دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

من غير صنارة يا نعمة.. هل تتحول «أم الخلول» والبكلويز إلى ذكرى؟

كانت «أم الخلول»، لسنوات طويلة، ضيفا دائما على موائد بورسعيد. لا يكاد يكتمل إفطار من دونها، إلى جوار أطباق الفول والطعمية والجبنة القديمة والمِش والعسل والطحينة الحمراء. وبرغم صغر حجمها، فإن لها قدرة عجيبة وغامضة على فتح الشهية، حتى إن الناس كانوا يقولون عنها ببساطة: «تفتح النفس على الأكل».

ثم، شيئا فشيئا، انسحبت من البيوت. غابت كما تغيب الأشياء الحميمة من المدن القديمة؛ بلا ضجيج وبلا وداع. دخلت أصناف أخرى إلى الموائد، لكن «أم الخلول» ظلت عالقة في الذاكرة، تلمع هناك مثل حنين بعيد لا يخفت. ولذلك، ذهبت أبحث عنها.

مهنة قديمة تقاوم النسيان

في أقصى غرب بورسعيد، بالقرب من منطقة الجميل، حيث يضيق العمران ويتسع البحر، وحيث ما تزال بقايا المهنة القديمة تقاوم النسيان، التقيت عم محمد الكناني، أحد أقدم صائدي أم الخلول والبكلويز. كان يقف قريبا من الماء، بملامح تشبه البحر نفسه؛ صامتة وممتدة، وتحمل أثر السنين.

حكى لي عن الأيام التي كان فيها بائع الخلول جزءا أصيلا من مشهد المدينة. كان الصياد يستيقظ قبل الفجر، يحمل أدواته فوق دراجته، ويتجه نحو البحر المالح، البحر المتوسط. هناك، ينزل إلى المياه، واقفا وسط الأمواج، باحثا بقدميه وخبرته عن أماكن “أم الخلول” المختبئة داخل الرمال الناعمة. لم تكن المسألة مجرد حرفة، بل معرفة قديمة توارثتها الأسر جيلا بعد جيل؛ معرفة بالمد والجزر، بحركة الماء، وبالأماكن التي يختبئ فيها الرزق.

يقول عم محمد، وهو يشير إلى البحر: “أحيانا نكون قريبين جدا من الشط، وأحيانا نمشي خمسين مترا داخل البحر. البحر له لغة، واللي عاش عمره فيه يفهمه”.

اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة

أم الخلول.. تصوير: وليد منتصر
أم الخلول.. تصوير: وليد منتصر
الفول المدمس والطعمية مع أم الخلول

بعد الصيد، يجلس الصياد على الشاطئ، وإلى جواره المنخل الكبير، ليفصل “أم الخلول” عن “البكلويز”، ويستبعد الأصداف الفارغة والقشور البحرية. ثم يبدأ في تجهيزها للبيع. بعض الزبائن يفضلونها “حادقة”، فيضيف إليها الملح، وآخرون يفضلونها “حلو ملح” أو “نص سِوَى”. لكل واحد مذاقه، ولكل بيت طريقته.

ثم يحمل الرجل رزقه فوق دراجته، وينطلق إلى شوارع بورسعيد وحاراتها القديمة، ينادي بصوته العالي، رافعا وجهه ناحية التراسينات والشرفات: “خلول يا غليظة”.

وكان المشهد مألوفا إلى درجة أنه صار جزءا من روح المدينة. يقف بائع “الخلول” غالبا بجوار مطاعم الفول والطعمية، حتى يشتري الناس إفطارهم دفعة واحدة؛ طبق فول ساخن، وطعمية، وبعض “أم الخلول” الطازجة.

أم الخلول في الذاكرة التشكيلية

عندما انتقلت من البحر إلى الذاكرة، كان لا بد أن أصل إلى لوحات الفنان البورسعيدي الراحل مصطفى العزبي، الذي رسم تفاصيل الحياة القديمة في بورسعيد عبر ثلاث وسبعين لوحة، كأنه كان يخشى على المدينة من النسيان.

هناك، التقيت محسن العزبي، ابن الفنان الراحل، الذي أخذ يحدثني عن لوحة “صائد وبائع أم الخلول” الشهيرة، وكأنه يفتح نافذة على زمن كامل.

قال إن والده لم يكن يرسم الأشخاص فقط، بل كان يرسم طقوس الحياة نفسها. ففي اللوحة يظهر بائع الخلول ممسكا بـ”كوز” فارغ يستخدمه كمعيار للبيع، حتى “يبيع بذمة واحدة”، كما كان يقول أهل زمان. يملأ الكوز بالخلول، ثم يفرغه داخل قرطاس ورقي، بينما تقف طفلة صغيرة تحمل نصيبها في طبق معدني.

“الكوريك” و”المهزة”.. أدوات الصيد 

خلف بائع الخلول، يبدو عامل مطعم الفول وهو يغرف الفول المدمس من القٍدر الكبيرة مباشرة إلى أطباق الزبائن، في زمن لم تكن فيه الأكياس البلاستيكية قد غزت كل شيء، وكانت التفاصيل الصغيرة تملك روحا مختلفة. ثم انتقل محسن العزبي إلى لوحة أخرى لا تقل أهمية، تكشف تجمعا كاملا لصائدي “أم الخلول” على الشاطئ، وهم يمارسون مهنتهم القديمة، كما لو كانوا جزءا من حركة البحر نفسه.

في اللوحة، يقف الرجال داخل المياه الضحلة منذ الصباح الباكر، يحملون “الكوريك” و”المهزة”، وهما الأداتان الأساسيتان لصيد “أم الخلول”. يقوم الصياد بجرف الرمال من القاع بالكوريك، ثم يلقي ما جمعه داخل المهزة، وهي أشبه بمصفاة سلكية كبيرة، لتنفصل الرمال ويبقى ما تخفيه الأعماق من أم الخلول والبكلويز والقشريات الأخرى.

لوحة صيد أم الخلول للفنان مصطفى العزبي
لوحة صيد أم الخلول للفنان مصطفى العزبي
وثيقة بصرية لحياة الصيادين

يقول محسن العزبي إن والده كان حريصا على رسم تفاصيل الفرز بدقة؛ كيف يجلس الصيادون بعد الصيد مباشرة على الشاطئ، وإلى جوارهم المناخل الكبيرة، يفرقون “أم الخلول” عن الكابوريا، ويستبعدون الأصداف الفارغة والقشور البحرية. لم تكن العملية سهلة كما يظن البعض، بل تحتاج إلى عين خبيرة تميز النوع الجيد بين عشرات الأشكال البحرية المتشابهة.

وكانت اللوحة، كما وصفها محسن، أقرب إلى وثيقة بصرية تؤكد كل ما رواه عم محمد الكناني عن عالم “أم الخلول” القديم؛ عالم يبدأ مع خيوط الفجر الأولى، حين يخرج الصيادون إلى البحر، ويستمر حتى ما قبل الظهيرة، حيث تعد تلك الساعات أفضل أوقات الصيد.

وأضاف أن والده كان مأخوذا بفكرة الجماعة في المهنة؛ الرجال الواقفون جنبا إلى جنب داخل الماء، وكأنهم عائلة واحدة تربطها لقمة العيش والبحر. حتى الصمت بينهم كان يحمل ألفة خاصة لا ترى إلا في المهن القديمة.

اقرأ أيضا:تمثال «الجندي المجهول».. كيف بدأت حكايته في بورسعيد وانتهت في أستراليا

حرق وهدم تمثالين رمزيين لصيادي بورسعيد

لعل المدينة نفسها حاولت، في لحظة وفاء نادرة، أن ترد شيئا من الجميل لهؤلاء الرجال الذين عاشوا أعمارهم بين الملح والماء. ففي عام 2008 صممت محافظة بورسعيد “ميدان الصيادين” بجوار مساكن اللنش في حي المناخ، تكريما لصيادي أم الخلول والصيادين عموما. وهناك انتصب تمثالان؛ الأول لصائد أم الخلول، والثاني لصياد الطراحة، كأن المدينة كانت تحاول أن تحفظ ذكرى أبنائها البسطاء في تشكيل فني للفنان الدكتور السيد القماش، بعدما حفظتهم طويلا في الذاكرة والأغاني.

كان تمثال صائد أم الخلول يقف ناظرا ناحية غرب المدينة، إلى البحر الذي خرج منه رزقه وحكايته وعمره كله، وكأنه ما يزال ينتظر عودة المراكب مع أول النهار. لكن الميدان لم ينج من قسوة الأيام. ففي بدايات ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، تعرض التمثالان للحرق والهدم على يد بعض الخارجين، واختفى ذلك العمل الفني الذي كان يعبر، ببساطته وصدقه، عن بعض المهن القديمة المميزة لأبناء بورسعيد، وعن علاقتهم الحميمة بالبحر، ذلك البحر الذي منحهم دائما أكثر مما أخذ منهم.

ولأن بورسعيد لا تحفظ ذاكرتها في الصور فقط، بل في الأغاني أيضا، كان لا بد أن أصل إلى حكاية أغنية السمسمية الأشهر التي تغنت بـ”أم الخلول”، تلك التي كتبها الشاعر الكبير الراحل كامل عيد، وروى تفاصيل ميلادها في كتابه الشهير “بورسعيد علم ونغم”.

طريقة صيد أم الخلول.. تصوير: وليد منتصر
طريقة صيد أم الخلول.. تصوير: وليد منتصر
أم الخلول واستلهام الشعر لحياة الصيادين

يحكي كامل عيد أن قصيدة “طازة وعال يا أم الخلول” ولدت ذات ليلة، أثناء رحلته المعتادة مع صديقه وأستاذه الشاعر حلمي الساعي، عقب انتهاء الندوة الأسبوعية بقصر ثقافة بورسعيد. كانا يسيران معا في الطريق المؤدي إلى بيت الساعي، القائم بجوار سينما مصر الشهيرة، حين صادفا بائع “أم الخلول” يمر في الشارع، فاقترح الساعي شراء قرطاسين.

يقول عيد إنهما افترقا بعد ذلك، لكنه حين عاد إلى منزله وجد نفسه يردد لزوجته، بلا سبب واضح: “طازة وعال يا أم الخلول”، وظلت العبارة تدور داخله طوال الليل، حتى خرجت القصيدة كاملة من أصدافها المغلقة بأسرار البحر إلى رحابة الورق ولمعانه.

كتب: “طازة وعال يا أم الخلول.. حلوة وعال يا أم الخلول.. من غير سنارة يا نعمة.. أنا صايدك من الرملة الناعمة.. على رخصك لكن طعمة.. آه آه.. آه يا حلاوتك”. ولم تكن القصيدة مجرد أغنية شعبية عابرة، بل تحولت مع الوقت إلى أحد مفاتيح المدينة نفسها، ودليل صغير للوصول إلى روح بورسعيد القديمة وسحرها.

رقصة أم الخلول

حين قدمتها الفرقة القومية للفنون الشعبية ضمن عرض “رقصة أم الخلول” الشهير، أصبحت الأغنية جزءا من الذاكرة الجمعية للمصريين، كما كانت أيضا بطاقة التعارف الأولى للفنانتين مشيرة إسماعيل وعايدة رياض في بداياتهما الفنية.

ومن طرائف الحكاية أن الفرقة القومية للفنون الشعبية، عندما قررت تقديم العرض عام 1972، عهدت بكتابة النص المصاحب للرقصة إلى فنان السمسمية المعروف عبد السلام الشهير بـ”الداش”، دون أن تدرك أن هناك نصا شعريا كاملا يحمل الاسم نفسه، كتبه كامل عيد بروحه البحرية المدهشة. لكن كامل عيد، كما يروي المقربون منه، لم يهدأ له بال حتى ارتبط اسمه نهائيا بالأغنية، وبات من المستحيل أن يذكر أحدهما دون الآخر، كأن القصيدة صارت جزءا من سيرته، أو كأن البحر نفسه وقعها باسمه.

السمسمية وأم الخلول

ربما كانت قصيدة “أم الخلول” آخر وأجمل ما كتبته السمسمية عن هذه المحارة الصغيرة، بعد سلسلة طويلة من الأغاني الشعبية البسيطة التي تغنت بحلاوتها وطعمها وارتباطها بأيام بورسعيد القديمة. كان الناس وقتها أصحاب مزاج خاص، في السماع كما في الطعام. يستمعون إلى أم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي وبليغ حمدي، ويعرفون أيضا كيف يمنحون الإفطار طقسه الكامل. لم يكن الطعام مجرد جوع ينتهي، بل لحظة لها مذاق وروح.

ورغم أن مهنة بيع الخلول والبكلويز لم تكن مربحة قديما، وكانت بالكاد تكفي احتياجات الأسرة اليومية، فإنها كانت مهنة شريفة يعيش أصحابها منها في رضا وصبر. أما اليوم، فقد تغير كل شيء، ارتفعت أسعار البكلويز بشكل كبير، وأصبح بعض العاملين فيه يعيشون حياة مختلفة تماما عن الماضي.

أم الخلول.. تصوير: وليد منتصر
أم الخلول.. تصوير: وليد منتصر
تعددت الأسماء واختلفت الأنواع

عن “أم الخلول”، حكى لي عم محمد شيئا آخر، قال إن لكل مدينة ساحلية اسمها الخاص بها. ففي الإسماعيلية تسمى “أم الخلول”، وفي الإسكندرية تعرف باسم “الجندوفلي”، بينما يشتهر اسم “البكلويز” أكثر في بورسعيد.

أما أنواعها، فتختلف باختلاف شكلها ولونها وملمسها. هناك “البلطي”، وهو صغير الحجم نسبيا، أملس، ويميل لونه إلى السواد. وهناك “العرايس”، وهي أكبر حجما، ملساء أيضا، ولونها أحمر، وتنتشر في بورسعيد والإسماعيلية. أما “السباع”، فهي خشنة الملمس ومتعددة الألوان. ويعرف الصيادون أن أفضل أوقات صيد “أم الخلول” تبدأ مع أول خيوط الفجر وتمتد حتى الحادية عشرة صباحا، كما تكثر في الصيف أكثر من الشتاء.

كنت أستمع إلى عم محمد، بينما البحر أمامنا يواصل حركته القديمة نفسها، كأنه لم يتغير أبدا. البحر الذي منح المدينة رزقها، وأغانيها، وملحها، وحكاياتها الصغيرة.

يا بحر، كم من الأشياء خرجت من أعماقك ثم اختفت، بينما بقيت أنت وحدك شاهدا على الجميع. أو كما قال الشاعر: “البحر واحد والسمك ألوان”. ومنك عاش الصيادون البسطاء الذين عرفوا أن الرزق يحتاج إلى صبر، وإلى قلب لا يخاف الموج. وكان عم محمد، وهو ينظر إلى المياه البعيدة، يبدو كأنه آخر من يتحدث بلغة قديمة لم يعد كثيرون يفهمونها.

اقرأ أيضا: «أم الخلول».. أكلة شعبية تحولت إلى تراث يُغنّى

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.