبلوم التجارة منذ ثلاث سنوات.
ويصف طايل المهنة بأنها شاقة للغاية، مؤكدًا أنها أثّرت على صحته مع مرور الوقت، حيث بدأت تظهر آثار الإجهاد على جسده نتيجة طبيعة العمل المتواصلة، ورغم ذلك، يرى أن الميزة الوحيدة فيها هي حرية العمل دون التقيد بمواعيد محددة، ما يمنحه قدرًا من المرونة في يومه.
ويشير إلى أن المهنة تتطلب دقة وانتباهًا شديدين، خاصة في بعض مراحل التصنيع الصعبة، مثل عملية ثقب “الجنبية” التي تتم على ثلاث مراحل، وهو ما يستدعي تركيزًا عاليًا لتجنب الأخطاء أو التعرض للإصابة أثناء العمل.
اقرأ أيضا:بين البر والبحر.. «الأَزَءْ» مهنة تعمير المراكب واليخوت في دمياط








