«النقوط» في كفر البطيخ.. عادة اجتماعية تتحول إلى منظومة اقتصادية
بدأت عادة «النقوط» في مدينة كفر البطيخ بمحافظة دمياط منذ أكثر من 70 عامًا، بهدف تعزيز الترابط الاجتماعي، وتحولت مع الوقت إلى ما يشبه الجمعية المستمرة، التي تقوم على مساهمات مالية بين الأهالي وفق الاستعداد والمشاركة. وتبدأ الفكرة بدفع مبلغ يُعرف بـ«النقوط» لصاحب المناسبة، ويتولى استلامه محاسب يجلس على مكتب داخل صوان أعد خصيصا لهذا الغرض، حيث يقوم بتسجيل المبالغ في كشف نقوط يضم خانات محددة تشمل الاسم والتاريخ (يوما وشهرا وسنة)، والمبلغ، والمناسبة سواء كانت فرحا أو طهورا، لتصبح عادة راسخة ضمن تراث ثقافي غير مادي للمدينة.
الاستعدادات والتنظيم
يوضح محمد أبو آلاء، أحد العاملين في مجال النقوط، أن تنظيم جمع النقوط يلزمه شروط لا بد من اتخاذها، وهي الإعلان عن الموعد بوقت كافٍ، يصل في بعض الأحيان من 3 إلى 7 أشهر كاملة، يقوم خلالها بالذهاب إلى أكثر من جهة، أولها الاتفاق مع مطبعة لطبع البانرات التي تعلق في أنحاء المدينة، ثم طباعة كروت الدعوة ويُكتب في الكارت موعد ليلة جمع النقوط ومكانه، وعلى ظهر الكارت يتم كتابة المبلغ المطلوب دفعه لصاحب الليلة، ويقوم رجل متخصص بتوزيعها على المنازل، وإن لم يجد أصحاب البيت في الداخل، يضعه في صندوق بريد مخصص لذلك.
وتُعد مدينة كفر البطيخ مدينة متفردة بوضع صناديق بريد على أبواب المنازل لهذا الغرض، وأحيانًا نجد أكثر من صندوق بريد على مدخل البيت الواحد، ويعتبر أهالي كفر البطيخ كارت الدعوة بمثابة «شيك» واجب سداده في الموعد.
اقرأ أيضا: الكنيسة الأرثوذكسية بدمياط.. سجل حي لتاريخ الجاليات الأجنبية وتحولات المدينة
مهن نشأت من عادة النقوط
يقول محمد البرعي، 67 عاما، من أهالي كفر البطيخ، إنه نشأت عن هذه العادة مهن كثيرة وصلت إلى أكثر من 30 مهنة، منها المطابع، ومهن الفراشة بجميع أنواعها، ومحاسبون يكتبون الصادر والوارد، وطباخون، وتأجير مكاتب، وتأجير “ترابيزات” يوضع عليها الطعام، ومحلات لصناعة بوكيهات الورود، وبوفيه لتوزيع المشروبات على الحاضرين.
أيضًا صناعة كشوف النقوط بشكل يلاءم استخدام أهالي المدينة وضواحيها وقراها، وكذلك فرق شعبية تعمل فقط في ليالي النقوط، إلى جانب مهنة توصيله «دليفري» لمن يجب عليه السداد في أكثر من جهة في ليلة واحدة، أحيانًا تصل إلى 5 أماكن في يوم واحد، فتم ابتكار مهنة توصيل النقوط بمقابل أيضًا.

تفاصيل ليلة جمع النقوط
يقول عمر القاضي، 48 عاما، أحد أبناء المدينة، إنه يتم الاتفاق مع صاحب فراشة وكهربائي فراشة، وميكروفون للدعوة في المدينة قبل الليلة المحددة، وأحيانًا يتم الإعلان على التكاتك، وفي الطريق العام في مكان واضح، ويتم تخصيص ليلة لجمع النقوط، ليس مهمًا أن يكون لإقامة حفل زواج، ولكن لإقامة مشروع، أو لجمع ما دُفع سابقًا طوال سنوات مضت، ويتم ذلك تحت مسمى طهور الأبناء، أو دعوة للاحتفال مع الحاج «فلان» أو دعوة للاحتفال مع عائلة «كذا».
وغالبًا ما تكون فرصة للقاء أهالي القرية مع بعضهم البعض، يتقابلون بالأحضان والقبلات ويسلمون ويباركون، ثم يتناولون الغداء في مكان منعزل عن السرادق، ويدفع كل منهم ما عليه، وإذا دفع أكثر يتم تسجيل ذلك ويكون دينًا على المضيف، يدفعه لاحقًا في ليلة أخرى، ويدفع هو أيضًا زيادة عما دفعه، وتستمر عادة النقوط.
التحية في السرادق ودورها في النقوط
محمد الصياد، “نبطشي” نقوط، يقول إن هناك عادة تتم بجانب النقوط، فكل من يدخل السرادق يجب أن يحيي الموجودين، وذلك من خلاله، حيث يقدم له التحية في «الكريستال» الميكروفون، ويدفع في مقابل تحيته حسب ذوقه، أو قدرته، أو قيمته في البلد، وهم يشترون هذه الليلة من صاحبها، وعندما يخرج بعد دفع النقوط، يدفع لصاحب الميكروفون تحيته، ويصل مبلغ التحية من 10 جنيهات إلى 50 جنيهًا أو 100 أو 200 جنيه أحيانًا، وهذا المبلغ لا يُسجل في أي كشف.
اقرأ أيضا: «المنجأونة».. حكاية فطيرة تروي ذاكرة بورسعيد في شم النسيم

النقوط كمنظومة اقتصادية واجتماعية
يؤكد سامي بلح، محام بالقرية، إن عادة النقوط عادة قديمة في كفر البطيخ، وهي من العادات الحسنة في المجتمع، وتطورت وخلقت مهنًا كثيرة يواجه بها الناس البطالة، ويُقدر من يعملون في هذه المهنة من 2000 إلى 3000 شخص، ما بين مهن الموزعين على الفرح، وموزعي كروت الدعوات ومعلقي اللافتات والإضاءة وتكلفة الفرح أو الطهور، ومهنة جمع المتأخرات، وهي مهنة قديمة لمن تأخر في الدفع لمدة محددة، وتأتي تكاليف الفرح حسب إمكانيات صاحبه.
ويتحمل العريس نفقات السرادقين سواء المقام أمام منزله أو أمام منزل العروس، ويسير الأمر بشكل معتاد، ومعروف للجميع، فلم ترفع قضية واحدة في المحاكم بسبب النقوط أو المتأخرات خلال كل هذه السنوات، وكل هذه الأمور يتم دفعها والتراضي عليها بشكل ودي.

أنواع مختلفة من النقوط وتطوراته
يرصد محمود الباجوري، مدرس، عادة النقوط بشكل مختلف، فيقول إن هناك نوع من النقوط الذي لا يُرد، مثل نقوط الحلاق، فالعريس يأتي بالحلاق الذي تعود أن يحلق عنده في محله إلى بيته، ويأتي أصحاب العريس وعائلته من كل صوب لحضور حلاقة العريس، وأحيانًا تكون هناك فرقة دفوف، ويقوم الأصحاب والعائلة بوضع نقوط في الفوطة التي في رقبة العريس أثناء الحلاقة، مصحوبًا بتحية من الفرقة.
وبعد انتهاء العريس من الحلاقة يفك الحلاق الفوطة ويأخذ كل ما فيها لنفسه، وهذا يسمى “نقوط الحلاق”، والعريس يدفع أجر فرقة الدفوف والتي غالبًا ما تكون من 4 إلى 5 أشخاص، أيضا إهداء فقرة رقص الخيل من أحد أصدقاء العريس أو أحد أقرباء العروسة أثناء الزفاف إذا كان المكان يسمح، أو إهداء فقرة لفرقة غناء شعبي أو مديح، وهذه الفقرات لا تُسجل ولكن ربما تُرد بنفس الفرقة أو بشكل مختلف.
نقوط خاص بالسيدات
إبراهيم بلح، صاحب محلات فراشة، يؤكد قيام عدد كبير من سيدات كفر البطيخ، بإنشاء تجمعات نقوط بينهن، وهو جمع نقوط بين السيدات فقط على شكل جمعية، ولهن محاسبة مهمتها استلام النقوط وتسجيله، ويتم «تقبيض» النقوط حسب احتياج المشتركات له دون تحديد وقت محدد، لكن النساء يجتمعن عند المحاسبة وتعرض كل واحدة منهن احتياجاتها لصرف النقوط، والمحاسبة هي التي تقرر من تحتاج لصرف النقوط، وغالبًا تُحل المشكلة إذا تعقدت بتقاسم المبلغ على فترتين في حالة احتياج المرأتين.
اقرأ أيضا: طقس«المباركة».. عادة سنوية لتنظيم العمل في صناعة الأثاث بدمياط



