«فرقة البحيرة للفنون الشعبية».. سفراء التراث المصري في المهرجانات الدولية
عبر مسيرة ممتدة لأكثر من 60 عاما، حملت «فرقة البحيرة للفنون الشعبية» على عاتقها حفظ التراث وإعادة تقديمه بشكل مبهر، وجابت مسارح العالم لتعلن تمسكها بموروث عريق وثري لواحد من أكبر أقاليم مصر وأكثرها تنوعا.
فتحت آفاق التأمل في التراث المصري عبر نوافذه، جامعة بين دقات الأقدام وحركة الأجساد ونغمات موسيقية شديدة الخصوصية، كانت تعبر بصدق عن واقعها وتراثها، وأطلقت للخيال العنان ليعرف العالم كنوز البحيرة من شرقها إلى غربها، لتصبح الفرقة العريقة حاضنة للهوية، وتتحول رقصاتها ولوحاتها الاستعراضية إلى وثائق تتعرف من خلالها الأجيال الجديدة على ملامح الحياة وتفاصيل لحظات الفرح والبهجة عبر مناطق جغرافية متنوعة من الريف وعاداته، والصيادين وأغانيهم، والعمال وصيحاتهم، وعمق التراث البدوي وتجلياته. هكذا كانت فرقة البحيرة حاضرة معبرة، تستلهم التفاصيل وتحولها إلى لوحات فنية مبدعة وأغانٍ صادقة
بداية وتاريخ الفرقة
حول بدايات الفرقة وتاريخها، يقول محمد السنوسي، الباحث في الدراسات الشعبية ومدير فرقة البحيرة للفنون الشعبية الأسبق، إن بداية فرقة البحيرة كانت في عهد محافظ البحيرة وجيه أباظة، وتحديدا يوم 12 مايو عام 1964، حين كان يشاهد حفلا لفرقة رضا للفنون الشعبية على مسرح البالون، وكان حينها متزوجا من الفنانة ليلى مراد، فاقترحت عليه فكرة إنشاء فرقة تابعة لمحافظة البحيرة، لتصبح بعد ذلك واحدة من أهم وأشهر فرق الفنون الشعبية في مصر، وتشارك في عدد من المهرجانات والاحتفالات العالمية.
اقرأ أيضا: رائحته تعلن قدوم العيد.. «سوق الفسيخ» ذاكرة العيد المتجددة في دمنهور
من الاستعراضي لاستلهام وتوظيف الفولكلور
يضيف السنوسي أن المؤرخ الموسيقي عبد الحميد توفيق زكي كان أول مدير للفرقة، وبدأت نشاطها من خلال استقطاب كبار مصممي الاستعراضات، من بينهم حسن خليل وكمال نعيم ويسري حمدي وآخرون.
وحول أهمية حفظ تراث محافظة البحيرة من خلال الفرقة، يوضح أن الفرقة مرت بمرحلتين، الأولى في البدايات وكانت مجرد فرقة استعراضية تقدم رقصات عامة لا ترتبط بشكل وثيق بالفن الشعبي، بينما المرحلة الثانية رسخت مفهوم الفن الشعبي من خلال تقديم تابلوهات مستوحاة من البيئة الخاصة بالمحافظة، وهي بيئة شديدة التنوع.
وبدأت الفرقة في تقديم التراث الشعبي البحراوي، خاصة أن المحافظة تضم جميع شرائح المجتمع، الريف والبادية وسكان السواحل والحضر، ولكل منهم خصائصه وثقافته وفنونه. ومن هنا قدمت الفرقة استعراضات مثل “الفرح الفلاحي”، و”الدمنهورية”، و”صناعة الفخار”، و”أفراح العيد”، و”بنت رشيد”، و”الأرز الرشيدي”، و”جدعان البحيرة”، و”الألعاب الشعبية”، و”أفراح وادي النطرون”، و”صيادين إدكو”، و”أفراح الدلنجات”، وهو ما ساهم بدرجة كبيرة في حفظ تراث محافظة البحيرة الغني والمتنوع.
جوائز دولية ومهرجانات عالمية
عن جولات الفرقة خارج مصر، أشار السنوسي إلى أنها كانت عديدة ومميزة، وكانت أول رحلة لها إلى الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لافتا إلى أن رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي أليكسي كوسيجين، خلال زيارة لمصر، حضر حفلا مع الزعيم جمال عبد الناصر لفرقة البحيرة في مدينة دمنهور.
ثم بعد ذلك شاركت الفرقة في العديد من الدول، وتوقفت عدة أشهر، قبل أن يعاد تشكيلها من جديد من عناصر مركز التدريب المهني بمدينة دمنهور، وهم مجموعة من الشباب العاملين في أقسام النجارة والحدادة وصناعة الأحذية وغيرها.
وحول الجوائز، أشار إلى أن الفرقة حصدت العديد من الجوائز العالمية، ففي عام 1998 حصلت على درع مهرجان أزمير في تركيا، كما حصلت على جوائز في مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية. وفي عام 1999 عُرضت في بولندا وحصلت على درع المهرجان، وفي عام 2000 عرضت في جمهورية التشيك وحصلت على وسام فارس.
وأضاف السنوسي أنه ترك إدارة الفرقة عام 2006، لكنه ظل مهتما بها كأحد المحبين والمتخصصين في التراث الشعبي، مشيرا إلى أن الدعم الرسمي للفرقة توقف عام 2011، وتعرضت للحل وتوقف نشاطها عام 2017.
أفراح الدلنجات والسقايين وعادات البادية
يقول تامر بلال، مصمم رقصات ومدرب فرقة البحيرة، إنه كان أصغر الأعضاء عام 1998، ويتولى الآن مسؤولية تدريب الفرقة منذ عدة سنوات. وحول تقديم التراث البحراوي، أكد أن ما تقدمه الفرقة وسيلة مهمة لحفظ هوية المحافظة وصيانة تراثها من خلال رقصات مثل أفراح الدلنجات والرشيدي والسقايين وغيرها، لافتا إلى أنها وسيلة جذابة لتعريف الأجيال الجديدة بالعادات والتقاليد المصرية الأصيلة، فمن ليس له قديم ليس له جديد.
وأضاف أن دورهم يتمثل في تقديم رقصات تعكس ثقافة محافظة البحيرة، وكيف كانت أفراح كل منطقة وكل مدينة، مؤكدا أنهم محظوظون بمحافظة شديدة التنوع والثراء الثقافي.
وأشار إلى أنه عند تصميم رقصة أو إعداد “تابلوه” راقص، يتحول إلى باحث في التراث، ويستعين بكبار السن وأبناء المناطق الجغرافية المستلهم منها العمل، ليخرج بصورة تعبر بصدق عن البيئة. وأوضح أن الفرقة تحتاج إلى دعم بملابس جديدة للتابلوهات، باعتبارها أحد أهم المعالم الثقافية والفنية بمحافظة البحيرة.
وأكدت منى الشرقاوي، عضوة بالفرقة، أنها انضمت منذ عشر سنوات حبا في الفن والاستعراض، وأعربت عن أمنيتها في عودة الفرقة إلى سابق عهدها وتقديم عروض مميزة في مختلف أنحاء العالم كما كان يحدث.
تنوع موسيقى يناسب البيئات
يقول محمد الهنداوي، مايسترو فرقة البحيرة، إن فريق الموسيقى يمثل عنصرا أساسيا لأي فرقة فنون شعبية، ويعتمدون في موسيقاهم على التراث الشعبي لمحافظة البحيرة، مع العمل على تطويره بشكل معاصر يحافظ على طابعه الأصيل، خاصة أن البحيرة تملك روحا موسيقية شديدة التميز، لأنها تعبر عن بيئات متعددة، مثل الريفي في مراكز مثل الدلنجات، والساحلي مثل رشيد وإدكو، والصناعي مثل كفر الدوار، والبدوي مثل أبو المطامير وحوش عيسى، حيث يحمل كل منها ملامح موسيقية خاصة.
وأشار الهنداوي إلى أنهم يعملون بدافع الحب للفرقة وإيمانا بدورها، ويأملون في مزيد من الدعم والمساندة للاستمرار في أداء رسالتهم الثقافية والحفاظ على تراث عريق.
اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان
مهرجانات في دول مختلفة
من جانبها، قالت ليلى عشبة، عضوة بالفرقة منذ الستينيات، إنها بدأت رحلتها كعضوة ثم أصبحت مطربة الفرقة منذ عام 1973، بناء على نصيحة الملحن الراحل غريب عمارة، ولا تزال مستمرة حتى الآن.
وأكد محمود صبري الزرقا، عضو الفرقة منذ عام 2002، أنه مثّل الفرقة في عدد كبير من المهرجانات، من بينها إسبانيا وفنلندا والتشيك وليبيا، مشيرا إلى تميز الفرقة في اعتمادها على تراث المحافظة وتنوع سكانها.
وقال عبد الفتاح السيد إنه كان من المعجبين بالفرقة كمتفرج قبل عام 2017، ثم انضم إليها لاحقا، ويتمنى أن تظل دائما معبرة عن أهالي محافظة البحيرة في مختلف تفاصيل حياتهم.
وقالت سماء محمد جمال، عضوة أخرى بالفرقة، إنها أحبت الفنون الشعبية من خلال مشاهدتها لعروض فرقة رضا على التلفزيون، فقررت الانضمام إلى فرقة البحيرة، وقد مر الآن ثماني سنوات على انضمامها، منها خمس سنوات مع الطلائع وثلاث سنوات في الفرقة الرسمية.
وأشار طارق الأعرج، مدير فرقة البحيرة للفنون الشعبية، إلى أن للفرقة دورا مهما في الحفاظ على الهوية، وأن محافظة البحيرة تتميز بما تقدمه من أعمال تراثية، وهو ما ينعكس في تفاعل الجمهور مع عروضها، حيث يظهر النجاح عندما يتعرف المشاهد على الفرقة بمجرد سماع موسيقاها. ولفت الأعرج إلى أن أهم أحلام أعضاء الفرقة زيادة الدعم وتعديل اللائحة المالية بما يتناسب مع ظروف الحياة.
اقرأ أيضا: الكليم والجوبلان في فوة.. تراث يواجه ضعف التسويق وحصار الضرائب







