دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الكاتب سيد عبد الحميد: «الراب» في مصر نتيجة حتمية لتحولات الشارع والجيل

في السنوات الأخيرة، لم يعد الراب مجرد صوت قادم من الشارع، بل أصبح ظاهرة فنية مؤثرة في المشهد الثقافي المصري، فارضًا نفسه على الذوق العام. من هذا المنطلق، قرر الكاتب سيد عبد الحميد، في كتابه «فن الشارع.. حكايات عن كتابة الراب والموسيقى»، أن يتجاوز الاستماع إلى هذا الفن بوصفه موجة عابرة، ليقرأه كوثيقة اجتماعية ثقافية تكشف تحولات أعمق في وعي جيل كامل، وجد في الراب مساحة للتعبير عن القلق والغضب والرغبة في إثبات الذات، من خلال تتبع مسارات عدد من أشهر نجومه.

ولا يقتصر الكتاب على تقديم حكايات عن صعود نجوم، بل يطرح سؤالًا أوسع: كيف تحول الراب إلى لغة عصر؟ ولماذا صار الشارع منتجًا فنيًا اليوم؟ في هذا الحوار يجيب سيد عبد الحميد عن دوافعه لكتابة “فن الشارع”، وما الذي قاده لهذا المشروع، ورؤيته للراب الذي بات أكثر الأصوات تعبيرًا عن المجتمع المصري وتحولاته.

  • كيف جاءت فكرة كتاب “فن الشارع”؟ ولماذا اخترت الراب المصري تحديدًا موضوعًا له؟

 جاءت الفكرة عن طريق الصدفة، فمن خلال عملي في الصحافة ومحاولة رصد كل جديد ومختلف في حياة المصريين، سواء في الشارع أو على وسائل التواصل الاجتماعي، لفت صديقي، محرر أحد المواقع الإلكترونية التي كنت أعمل بها، انتباهي إلى تصدر الراب المنصات الموسيقية ووسائل التواصل، وهو ما انعكس على الشارع الذي حرصت على تأمله بشكلٍ مستمر.

ومن خلال مقال أول أردت فيه معرفة سبب هذا التصدر، تبلورت الفكرة، ثم تحولت من مقال واحد إلى عدة مقالات، قبل أن تنشأ فكرة الكتاب لتوثيق هذا الحدث وتحليل أسباب انكسار موجة الأغنية الكلاسيكية أمام عنفوان الشباب القادمين من طبقات اجتماعية مختلفة. واخترت الراب المصري لخصوصية موضوعاته وملاءمتها لهمومي الشخصية، بالإضافة إلى تفرده على المستوى الفني مقارنة بمناطق عربية أخرى.

اقرأ أيضا: فائض الأساطير: كيف نتحرر من وهم «المخلص الوحيد» في الموسيقى العربية؟

  • دراسة فن سريع التغير مثل الراب ليست سهلة.. كيف وازنت بين تقديم مادة سلسة للقارئ العام والحفاظ على العمق البحثي المطلوب؟

كانت هذه الموازنة أصعب ما واجهته أثناء إنتاج هذا الكتاب. أردت في البداية تحويل المادة الصحفية إلى مادة أدبية، لكنني عجزت عن إيجاد صوتي الخاص، ثم فكرت في الجمهور المستهدف فوجدت مدى صعوبة استهداف فئة دون أخرى. كل هذه الأمور جعلت ظروف الإنتاج شبه مستحيلة، إضافة إلى عجزي التام عن وضع خطة واضحة بسبب تبدل وتغير الأحداث داخل هذا اللون سريع التغير، كما أشرتِ.

لكن مع الحذف والإضافة، والتأمل والبحث، والإيمان بقيمة ما أسعى لتقديمه باسم جيلي وباسم فن يحمل اسم مصر في شتى المحافل الدولية، وجدت أن بذل كل طاقتي دون انتظار مقابل هو السبيل الوحيد. استخدمت أدواتي البحثية الصحفية وقدراتي الأدبية والفنية أولا للتعبير عن وجهة نظري، ثم لتوضيح أثر هذا الجيل على شكل الحياة الموسيقية، فخرج “فن الشارع” في صورته الأولى، وتصدر المشهد كما تمنيت.

غلاف الكتاب.. الصورة من المؤلف
غلاف الكتاب.. الصورة من المؤلف

 

  • اعتمدت في دراستك على تحليل كلمات الأغاني بوصفها نوعًا من السيرة الذاتية للفنان.. إلى أي مدى ترى أن الصدق الذاتي هو المحرك الأساسي لانتشار الراب؟

 إلى أبعد مدى. فالصدق هو المحرك الأساسي لكل المشاريع الفنية والأدبية التي رسخت قيمة الفنون. لا يوجد فنان يمكن أن يحظى مشروعه الفني بالانتشار والتأثير في نفوس الآخرين إذا لم يكن صادقًا. نجح هؤلاء الشباب في الوصول إلى قمة المشهد الموسيقي المصري في إحدى الفترات لقدرتهم على التعبير عن أنفسهم بشفافية ووضوح، كما نجح هذا الكتاب ولاقى احتفاءً كبيرًا للسبب نفسه.

  •  ركزت على أسماء بعينها مثل الجوكر وويجز ومروان بابلو.. ما المعايير التي دفعتك لاختيار هؤلاء تحديدًا؟ وهل ترى أن استبعاد تجارب أسبق كان ضروريًا لخدمة فكرة “الموجة الحديثة” التي يناقشها الكتاب؟

 كان اختياري لهؤلاء الأشخاص قائمًا على سبب مركزي واحد، وهو قدرتهم على الاستمرار لسنوات طويلة. نجوم الموجة الأولى والثانية صمدوا أمام كل شيء لأكثر من خمسة عشر عامًا، لم يكن منصفًا إضافة أسماء أخرى لم تستطع الصمود أو التأثير.

وحتى رواد الموجة الجديدة، رغم حداثة عهدهم مقارنة بالسابقين، إلا أن تأثيرهم البالغ في المشهد، باستخدام التكنولوجيا والوسائل الموسيقية الأحدث، هو ما منح المشهد حيوية وسرعة جعلته أكثر تماسكًا خلال السنوات الأخيرة.

  • هل هناك خيط مشترك وجدته بين تجارب هؤلاء الفنانين رغم اختلاف مساراتهم؟

بالطبع. اشترك كل هؤلاء في محاولة تخطي الظروف المحيطة بعمليات الإنتاج الفني التي يتعثر فيها كل مبدع، ومحاربة إحباط الأهل، واتهامات إفساد الذوق العام، والرغبة في الاستمرار رغم عدم استقرار العائد المادي، فضلًا عن مواجهة الوصم الاجتماعي والنظرة الطبقية بين الألوان الفنية المختلفة. عوامل عديدة جمعت بينهم بشكلٍ حقيقي، وهو ما أدى إلى تأثري الكبير بهم، وانعكس هذا التأثر على المادة البحثية.

اقرأ أيضا: «ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى

  •  تحدثت عن الراب كوسيلة للتمرد والاعتراض.. في رأيك، هل نجاحه في دخول الإعلانات وشاشات التلفزيون وتحول مؤديه إلى نجوم جماهيريين يمثل انتصارًا لهذا الفن أم بداية لفقدان روح الشارع التي انطلق منها؟

للأسف، هذا سلاح ذو حدين. يستوعب رأس المال في العصر الحديث كل شيء، ويتمكن من تحويل أي شيء إلى سلعة، حتى المشاعر، على حد تعبير كارل ماركس. لذا فإن ما وصل إليه الراب في مصر كان نتيجة حتمية لما كان متوقعًا أن يحدث.

ورغم ذلك، لا يمكن لوم أي من هؤلاء النجوم على اعتياد الأضواء والشهرة ودخول مجال الدعاية والإعلان بهذا الشكل المكثف، فهذه نتيجة يصعب تفاديها إلا من خلال وعي ونضج فني.

كتاب "فن الشارع".. الصورة من المؤلف
كتاب “فن الشارع”.. الصورة من المؤلف

 

  • ناقشت أزمة الراب مع المؤسسات التقليدية مثل النقابة والرقابة.. كيف تفسر قدرة هذا الفن على فرض نفسه رغم هذه المقاومة؟

اعتمد الراب على العنف للتعبير عن رفض الرقابة والنبذ، العنف اللفظي أحيانًا، أو العنف الفعلي الذي ظهر في تنظيم حفلات بشكلٍ مخالف، حتى لو تراجع البعض فيما بعد وانضموا إلى النقابة للتخلص من الأزمات المفتعلة.

أقول إن قدرة الراب على الاستمرار رغم كل شيء جاءت نتيجة سنوات طويلة من الرفض الاجتماعي ومحاولات تحجيم الذوق الفني وفرض الرقابة على كل ما يقال. انتصار الراب لم يكن انتصارًا كاملًا، لكنه أيضًا لم يكن إذعانًا كاملًا للسلطة، وهذه إشارة جيدة لما قد يظهر لاحقًا من موجات فنية أكثر قوة وقدرة على تخطي العوائق غير الفنية.

  •  في الكتاب نرى تتبعًا واضحًا لتقلبات الفنانين بين الاعتزال والعودة، واليأس والطموح.. هل تعتقد أن الراب بطبيعته يفرض ضريبة نفسية باهظة على أصحابه؟

  كل عملية إنتاج فني تفرض ضرائب باهظة على صاحبها. فتحويل الشعور إلى قطعة فنية عملية معقدة وصعبة ومؤلمة، ولا ينجح فيها إلا من يؤمن بقيمة ما يقدمه. وما نراه في الكتاب عن نجوم الراب ينعكس على كل فنان آخر.

  •  إلى أي مدى أصبحت الحياة الشخصية لفنان الراب جزءًا من صورته العامة، ومن صناعة النجومية نفسها؟

  هذه الإجابة تنطبق على كل الشخصيات العامة. فالحياة الشخصية جزء حقيقي من علاقة أي شخصية عامة بجمهورها، فالجمهور لا يُعجب بالأداء الفني فقط، بل أحيانًا يرغب في الاقتراب من حياة نجمه المفضل بدافع الهوس أو الفضول أو المحبة الخالصة.

وفي الراب حاولت أن أكون متلصصًا من خلال الأغنية على حياة هؤلاء جميعًا، ليس بهدف إفشاء الأسرار، ولكن لإيماني العميق بهم وتقديري لهم. قد يساهم تسويق الحياة الشخصية في صناعة نجومية البعض، لكن الفن الحقيقي لا يمكن أن ينتشر أو يلامس الآخرين إلا من خلال قيمته وجودته.

  • لماذا يميل الرابر المصري، في رأيك، إلى توثيق الضعف والهزيمة العاطفية، رغم أن الصورة الذهنية العالمية للرابر ترتبط بالقوة والسيطرة؟

 هذه قراءة غير دقيقة. فكل فنان يعكس مرحلته الحالية على فنه، إذا كنت أشعر بالتعاسة لن أكتب إلا ما  يشير إلى تعاستي، والعكس صحيح. ربما ينتشر المنتج الفني الذي يؤرخ لحالات الضعف والانكسار لملاءمته الحالة الجماهيرية العامة، لكن التفاخر بالقوة والسيطرة على المنافسين صورة موجودة بجودة عالية في المنتج الفني للراب المصري.

  •  أشرت إلى أن الراب هو محاولة للدفاع عن حق الإنسان في أن يعيش كما يريد.. هل ترى “فن الشارع” كتابًا عن الموسيقى أم هوية جيل؟

بعد أكثر من عامين على صدور هذا الكتاب، وانتشاره وترجمته إلى اللغة الإنجليزية ووصوله إلى القائمة القصيرة لجائزة مرموقة كجائزة “إدوار الخراط”، أقول إنه كتاب يعبر عني أنا كفنان يسعى للإنتاج والظهور بفنه فقط، دون أي اعتبار لأي شيء آخر. وهو أيضًا كتاب يعبر عن جيلي، جيل ما بعد الثورة بكل همومه وخيبات أمله، ولحظات نجاحه ولحظات انكساره، والأكيد أنه يعبر عن لحظة نجح فيها الشباب في التعبير عن صوت الشارع المصري.

  •  هل تعتقد أننا بعد خمسين عامًا سنعود إلى كلمات ويجز أو مروان بابلو لفهم الحياة الاجتماعية، كما نعود اليوم إلى أغاني سيد درويش؟

 بالتأكيد، فالفنون محاكاة للواقع، وإذا أردنا فهم الحاضر يجب علينا قراءة  الماضي بصورة جيدة، ليس للبكاء عليه أو إعادة إنتاجه، بل لمعرفة كيف يمكن تجاوز أخطائه والانطلاق إلى ما هو أبعد.

  • في ظل سيطرة موسيقى التراب اليوم، هل تعتقد أن الراب التقليدي القائم على قوة الكلمة مهدد بالتراجع؟

  التطور سمة طبيعية، وينطبق ذلك على كل الألوان الفنية. لا يندثر أي لون إلا بسبب عدم ملاءمته للواقع. ليس المهم أن يتراجع الراب أو يتصدر، بل أن ينجح كل فنان في التعبير عن نفسه بالصورة الملائمة موسيقيًا وأدبيًا. سنظل بحاجة إلى الكلمة القوية لوصف ما نشعر به باطنيًا في كل وقت، وإذا كانت الموسيقى الصاخبة تؤدي هذا الغرض الآن، فسيظهر مستقبلًا شيء جديد يساعدنا أيضًا على التعبير عن أنفسنا.

  • هل تتوقع أن يظل الراب لسان حال الشارع في المستقبل، أم أنه سيتحول إلى شكل فني مختلف مع تغير الظروف الاجتماعية؟

نحن أبناء الظروف الاجتماعية، والعالم الآن أكثر هشاشة، كما أننا أصبحنا أكثر قابلية للتأثر بما يحدث حولنا بسبب التطور التكنولوجي. لذا، كل ما أتمناه هو أن يظل الفن قادرًا على التعبير عن الهموم الفردية بكل قسوتها، وأي لون سيظهر سأدعمه مادام قادرًا على التعبير عني.

اقرأ أيضًا: الراب المصري: حكاية جيل بنى مجده «بدون واسطة»

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.