«ذات».. عندما تغني السمسمية لقضايا نسوية
يبدأ العازف في ضبط لحن شهير على آلة السمسمية، بينما تستعد المشاركات لأداء الأغنية بعد تعديل كلماتها لتناسب قضية نسوية تطالب بحق الفتيات في التعليم والمساواة، في محاولة ذكية للاستفادة من الرمزية التاريخية للسمسمية، ومبادرة فنية لتحويل الأغنية التراثية إلى سلاح ناعم يعبر عن قضايا المرأة. استعادت مبادرة «ذات للتنمية المستدامة» التاريخ الأنثوي لآلة السمسمية، من خلال مبادرة لغناء القضايا النسوية، عبر إعادة إنتاج أغاني تراثية وتأليف أغنيتين جديدتين.
تراث نسائي للسمسمية
تقول رشا الشريف، منسقة المبادرة: “في مدن قناة السويس نعرف السمسمية كآلة للمقاومة، حكت قصص الحروب والاستنزاف والمقاومة الشعبية، وهنا نستخدم الفكرة نفسها لتدافع عن قضايا النساء”.
تضيف، وهي تبتسم: “نستعيد أيضا التاريخ الأنثوي للآلة التي ظهرت على جدران المعابد المصرية القديمة تحملها النساء، لذا يمكن القول إن السمسمية، أو الطنبورة، أو الكنار (المسمى القديم لآله)، آلة نسائية في الأساس، وهذا ما يفسر عنوان المبادرة: “نسوية على السمسمية”.
تستكمل خطوة مبادرة “نسوية على السمسمية” محاولات نسائية لتأكيد حضورهن في تاريخ الآلة، من خلال عازفات وصانعات في مدينة بورسعيد، مثل فاطمة المرسي، وأسماء حمودة، وفرقة إيمان حدو، ومبادرة “النداهة” لتعليم حرفة التصنيع والعزف. وتقول الشريف: “نسعى للوصول إلى مبادرات نسائية للعزف على الآلة، وعقد شراكات لإنتاج أغنيات المبادرة من جديد وتقديمها في حفلات”.
اقرأ أيضا: «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة
فكرة المبادرة
تشرح رشا الشريف، منسقة المبادرة: “فكرة المبادرة من البداية لم تستهدف تعليم المشاركات العزف على الآلة أو الغناء، وإنما الحكي الشخصي، وكانت الأغنيات واحدة من المخرجات، لذا اعتمدنا على عازف السمسمية رضا قنديل، لعدم وجود عازفات للآلة في الإسماعيلية نعرفهم للتعاون معهن”.
وتضيف: “بدأت المبادرة بجلسات حكي وكتابة إبداعية، كنوع من العلاج بالفن، وتحويل النصوص إلى جمل غنائية تحكي عن قضايا النساء. وكان الهدف توصيل رسائل دعم وتعزيز للمرأة، لذا جاءت النتيجة بشكل أدائي، وليس غنائيا بالمعنى التقليدي “الضمة التراثية” للآلة، التي كان يجتمع حولها الرجال ليلا ليغنوا حكايات ما حدث خلال اليوم”.
اقرأ أيضا:«مصر الغامضة» في كاروسيل اللوفر.. 22 صورة من قلب الحياة اليومية
الأغنية النسوية تستدعي التراث
لجأت المبادرة إلى توظيف الآلات الشعبية لتعزيز حضور النساء وقضاياهن من خلال الأغنية النسوية، مستفيدة من ارتباط آلة السمسمية في الذاكرة الجمعية بصوت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال.
خرجت المبادرة بست أغنيات، منها أربع بإعادة صياغة وتعديل كلمات أغاني تراثية، أشهرها “غني يا سمسمية لرصاص البندقية”، التي عُدلت إلى “غني يا سمسمية لحقوق البنية”، و”بتغني لمين يا حمام” للاحتفاء بالأم كسند للبيت، إلى جانب أغنيتين جديدتين في الكلمات واللحن، هما “بحلم يا بحر” و”البيوت“.
وكُتبت أغنية “بحلم يا بحر” كنتاج لجلسات حكي تفاعلية، لنساء وفتيات، ضمن حملة “كسر الداير” التي نظمتها مؤسسة ذات لمناهضة العنف ضد المرأة خلال عام 2024، وتقول كلمات الأغنية:
بحلم يا بحر في يوم أبقي مطمنة
ما أسمعش كلام يضايق وما أخفش من الأذى
ولا يتحكم علي من نوعي ومظهري
وأمشي بحرية في بلدي زي الطير في السما

الحكي كعلاج بالفن
تقول نيفين عبد العزيز، مدربة الكتابة الإبداعية بالمؤسسة: “في مشروع “نسوية على السمسمية”، كان دوري قائما على تحويل المساحة الآمنة للحكي إلى مساحة خلق وإنتاج فني حي. عملت مع المشاركات على استخراج أصواتهن الحقيقية، ليس فقط كحكايات شخصية، بل كخطاب نسوي واع يعبّر عن تجاربهن مع الجسد والهوية والقيود”.
وتضيف: “كانت جلسات الحكي في البداية لحظات صدق تكشف المسكوت عنه، وتظهر فيها تفاصيل يومية مؤلمة، وكان دوري أن أساعد المشاركات على رؤية القيمة الفنية والمجتمعية والسياسية في حكاياتهن، حتى وإن بدت بسيطة فهي عميقة”.
وتتابع: “ثم نعيد تفكيك هذه الحكايات وإعادة صياغتها باستخدام أدوات الكتابة الإبداعية، مثل الصورة والإيقاع والتكرار واللغة القريبة من الروح. وكانت الخطوة الأهم تحويل النصوص إلى جمل غنائية تناسب روح السمسمية، مع تبسيط التعبير دون فقدان عمق القضية، وخلق لازمة (كورّس) سهلة الترديد تعكس الفكرة الأساسية، بحيث تكون الأغنية قابلة للانتشار والترديد الجماعي”.
وتقول نيفين: “السمسمية هنا مش مجرد آلة موسيقية، لكنها وسيط ثقافي يحمل تاريخا من الحكي والمقاومة. وكان التحدي هو إدماج قضايا المرأة مثل الجسد، والختان، والحرية، والاختيار داخل قالب غنائي شعبي، يصل إلى الناس ببساطة وصدق”.
وتختتم حديثها: “النتيجة كانت أغاني خرجت من تجربة حقيقية وليست مفروضة، تتحدث بصوت النساء وحكاياتهن بشكل مباشر، وقادرة على الوصول والتأثير، وبالنسبة لي، كنت مستمتعة بالتجربة، وسعيدة بفرحة المشاركات وفخرهن بمحصلة إبداعهن، والتعبير عن ذواتهن في مساحة آمنة”.
اقرأ أيضا: الفنان نتاج بيئته.. كيف أرّخ «العزبي» و«الخولي» ذاكرة «المدن الباسلة»؟



