«العيش في التراث».. حوار مفتوح حول الإنسان والمكان في قلب المدن التاريخية
هل تنجح القاهرة في الموازنة بين الإنسان والحجر؟
في وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول مستقبل المدن التاريخية، انطلقت فعاليات أسبوع مصر الحضري لعام 2026، خلال الفترة من 18 حتى 23 إبريل، لتفتح نقاشا أوسع حول العلاقة بين الإنسان والتراث. وفي هذا السياق، نظم برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في مصر جلسة الويبينار الثانية عبر تطبيق «زوم»، تحت عنوان: «العيش في التراث: واقع المجتمع، الإسكان، وسياسات التجديد الحضري»، لطرح رؤى متعددة حول سبل تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية العمرانية واحتياجات السكان.
أسبوع مصر الحضاري
شهدت الجلسة مشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين، من بينهم: المهندس هشام جوهر، رئيس إدارة الدراسات والتخطيط وتصميم المشروعات بصندوق التنمية الحضرية، والمهندس كريم إبراهيم، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة “تكوين” لتنمية المجتمعات المتكاملة، وكريم الشافعي، الشريك المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة “الإسماعيلية للاستثمار العقاري”، والمهندس محمد أبو سمرة، رئيس مجلس أمناء مؤسسة “تكامل” للتنمية المتكاملة والمستدامة، والدكتور علاء الحبشي، أستاذ العمارة والحفاظ على التراث ورئيس قسم الهندسة المعمارية بجامعة المنوفية، والمهندسة سلمى نصار، مسؤولة برنامج التطوير الحضري ببرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، والتي أدارت الجلسة.
بدأت جلسة الويبينار بكلمة ترحيبية، تلاها تقديم من المهندسة سلمى نصار، تناولت فيه التعريف بأسبوع مصر الحضري، مع التركيز على كيفية الموازنة بين الحفاظ على التراث المعماري واحتياجات السكان الفعليين والنمو العمراني في مناطق مثل القاهرة التاريخية.
وأشارت إلى أن المناطق التاريخية في مصر، وعلى رأسها منطقة “مدينة الموتى” أو “القرافة”، ليست مجرد أطلال أثرية أو قطع متحفية جامدة، بل هي أنسجة عمرانية تنبض بمجتمعات مستقرة منذ عقود طويلة. كما أوضحت أن القاهرة التاريخية تمثل مساحات تتطور وتتفاعل مع احتياجات سكانها اليومية، مؤكدة أن وضع السكان هو الرهان الحقيقي لنجاح أي عملية تطوير.

مدينة الموتى.. قرافة المماليك
تناول المهندس محمد أبو سمرة الحديث عن “مدينة الموتى” أو “صحراء المماليك”، مستعرضًا تاريخها، إذ يُطلق هذا الاسم على عدة مقابر قديمة تقع في قلب القاهرة، وتعد المقابر الشمالية أشهرها، والتي تعرف أيضاً باسم “القرافة الكبرى”، وهي أكبر مقبرة إسلامية في العالم.
وأشار إلى أنها تضم أكثر من 5 ملايين مقبرة، يعود تاريخها إلى القرن السابع الميلادي، بينما يقدر عدد سكان منطقة صحراء المماليك بنحو 24 ألف نسمة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2017.
ولفت إلى الرؤية السائدة لهذه المنطقة، حيث غالبا ما تُصور باعتبارها حالة متناقضة، أي كمقبرة تؤدي وظيفة حي حضري حي، إلا أنه أوضح أن هذا التوصيف مضلل، مؤكدا أنه ليس تناقضاً، بل وضع حضري تاريخي متعدد الطبقات تطور عبر قرون، يتعايش فيه المشهد الحي مع المشهد التذكاري الجنائزي. وأوضح أن القضية الحقيقية لا تكمن في وجود هذه المجتمعات، بل في غياب الاعتراف الرسمي بها، وأن السؤال ليس كيف نطورها، بل كيف نتعامل مع مكان تم استبعاده بشكل منهجي من النظم الرسمية دون تكرار هذا الاستبعاد.
مكونات المنطقة ومبادرات حولها
في نفس السياق، تطرق أبو سمرة إلى طبيعة استخدام السكان لهذه المنطقة، مشيرا إلى أن جوا من الإهمال يسودها، كما أن كثيرا من الناس، بمن فيهم السكان، يجهلون القيم الجمالية والفنية والتاريخية لهذه الآثار.
واستعرض المكونات الثلاثة الرئيسية للمنطقة، وهي: سكن المجتمع المحلي، والموارد التراثية أو (الآثار)، والمقابر الشمالية، بالإضافة إلى الحرف اليدوية التقليدية.
كما عرض تاريخ المبادرات التي استهدفت تطوير المنطقة، على النحو التالي:
1- عام 2018: إجراء دراسات مجتمعية شملت عينة من 100 أسرة، أطلقتها جمعية الشابات لرعاية المرأة وتحسين البيئة.
2- عام 2020: وضع التصور والحصول على الموافقة الرسمية من المجلس الأعلى للآثار، والتي أطلقتها مؤسسة “تكامل” بالتعاون مع جمعية الشابات لرعاية المرأة وتحسين البيئة.
3- عام 2023: إطلاق ورشة “صناعة المكان” بمشاركة الخبير الدولي جيمس ستيكلي لتطوير المنطقة، مع التركيز على المرونة والدمج الحضري.
4- خلال الفترة من 2024 إلى 2026: تعاون بين مؤسسة “تكامل” و”أماكن” والجامعات، لتنظيم ورش عمل ومحاضرات وعروض ضمن المنتدى الحضري العالمي ونقابة المهندسين.
واستعرض أبرز المشكلات التي تواجه المنطقة، ومنها: القضايا البيئية، والتعديات على الآثار، ومشكلات اقتصادية تؤثر على الحرفيين إلى جانب قضايا صحية. أما الإمكانات والحرف، فتشمل: التحف الزجاجية والزجاج المعشق، والنقش على النحاس، والخيامية والسجاد اليدوي، والفخار، وأعمال الصدف والأرابيسك.

مدينة الموتى.. الاحتياجات والتأثيرات
واصل المهندس محمد أبو سمرة حديثه عن الاحتياجات والتأثيرات التي تمس المنطقة، موضحا أن المجتمع المحلي يسعى إلى الاعتراف بالتجمع السكني كمجتمع وظيفي يحتاج إلى خدمات أساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية والمساحات المفتوحة، فضلا عن التدريب المهني ودعم المرأة والطفل.
كما أشار إلى أهمية حماية الموارد التراثية والحفاظ على الموقع الأثرية، من خلال إنشاء مناطق حماية، وتنظيم حركة المرور والمشاة، وتوفير خدمات للزوار، مثل مراكز المعلومات والمطاعم والأنشطة التجارية.
وتطرق كذلك إلى المقابر العائلية، التي تؤدي وظيفة مهمة للقاهرة الكبرى في تكريم الموتى، موضحا أن احتياجاتها المستقبلية تشمل تحسين الوصول، وتقديم خدمات للقائمين على إدارتها، ودعم الزوار وتعزيز الأمن.
وفي ختام حديثه، تناول سبل تغيير الصورة النمطية عن المنطقة، مؤكدا أن الشعور بعدم الأمان في “مدينة الموتى” ليس قانونيا بقدر ما هو نفسي وتاريخي، نتيجة إشارات متكررة تلقاها السكان بأن وجودهم مؤقت أو غير مرغوب فيه، إلى جانب تدخلات “من أعلى إلى أسفل” مع ضعف التشاور. وأوضح أن بناء الثقة لا يتحقق فقط عبر ورش العمل التشاركية، بل يتطلب تغييرا جذريا في أسلوب التعامل والموقف العام.
سبل التحول الاستراتيجي
أشار أبو سمرة إلى أن شكل التحول الاستراتيجي لا بد أن يكمن في الاعتراف قبل التدخل، أي الإقرار بوجود المجتمع قبل البدء في أي عمل، مع التأكيد على الاستمرارية بدلاً من الوعود، إذ أن الثبات في التعامل أهم من إطلاق الوعود.
كما شدد على أهمية الإنتاج المشترك، وليس مجرد التشاور، فالمجتمعات ليست أطرافاً معنية يتم الاستماع إليها فقط، بل هي شركاء في صياغة النتائج. وأوضح أن الإنجازات السريعة مهمة، ولكن فقط إذا كانت جزءًا من تواجد طويل الأمد.
ونوه بأن أحد أكبر المخاطر في التجديد القائم على التراث هو ما يطلق عليه “التهجير الجمالي”، حيث يتم تحسين شكل المنطقة على حساب طرد سكانها. وفي ختام حديثه، استعرض عددا من التحديات، تمثلت في تحدي الإدارة نتيجة تداخل السلطات، ومنها: هيئات التراث، والحكومة المحلية، والمؤسسات الدينية، بالإضافة إلى الشبكات المجتمعية بشكل غير رسمي.
واختتم بسؤال: هل نحن على استعداد للتعامل مع هذه المجتمعات كجزء من مستقبل المدينة، وليس فقط ماضيها؟
مشروع إسنا.. مؤسسة تكوين
وجهت المهندسة سلمى نصار النقاش إلى المهندس كريم إبراهيم، الذي استهل حديثه بمدينة إسنا، والتطوير الحضري لتراثها العمراني، مشيرًا إلى أنها تعد ثالث مدينة تاريخية في مصر، كما تمثل مركزا حيويا للمناطق المحيطة بها.
وأوضح أن العمل على هذا الملف يأتي بهدف الحفاظ على التراث الثقافي للمدينة، وهو ما دفع المؤسسة إلى تطوير منتجات وخدمات سياحية عالية الجودة، بما يسهم في زيادة العائد الاقتصادي للمجتمع المحلي. وأكد أن الهدف الأساسي يتمثل في تنفيذ برامج التنمية الحضرية، من خلال ترميم المواقع الأثرية والتراثية المرتبطة بمدينة إسنا، سواء الأسواق أو واجهات المباني المتميزة معماريًا أو الشوارع، بالإضافة إلى ترميم وتطوير بعض المباني التراثية وتحويلها إلى فنادق سياحية.
واستعرض صورا توضيحية تبرز جهود مؤسسة “تكوين” في عمليات الترميم، والتي تؤكد أن التطوير يركز على الإنسان وليس على الشكل أو التصميم فقط، إلى جانب الفعاليات التي تطلقها المؤسسة، مثل ورش العمل المرتبطة بالتراث المادي وغير المادي، ما أسهم في توفير مئات فرص العمل، وتدريب أبناء المنطقة على الحرف اليدوية وأعمال الترميم.
اقرأ أيضا: الطعام في الأدب المصري.. حلقة نقاشية لـ«طبلية مصر» في بيت الرزاز

بيت يكن.. اليكنية
من جانبه، تحدث الدكتور علاء الحبشي عن مشروح ترميم “بيت يكن“، الذي يعد مبادرة نحو تجديد التراث والتنمية المستدامة، مستعرضًا تاريخ البيت، باعتباره أحد أبرز بيوت القاهرة التاريخية المسجلة ضمن قائمة التراث.
وأوضح جهود ترميم الأجزاء المنهارة، مثل القاعة الشرقية، إلى جانب تصميم وتنفيذ شبكات الكهرباء وتغذية المياه، فضلا عن أعمال الترميم الدقيق لإظهار المراحل التاريخية المختلفة التي مرت على البيت وربطها بتاريخ مدينة القاهرة. بالإضافة إلى تصميم وتنفيذ إضافات معمارية حديثة مطلوبة لإعادة الاستخدام، وإدراج بعض العناصر التاريخية ذات من خارج البيت كانت عرضة للانهيار.
واستعرض من خلال الصور لقطات توضح حالة “بيت يكن” قبل وبعد الترميم، بالإضافة إلى المناطق التي كانت تحيط به، مثل مئذنة الجاي اليوسفي، وسد مرزادة، وعقود بيت يكن، وسراي إبراهيم يكن، ومنطقة أم السلطان شعبان. وأشار إلى أن جهود الترميم امتدت إلى الزراعة، من خلال تنظيم ورش وندوات تبرز دور المجتمع في الحفاظ على المساحات الخضراء، موضحا أن مساحة البستان تمثل نحو 1.8% من إجمالي المساحات الخضراء التاريخية في “اليكنية”.
وأكد أن “بيت يكن” يواصل تنظيم الندوات والجلسات النقاشية والدورات التدريبية، مثل أعمال ترميم الأسقف المزخرفة والرسومات الجدارية، إلى جانب ورش العمل التي تستهدف الحفاظ على التراث وإحيائه، خاصة لدى الأطفال. واختتم بالإشارة إلى فوز المشروع بجائزة “إيكروم”، التي تعكس تكامله بين التراث والتنمية والمجتمع والاستدامة.
صندوق التنمية الحضرية
في السياق ذاته، وجهت المهندسة سلمى نصار سؤالا إلى المهندس هشام جوهر حول دور صندوق التنمية الحضرية، حيث استعرض مبادرات الصندوق في تطوير المناطق التراثية، مع التركيز على خلق فرص استثمارية جديدة، وشرح مفهوم التطوير والترميم في هذا السياق.
وأوضح أن دور الصندوق يتمثل في تحقيق التنمية الشاملة، وتعزيز التعاون لدعم المشروعات الكبرى الهادفة إلى ترميم وتطوير المناطق التراثية، كما بين كيف يمكن لعمليات الترميم إدماج عناصر حديثة تواكب العصر، مع الحفاظ على الطابع الأصلي.
اقرأ أيضا: «أكلات وذكريات.. حكايات وراء الشيفات».. طبلية مصر تواصل فعاليات إحياء تراث الطعام
دور شركة الإسماعيلية
أما كريم الشافعي، فتناول دور شركة “الإسماعيلية” في ترميم مباني قلب القاهرة، مع الحفاظ على طابعها المعماري، بالإضافة إلى التعاون مع القطاع الحكومي فيما يخص ملف التراث العمراني.
وأوضح أن الشركة تمتلك 25 عقارًا، خضعت جميعها لعمليات شراء العقارات، واستخراج أصل المبنى والكشف عليه. ثم ترميمه وتوظيفه في الاستخدام الأمثل، بهدف الحفاظ على التراث المعماري لوسط البلد، وإعادة تقديمه كوجهة نابضة بالحياة تستقطب السكان والزوار والشركات.
وأشار إلى آلية العمل التي تتبناها الشركة، وتتمثل في: المسؤولية البيئية، وإحياء وسط البلد، والتطوير والترميم، وتخطيط وإدارة المساحات، والعمل على المباني، حيث إنهم يركزون على خمسة مجالات، هي: المساحات السكنية، المساحات المكتبية، الضيافة، الترفيه، وقطاع المأكولات والمشروبات.
كما استعرض عددا من المؤشرات، منها: تنظيم 125 فعالية في وسط البلد، ووجود 180 مستأجرا، وترميم 16 مبنى أثريا، والحفاظ على 25 مبنى آخر. واختتم بعرض صور توضح حالة المباني قبل وبعد الترميم، وما شهدته من تدهور عبر عقود.
ختام الويبينار
اختتم الويبينار بكلمة ختامية ألقتها المهندسة سلمى نصار، عقب مناقشة عدد من الأسئلة التي طرحها الحضور حول العيش المجتمعي في مناطق التراث وسياسات التجديد، والتي أجاب عليها المتحدثون.
اقرأ أيضا: ثلاثية «الترميم، الإدارة، والمجتمع».. خارطة طريق للحفاظ على تراث مصر الجديدة


