دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

بين البر والبحر.. «الأَزَءْ» مهنة تعمير المراكب واليخوت في دمياط

تعد مهنة «الأَزَءْ» من المهن القديمة المهمة في صناعة وصيانة مراكب الصيد واللانشات واليخوت في دمياط، حيث لا تستغني هذه الأنواع عن تلك المهنة التي تتلخص في رفع المراكب من المياه وتثبيتها على الأرض الصلبة بهدف الصيانة، ثم إعادتها مرة أخرى إلى البحر.

عزبة البرج.. أشهر مناطق المهنة الخطرة

تتركز أغلب أماكن ورجال هذه المهنة في منطقة الطابية بعزبة البرج، ويطلقون عليها “مهنة الموت”، فأقل خطأ قد يودي بحياة الكثيرين ممن يعملون فيها. فالأخطاء واردة من أي فرد في فريق العمل، لذلك يحرص الجميع أشد الحرص على متابعة كل خطوة من خطوات إخراج المركب من البر إلى البحر والعكس.

وهي مهنة يمتهنها عدد كبير من أهالي مدينة عزبة البرج، وهم رجال أشداء، يمتلكون خبرة واسعة في مجالهم، ويقودهم “ريس أَزَءْ” لا بد أن يتحلى بالصبر والروية، يبدأ قيادتهم بترديد الصيحات الحماسية أثناء العمل مثل: “صلي على النبي صلي”، فيرددون خلفه: “هيلا هوب”، “هيلا هيلا ليلا”، وتستمر هذه الهتافات داخل الماء وخارجه، للتحضير لطلوع المركب أو نزولها إلي البحر، في عمل جماعي وعزم واحد.

اقرأ أيضا: على ظهر البحر.. خطاطو المراكب يرسمون أحلام الصيادين ويوثقون أسماء الأحفاد

عمل جماعي بالصبر والحكمة

يقول محمد معاطي، وناش الجر الكهربائي، إن الريس يقود فريق عمل يتراوح عدده بين 6 و16 رجلا، حسب طول المركب، ويحدد  دور كل فرد وموقعه أثناء العمل الجماعي، ويطلق عليه “ريس الأزء”. وبعد “العَمْرَة”  أو صيانة المركب، يتم رفعها، ويعتمد رفعها إلى البر أو إنزالها إلى البحر على آلة كبيرة تسمى “الأَزَءْ”. ويتم وضعها على ألواح خشبية تسمى “الفلنكات” تشبه قضبان القطار، وتُطلى بالشحم لتسهيل الحركة عليها.

ويتم سحب “الأَزَءْ” عن طريق  “واير” حديدي  متصل بونش جر أرضي يعمل بالسولار أو الكهرباء، ويتم السحب بهدوء وروية، وفق إشارات من  “ريس المجموعة” إلى عمال الونش. ويؤكد أن هذه المهنة شديدة الخطورة، وأي خطأ فيها – لا قدر الله – قد يؤدي إلى الموت المحقق. فعلى سبيل المثال، إذا انفلت  الواير الرئيسي لأي سبب أو انقطع، قد تنقلب المركب وتتسبب في ضحايا، وهو أمر وارد  بنسبة 20%. لذلك يعمل هؤلاء الرجال وفق حسابات دقيقة وخبرة عالية.

ويُحدد عدد العمال حسب حجم المركب، فالمركب بطول 22 مترا يحتاج إلى 8 رجال، وبطول 32 مترا إلى 12 رجلا، وبطول 42 مترا إلى 16 رجلا، وأحيانا أكثر من ذلك، بينما يحتاج اليخت الكبير إلى نحو 40 رجلا. وفي عزبة البرج نحو 20 ورشة، في كل منها “أَزَءْ” خاص برجاله، وللمهنة مواسم، حيث يزداد العمل في فصل الشتاء بسبب توقف الصيد نتيجة “النوات”، ما يدفع أصحاب المراكب إلى إجراء الصيانة خلال هذه الفترة، وتبلغ ذروة العمل في شهر ديسمبر.

خروج المركب من البحر.. أصعب المهام

يقول محمود الصردي، أحد العاملين في مهنة الأزء، إن الوقت اللازم لطلوع المركب يتراوح بين 3 و4 ساعات، بينما قد يستغرق رفع اليخوت الكبيرة، التي يصل صولها إلى 50 مترا، يوما كاملا أو أكثر، بسبب التجهيزات اللازمة داخل المياه قبل ربط المركب بـ”الأزّء” ليصبحا وحدة واحدة، وهي من أصعب مراحل العمل.

ويضيف أن المراكب التي تجرى لها صيانة في فصل الصيف تكون غالبا لأسباب اضطرارية، بينما تعد أصعب مهمة في المهنة هي فصل المركب عن “الأَزَءْ” بعد وصولها إلى البر، ثم تثبيتها على قواعد وأعمدة خشبية بطريقة متوازنة.

وتتم هذه العملية عبر خطوات دقيقة، تبدأ بإزالة الأخشاب الرقيقة التي تشبه فلنكات القطار، بالدق عليها بـ”مرزبة” حديدية ثقيلة، بعد تثبيت أعمدة خشبية قوية لسند المركب من الجانبين، في عملية تعتمد على خبرة عملية ونظريات هندسية بسيطة ومركبة في آن واحد.

اقرأ أيضا: «المنجأونة».. حكاية فطيرة تروي ذاكرة بورسعيد في شم النسيم

مهنة عريقة في مصر القديمة

يقول الباحث والأثري رضا الباز، إن  كلمة “أَزَءْ” مصرية قديمة، وما زالت مستخدمة في العامية المصرية حتى الآن في كلمة “يَزُق”، أي يدفع.

ويضيف أن هذه العملية كان قديما تتم بالدفع، فقد كان يوضع “الأزّء” على قاعدة دائرية مثبتة جيدا في الأرض، ويتم تحريكه بواسطة  “عيدان” خشبية متينة وكثيرة، تشبه تروس السواقي الكبيرة، ومثبتة في أسطوانة دائرية، ويتم توصيل حبل ضخم ومتين بها، مرتبط بـ”الأَزَءْ”  الذي تم وضعه على أسطوانات خشبية مخروطة بشكل دائري تسمي “البرافيم”، ويبدأ عدد كبير من العمال بدفع الأسطوانة الدائرية، بدفع “العيدان” الخشبية  بقوة فيتحرك “الأَزَءْ” بما عليه بسهولة علي “البرافيم” التي تكون بمثابة العجلات إلى المكان المحدد.

ويوضح الباز أن “الأَزَءْ” له رسومات موجودة على جدران معبد الكرنك، ورسوم أخرى لنقل التماثيل الضخمة، توضح استخدام هذه الطريقة، ومنها بناء الأهرامات أيضا، مع رافعات ضخمة، تتحمل نقل الأحجار الثقيلة وزن 2 و3 أطنان فأكثر، مضيفا أن أي شيء ثقيل قبل اختراع الأوناش الآلية، كان يتم نقله بنفس الطريقة، والمماليك ومحمد علي، نقلوا الأحجار بنفس الطريقة لبناء منشآتهم، وقريبا وحتى مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، استخدم عمال الصرف الصحي “الأَزَءْ” لنقل المواسير الكبيرة، داخل الشوارع التي لا تستطيع الأوناش الضخمة الدخول إليها والعمل فيها.

اقرأ أيضا: طقس«المباركة».. عادة سنوية لتنظيم العمل في صناعة الأثاث بدمياط

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.