دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الفنان نتاج بيئته.. كيف أرّخ «العزبي» و«الخولي» ذاكرة «المدن الباسلة»؟

في الخامس عشر من إبريل كل عام، حين يحتفل العالم بـ«اليوم العالمي للفن» تقديراً لكون الإبداع رابطا بين رؤية الفنان ومجتمعه، يلفت الانتباه إلى سيرة الفنانين عوض الخولي (1950-2021) ومصطفى العزبي (1944-2015)، ولوحاتهما التي صاغت بيانات للهوية على قناة السويس.

تجربة الفنانين العزبي والخولي علامتين فارقتين في تاريخ الفن المصري المعاصر، خاصة إنجازهما في توثيق الحياة في بورسعيد والإسماعيلية. واستطاعا، بأسلوبين مختلفين، تلقائي فطري وأكاديمي رصين، أن يقدما توثيقا لهوية بصرية للحياة اليومية في مدن القناة، محولين إياها إلى نصوص بصرية.

في بورسعيد يؤرخ العزبي بموهبة تلقائية عفوية بريشته، مستعيدا أشكال الحياة اليومية للمدينة في منتصف القرن العشرين، وموثقا لحرف كادت تندثر، ومنها ما اختفى بالفعل، مثل «جامع الروبابيكيا» والكلوباتي ومبيض النحاس، إلى جانب شوارع بورسعيد القديمة. وفي الإسماعيلية، يبرز عوض الخولي بموهبة راسخة دعمها دراسة أكاديمية، لخدمة الموروث الشعبي وعلاقة الإنسان ببيئته، كما أسهم في تصميم شعارات أهم المهرجانات في مدينه الفنون الشعبية والأفلام التسجيلية.

الفنان ابن بيئته

يقول الفنان خالد خالد، رئيس قسم الفنون التشكيلية بمركز الفنون بالإسماعيلية: “الفنان ابن بيئته، ومدن القناة بطبيعتها الساحلية يتأثر فنانوها بالحياة على البحر والقوارب، وكذلك الحدائق المفتوحة والأشجار، فالطبيعة الهادئة تؤثر بالفعل على نفسية الفنان، فيصبح مثلها”.

ويضيف: “هنا تبرز شخصية الفنان عوض الخولي وتأثره بطبيعة الإسماعيلية التي عاش فيها، فأصبح هادئا في أعماله وتعامله مع الألوان”.

ويؤكد خالد على الخبرة الأكاديمية لعوض الخولي، حيث درس بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وتأثر أيضا بالبحر المتوسط والطبيعة الهادئة، وأستمر في الحياة بالإسماعيلية، وإن ظلت إسهاماته ممتدة في الحياة الفنية بالقاهرة، وأصبح له مقتنيات في متحف الفن المصري الحديث”.

اقرأ أيضا: «حمام عزوز».. وعود غير مُنجزة لترميم آخر حمام شعبي في رشيد

لوحة للفنان عوض الخولي عن بحيرة التمساح.. تصوير: محمد عوض
لوحة للفنان عوض الخولي عن بحيرة التمساح.. تصوير: محمد عوض
أثر الطبيعة

في بورسعيد والإسماعيلية، جعل عبور السفن بقناة السويس، وحركة قوارب الصيد، وأسواق الأسماك، إضافة إلى تاريخ النضال في الحروب، الفن التشكيلي أداة توثيقية لا تكتفي برصد المشهد البصري لبطولات الجيوش، بل تنقل حياة البشر والبسطاء بين الحارات والباعة. ويأتي الاحتفاء باليوم العالمي للفن في الخامس عشر من إبريل من كل عام ليعيد تسليط الضوء على هذه الإسهامات، حيث اختارت اليونسكو هذا التاريخ تخليداً لذكرى ميلاد ليوناردو دافنشي.

اقرأ أيضا: «السمسمية» في البحر الأحمر.. موسيقى لا تشبه مدن القناة

العزبي موثق ذاكرة بورسعيد

يعتبر الفنان مصطفى عبده العزبي (1944-2015) نموذجاً فريداً لفنان سخر ألوانه لتأريخ المدينة، ونقل شوارع بورسعيد وحاراتها إلى صور ولوحات توثق حالة المدينة، من المقاومة في 1956، إلى مرارة التهجير في 1967، ثم عبور أكتوبر 1973، وإعادة الإعمار.

وفي تقرير نشر بمجلة “الخيال” في يوليو 2012، والمنشور بصفحة التعريف بالفنان على موقع قطاع الفنون التشكيلية، يقول العزبي: “هويت الفن منذ الطفولة، وتعلقت به في المدرسة الابتدائية، وكان أستاذي الأول الفنان التلقائي طه شحاتة، الذي كان يزين واجهات البيوت ببورسعيد في مناسبات الحج. وبينما كان يرسم مستخدماً السلم، كنت أقوم بالرسم على الأرض، وكانت رسوماتي تبهر المارة رغم صغر سني”.

محسن العزبي أمام لوحات والده الفنان مصطفى العزبي خلال معرض استيعادي عام 2025.. تصوير: محمد عوض
محسن العزبي أمام لوحات والده الفنان مصطفى العزبي خلال معرض استيعادي عام 2025.. تصوير: محمد عوض
معرض على السفينة

يصف العزبي انتقاله في عمله الفني بالتحاقه بوظيفة على متن باخرة بترول، عاد منها إلى الرسم في وقت الفراغ، حيث لاقت رسوماته اهتماما كبيرا من ربان السفينة اليوناني، خاصة تلك التي تناولت مصر والأهرامات وأبو الهول. وعرض عليه إقامة معرض داخل السفينة، فتم تحويل المستشفى إلى قاعة عرض، عُلقت فيها اللوحات، وطاف المعرض معظم موانئ العالم.

ما يميز لوحات العزبي اهتمامه بتفاصيل الملابس والشخصيات، إذ يجمع بين اللمسة التلقائية والواقعية التعبيرية، ويحدد في اللوحة مكاناً بعينه، شارعاً أو ميداناً أو شاطئاً، ويرسمه كما كان في الأربعينيات أو الخمسينيات، مع تدقيق تفاصيل الملابس والأماكن والخلفيات، لينقل نبض الحياة ووجوه المارة في خلفيات المشهد الرئيسي.

الخولي.. أن ترى البحيرة من الضفة الأخرى

بعكس تجربة العزبي التلقائية، يقف الفنان عوض محمد مصطفى الخولي (1950-2021) كنموذج لفنان أكاديمي لم يفقده التعليم الرسمي صلته بجذوره وبيئة نشأته الشعبية. وُلد الخولي في مدينة الإسماعيلية في 19 فبراير 1950، وتلقى تعليمه بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، حيث حصل على بكالوريوس قسم التصوير عام 1975.

شغل الخولي مناصب فنية وإدارية، حيث عمل رئيساً لنادي الفنون التشكيلية بالإسماعيلية، ورئيساً لشعبة الفنون التشكيلية بمركز فنون الإسماعيلية، كما عمل مخرجا فنيا ورساما لمجلات مثل “الثقافة الجديدة” و”المرجان”.

لوحة للفنان عوض الخولي.. الصورة من صفحة فيس بوك
لوحة للفنان عوض الخولي.. الصورة من صفحة فيس بوك
رؤية مغايرة

في مقابلة سابقة خلال معرض “شارع الفن 6 في 6” عام 2011، قال: “أبحث عن رؤية مغايرة لما نراه في بحيرة التمساح، يبدو المشهد رائعا عندما تجلس على شاطئ البحيرة وقت الغروب، وخلال لوحات المعرض عكست المشهد، وانطلقت من النظر إلى المدينة من خلال قارب يبحر في البحيرة”.

وخلال المعرض، قدم الخولي في ثلاث لوحات رؤية مغايرة لبحيرة التمساح وحياة الصيادين، وغمر اللون الأزرق أعماله ليضفي هدوءًا على اللوحات ويجذب النظر، رغم الخطوط الحمراء والبرتقالية الساخنة. وللوهلة الأولى تبدو اللوحة وكأنها خطوط عشوائية متقاطعة، لكن بقليل من التأمل تقودك إلى عالم من الشخوص التي تكاد تتحرك داخلها”.

يرى عوض الخولي أن الفن انعكاس لمنظومة علاقات الإنسان الاجتماعية والبيئية. وانطلقت فلسفته من مفهوم “الموروث” أو “الأثر”، لتحقيق الهوية والأصالة المحلية. وفي تقاطع هذه المسارات تقف قناة السويس كمحرك للإبداع لدى الخولي والعزبي.

تباين الخلفيات.. اتفاق الإبداع

رغم التباين في الخلفية التعليمية بين العزبي (التلقائي) والخولي (الأكاديمي)، إلا أن بيئة بورسعيد والإسماعيلية وضعتهما في حالة تقارب في الرؤية والأهداف، كل بأسلوبه، حيث وجدا في البيئية مصدرا للإلهام ووسيلة لحفظ الهوية.

عاش الفنانان تجربة التهجير بعد حرب 1967، وهو ما أثر على أعمالهما، فحاول العزبي استعادة بورسعيد القديمة كنوع من المقاومة بالذاكرة، بينما عبرت أعمال الخولي، من خلال تصميمه شعار مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية، عن رسالة لاستمرار الحياة والبهجة.

اقرأ أيضا:«مصر الغامضة» في كاروسيل اللوفر.. 22 صورة من قلب الحياة اليومية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.