مقابر الأجانب في بورسعيد.. «أطلال بلا زائرين»
في أقصى غرب مدينة بورسعيد، عند النقطة التي يخفت فيها صخب المدينة ويغدو البحر جزءًا أصيلًا حيًا من الذاكرة، تبدأ حكايات الغروب والرحيل. هناك، وتحديدًا عند مدخل شاطئ الجميل، تصطف بوابات ثلاث مقابر، كأنها طبقات من زمن لا تنفتح إلا لمن يعرف كيف يصغي إلى همسات الراحلين: مقابر الكومنولث، والكاثوليك، والأرثوذكس. وهناك، كما قال لي أحد الحراس، لا تدخل مقابر… بل تعبر إلى ما تبقى من أناس لم تكتمل حكاياتهم. وتتشكل هذه الحكايات، في جوهرها، أيضًا عبر الكلمات المنقوشة على الشواهد، تلك العبارات التي تبدو كأنها آخر ما تبقى من أصوات أصحابها.
سجلوا على شواهدها مرارة الفقد
في مقابر الكومنولث، تولى السرد الشقيقان محمد وإبراهيم محسن، اللذان ورثا حراسة المكان عن والدهما. لم تكن الخطوة الأولى دخولًا إلى أرض جديدة، بل عبورًا إلى معنى مختلف. عند المدخل، وعلى جدار رخامي مهيب، تتجلى عبارة تختصر الفكرة كلها: “اسمهم خالد إلى الأبد”، في إشارة إلى من قضوا نحبهم في الحربين العالميتين، وكأن المكان لا يكتفي بحفظ الأجساد، بل يسعى إلى تثبيت الذاكرة نفسها في وجه النسيان.
وعند أول ضريح وقعت عيناي على كلمات بدت كأنها لم تُنحت بأداة، بل صيغت بمرارة الفقد: “ابني الحبيب… أرقد بسلام… تحت هذه الأرض الغريبة… بعيدا جدا عن أحبائك… الذين يبكون من أجلك”. رسالة أب إلى ابنه، الرقيب J.R. Marchello، الذي قضى في الحرب العالمية الثانية.
ولم تكن هذه العبارة وحدها، فقد استوقفتني أيضا جملة أخرى على أحد الشواهد تقول: “غيب الله عزيزنا عن ديارنا، لكنه لم يغب عن قلوبنا”، وهي عبارة تختصر المسافة بين الفقد والحنين، بين الرحيل والبقاء. ولم يكن الاسم وحده ما يستقر في الذاكرة، بل تلك المسافة الشاسعة بين “الأرض الغريبة” هنا في بورسعيد و“الأحبة” البعيدين هناك في أوروبا؛ أولئك الذين أدركوا بفقد ابنهم أن الموت ليس لحظة عابرة، بل غياب ممتد، وأن كل ضريح هنا لا يروي كيف انتهت حياة صاحبه، بل كيف استمر الحزن في قلوب ذويه بعد رحيله.
اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة

نظام صارم يمنح الموتى ما فقدوه من سعادة
مع الخطوة التالية، كما أخبرني إبراهيم محسن، يتبدد الخوف؛ لا لأن الموت أصبح مألوفًا، بل لأن المكان يعيد ترتيب الفوضى التي نتصورها عنه. ففي المقبرة، تُشذب الأعشاب الخضراء بعناية يومية، وتتوزع الورود كأنها رسائل حب متأخرة، وتصطف القبور في نظام صارم يمنح الموتى ما لم تمنحهم الحياة من رغد وسعادة.
هنا يعمل الشقيقان على رعاية المكان كما لو كان حديقة للذاكرة؛ محمد محسن، خريج المعهد العالي الصناعي عام 1985، التحق بالمقبرة عام 1994 خلفًا لوالده الذي بدأ العمل بها منذ عام 1973، ويقتصر عمله على تهذيب الأعشاب وتسويتها يوميًا، ورعاية الزهور والنباتات المنتشرة في أرجائها، مؤكدًا أن المقبرة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يتغير فيها شيء، لا في عدد الأضرحة ولا في عدد الموتى.
أما إبراهيم محسن، خريج كلية العلوم عام 1992، فقد التحق بالمقبرة عام 2000 بعد فترة عمله مدرسًا، ويشير إلى أن مصر بها ست عشرة مقبرة للكومنولث تتوزع بين القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والسويس ومرسى مطروح وأسوان، وجميعها على النمط نفسه، باستثناء مقبرتي السلوم والعلمين اللتين تكسوهما نباتات الصحراء.
الفرق بين قبور المدنيين والعسكريين
تضم المقبرة 1094 ضريحًا لعسكريين، ونحو مئتي قبر لمدنيين إنجليز عاشوا في المدينة القديمة. وبين القسمين فارق واضح تلمحه العين؛ فأضرحة العسكريين قائمة في ثبات مهيب، بينما تبدو قبور المدنيين أكثر فقرًا وخفوتًا وتواضعًا إلى جوارها.
في قبور العسكريين، تجد على كل شاهد اسم المتوفى، ووحدته، وتاريخ وفاته، وأحيانًا إشارة موجزة إلى لحظة رحيله. تعلو الشواهد المصنوعة في إيطاليا، والتي تُعد من أفخر أنواع الرخام، رموز دينية متعددة: صلبان، ونجوم وأهلة، وحتى نقوش هندوسية، وإلى جوارها عبارات إنسانية قصيرة، لكنها بالغة الأثر، تختزل حياة كاملة في سطر واحد.
وفي لحظة لافتة، وقفت أمام ضريح لجندي سنغالي مسلم، كُتبت على واجهته عبارة “هو الغفور” بالخط العربي من نوع الثلث البديع، كأن اللغة وحدها عبرت المسافات لتلحق بصاحبها.
اقرأ أيضا: «أم الخلول».. أكلة شعبية تحولت إلى تراث يُغنّى
غالبية القبور للإنجليز يليهم جنود الفرنسيون
هنا يرقد 983 جنديًا من الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، و111 من الحرب الثانية (1939–1945). أغلبهم من الإنجليز: 457 في الأولى و101 في الثانية، يليهم الفرنسيون بعدد 437 في الحرب الأولى، ثم تتوزع جنسيات أخرى: أستراليا (67)، نيوزيلندا (11)، وأعداد أقل من جنوب إفريقيا والهند وجزر الهند الغربية وشرق وغرب إفريقيا وصربيا وأمريكا.
جميعهم جاؤوا إلى مصر عابرين، فصاروا فيها مقيمين إلى الأبد. وهذه المقبرة واحدة من أربعين ألف مقبرة تتبع هيئة الكومنولث الدولية، التي تأسست بميثاق ملكي عام 1917 لتخليد ذكرى نحو مليون وسبعمائة ألف قتيل، ضمن دول الكومنولث، وهي اتحاد طوعي يضم ثلاثًا وخمسين دولة من دول الإمبراطورية البريطانية السابقة، ويرمز لها بالحرفين (CW).
ليست مقابر بل وثائق لرؤية الحياة
أما عن علاقة مصر بالحربين العالميتين، فقد كانت البلاد في قلب الحدث لا على هامشه؛ ففي الحرب العالمية الأولى حاولت القوات العثمانية الهجوم على مصر من جهة الشرق وفشلت، فتحولت مصر إلى قاعدة عسكرية بريطانية للانطلاق نحو سيناء وفلسطين ولبنان وسوريا، كما كانت نقطة انطلاق لقوات الكومنولث في حملتها إلى جاليبولي.
وفي الحرب العالمية الثانية تعرضت مصر لهجوم من الغرب قادته القوات الألمانية بقيادة رومل، المعروف بـ”ثعلب الصحراء”، حتى توقفت تلك القوات عند العلمين في أكتوبر 1942، لتبدأ بعدها مرحلة الحسم. وبين الحربين ظلت مصر ممرا ومحورا لحملات أخرى نحو إثيوبيا وشمال اليونان والمشرق.
ومن باب حديدي صغير، وقبل أن تتغير نبرة الحكاية، بدت كلمات الباحث أحمد رجب مدخلًا ثانيًا لفهم ما سيأتي. فهو مفتش آثار ومتخصص في تاريخ مدن القناة، لا يقرأ القبور بوصفها حجارة، بل باعتبارها وثائق حياة، يربط بين الأسماء والتواريخ وما وراءهما من تحولات إنسانية وجغرافية.
مقابر الكاثوليك تضم أوروبيين وعربًا
في مقابر الكاثوليك، لم تعد الحكاية عن موتى محفوظين بعناية، بل عن غياب يتآكل ببطء. أطلال قبور تشير إلى مجد مضى، وطائفة كادت تندثر من المدينة.
حارس المقبرة، رجل مسلم بملامح أوروبية، رفض تمامًا ذكر اسمه أو التقاط صورة له، بسبب رفض عائلته، وخاصة أبنائه، لارتباطه بالإقامة في المكان نفسه. ويمثل الحارس الجيل الرابع لعائلته التي تقيم داخله منذ عام 1943، وبدأ عمله عام 1984 بعد وفاة والده.
ومنذ ذلك الحين، وهو يشهد تناقص أعداد الكاثوليك، ومعظمهم من الأجانب الذين قدموا إلى هذه الأرض مدفوعين بأحلامهم: إيطاليون وفرنسيون وقبارصة ومالطيون وشوام. يقول بصوت خافت: “آخر من دفنتهم منذ خمسة عشر عامًا كان مسيو فرانسوا… آخر المالطيين في المدينة”. ثم يضيف: “لم يعد أحد يأتي… لا أحد يتذكر”.
ويستعيد أسماء كانت يومًا جزءًا من تاريخ بورسعيد: مسيو سيمونيني، رائد الفندقة وصاحب كازينو دي بالس، ومالك “البيت الحديدي”، أحد أجمل مباني المدينة، والذي حوله أحد رواد السياحة الإيطاليين إلى فندق مهيب لسنوات طويلة، وكذلك مسيو دي كاسترو ومدام جران، من كبار أثرياء المدينة في النصف الأول من القرن العشرين، وملوك البحر أصحاب شركات تموين السفن.
ثم يبتسم ابتسامة قصيرة ويقول: “الآن لا أحد يعرفهم… حتى المدينة نسيت”.
تماثيل وصور غاية في الجمال تبتسم للموتى
لم تكن مقبرة الكاثوليك صامتة كما تبدو، بل ممتلئة بصور تهمس؛ تماثيل عذراء حزينة تتصدر بعض القبور، وملائكة من رخام تحرس الفراغ، وصور فوتوغرافية باهتة، بينها صورة طفلة مبتسمة رحلت منذ قرن تقريبًا، ومع ذلك لا تزال ابتسامتها تعبر الزمن كما هي، كأن الموت لم يمسها.
وهنا تتقاطع هذه الصورة مع ما رواه أحمد رجب عن مقبرة عائلة ديمتريوس، إحدى العائلات اليونانية التي عاشت في مصر في أوائل القرن العشرين؛ مقبرة تعود إلى عام 1351هـ/1932م، مشيدة على الطراز الكلاسيكي، وعلى واجهتها لوح رخامي بنقوش يونانية تُرجمت بمعاونة أحفاد ما زالوا يزورون المكان.
يتضح من النقش أنه رثاء لطفلة تُدعى كاترينا، توفيت في أثينا، لكن عائلتها أعادت جثمانها إلى مصر لتدفن هنا. عند هذه النقطة، لم تعد الصورة مجرد ذكرى عابرة، بل صارت امتدادًا لحكاية واحدة؛ طفلة تبتسم من وراء قرن، وأخرى عادت من مدينتها البعيدة لتنام هنا، كأن الطفلتين تلتقيان في ابتسامة واحدة، وكأن الانتماء كان أعمق من الجغرافيا، وأن المدينة التي احتضنتهم أحياءً كان عليها أن تحتضنهم موتى أيضًا.

هنا يرقد المصريون واليونانيون معًا
أما مقابر الأرثوذكس، فقد بدت – قبل الدخول إليها- كخلاصة لما سبق؛ حيث تتقاطع شهادة الحراس مع قراءة الباحث، فتغدو المقبرة امتدادًا طبيعيًا لمقابر الكاثوليك من حيث الشكل والتماثيل والصور، لكنها أقرب زمنًا، إذ تضم مسيحيين مصريين وما تبقى من اليونانيين.
تواريخها أحدث نسبيًا، وزياراتها لم تنقطع تمامًا، غير أن الغياب، كما في كل مكان، يواصل عمله بصمت؛ يخفف وقع الأقدام ويثقل الذاكرة.
اقرأ أيضا: من غير صنارة يا نعمة.. هل تتحول «أم الخلول» والبكلويز إلى ذكرى؟







