دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«بدِّي أزورك يا نبي.. ياللي بلادك بعيدة».. أغاني حنون الحجاج وطقس العبور

مولعون بالفرح، غارقون في الحزن، متيمون بالشجن، هكذا يخترع المصريون أفراحًا حين تضيق الدنيا عليهم، فيواجهون المأساة بالملهاة، ويواجهون القهر بالنكتة والقفشة. لكنهم لا يعدمون أفراحًا أصلية، أفراح الجماعة الشعبية حين تمارس طقس العبور.

فكلّ طقس للعبور، كما يوضّح فان جينب، يتركّب من ثلاثة أزمنة: زمن تمهيديّ، وآخر استهلاليّ (أي على العتبة)، وثالث اختتاميّ. ومن منظور آخر، هو منظور القائم بالفعل، يمكن تسمّيها كما يلي: الانفصال (عن الوضع أو المكان السّابق)، والهامش (بين المرحلتين)، والانضمام (إلى وضع جديد).

فطقس العبور يتم من زمن إلى زمن، أو من مكان لمكان، وكلاهما يقترنان كاللحمة والسدى في دورة الحياة، بدءًا من الميلاد وانتهاء بالموت. وطقس العبور يتراوح بين الحزن والفرحة، الحزن على فراق مرحلة وزمن، والفرحة باستقبال عالم جديد تتهيأ فيه الروح لتسمية جديدة ومكانة مختلفة.

***

والنصوص الشعبية تعكس هذه الحالة بجدارة، بداية من أغاني الطفولة التي كنا نرددها وانقطعت عن زيارة بناتنا وأولادنا، فهل تذكرون:

حج حجيجة يا حاجة
سمنة وبيضة ونتغدى
حج حجيجة لبيت الله
والكعبة ورسول الله
بدِّي أزورك يا نبي
ياللي بلادك بعيده
فيها أحمد وحميدة
وحميدة جابت ولد
سميته عبد الصمد
مشيته ع المشاية
خطفت راسه الحداية
حد يا حد يا بوز القرد
أنت ولد ولا بنت؟

إنها أولى بشارات الطفولة حين تجتمع الأمنيات راجية زيارة النبي: “بدي أزورك يانبي.. ياللي بلادك بعيدة”.

اقرأ أيضًا:أغاني الحجيج: البوابات الباطنية وسر «القناوي»

جداريات الحج وفن الأيقونة.. مشتركات ثقافية

هكذا تتوالد الأغنية وتتقافز فرحة بالجمع، لكننا نتركها أو تتركنا لنعبر الأمنيات إلى أخرى جديدة. ولا يبرح الحزن أغاني الفراق، أو بالأحرى طقس العبور بإيقاعه، كما سنرى في أغاني الحنة، كما يتجلى الحزن في أغاني الفراق التي تصاحب أغاني حنون الحجاج ووداع الأرض وترك الديار، والوداع في الميناء.

والحج علامته عيد الأضحى، حيث تواكب فرحة العيد قيام البنات و السيدات بترتيب البيوت وتزيين حجرات الاستقبال وإعداد أواني الطهي، كما تستقبل بعض الأسر العيد بقراءة القرآن من خلال بعض المقرئين كنوع من العبور إلى زمن آخر يستهله المصري بآيات الذكر الحكيم. ومنذ إطلالة العيد تبدأ عبارات التهنئة بين الأقارب والأصدقاء والجيران، وكذا يقوم الإخوة المسيحيون بتبادل التهنئة مع المسلمين، وتكثر الزيارات خاصة في الريف.

ومن أهم المظاهر الجمالية عند المصريين ما يتعلق بفن جداريات ورسوم الحج، فقد برع المصريون في توثيق الحج بداية من الإعداد له، فضلًا عن الكتابات الخطية التي تعد توثيقًا لرحلة كل حاج، وتكثر في ريف مصر حيث تعكس مظاهر الابتهاج بالحاج والترحيب والتهنئة بسلامة وصوله.

***

وتنتشر العناصر النباتية والحيوانية ووسائل المواصلات، فضلًا عن الكتابات الخطية التي تتضمن آيات قرآنية وعبارات مسجوعة. والرسوم الجدارية تقوم بعدة أدوار، منها الإعلان عن قيام أحد أفراد الأسرة بالحج، وبالتالي تغير صفه من شخص عادى إلى حاج، بما يستتبع ذلك من تغير في المعاملة وتقدير خاص يكتسبه الفرد من قيامه بالحج وزيارته للرسول.

فضلًا عن إبرازها لعناصر الجمال عند أبناء الجماعة الشعبية، التي نرى أن سمات الفن الشعبي حاضرة في الرسوم الجدارية المتعلقة بالحج أو بتزيين البيوت وبفن الأيقونة الشعبية فكلها تجمعها مجموعة عمق الثقافة المصرية.

درأ العين الشريرة بدماء الذبائح

كما يقوم المصريون بتلطيخ جدران المنازل أو واجهتها بدماء الأضاحي، اعتقادًا بأن الدماء لها قدرة على درأ الحسد ومنع العين الشريرة وإبطال مفعولها، كما أنها فداء لأهل البيت من أي أذى قد يلحق بهم، وهم بهذا الاعتقاد وتلك الممارسة يعبرون من حال إلى حال وترتبط هذه الممارسة في التراث الشعبي بـ”الخمسة وخميسة”.

وفيما يتعلق بتوزيع الذبيحة، فإنه يتم تقطيعها تمهيدًا لتوزيعها، ويحدث ذلك في بعض المناطق الحضرية، وما زالت عادة توزيع جزء من الأضحية على الأقارب والفقراء، وقد يوزع جزء من الذبيحة على الجيران المقربين، ويعد الرقاق الذي يستخدم في عمل الصواني أحد أصناف الطعام الرئيسية في العيد، كذلك الفتة من الأكلات الرئيسية والسمات الثقافية السائدة في عيد الأضحى، ويفضل البعض شواء اللحوم منزليًا.

اقرأ أيضا: أغاني الحج.. تراث لا يندثر في الصعيد

طبول النقرزان وحمل البيارق في الزفة

إن احتفالات المصريين بالأعياد تأخذ دائما شكلًا احتفاليًا، بدءًا من زفة المحمل على الجمال، يسبقها طبول النقرزان وحمل البيارق، كما تتميز احتفالات عيد الأضحى بالولائم. وكان ولاة الأمور في مصر الفاطمية يمدون الأسمطة ويعلقون الزينات في الشوارع وعلى الحوانيت، كما كانت تُضاء القناديل على المساجد والبيوت إيذانا باحتفالات العيد.

ويقول ابن بطوطة في رحلاته إن أهل مصر كانوا يعلقون القناديل على المساجد في ليلة الأضحى من أجل تعريف الناس بأن هذه الليلة هي ليلة العيد. وتبدأ في نفس الليلة، في كل مساجد مصر، خاصة المساجد الكبرى، الاحتفالات بالتكبير والتهليل وتستمر حتى الصباح.

وبمجرد أن تعلق الزينات على المساجد إيذانًا باحتفالات العيد، حتى تبدأ الحمامات الشعبية في استقبال المحتفلين بإطلاق المباخر ونشر العطور واستقدام المغنيين من باب البهجة بمطلع العيد. ولأن العيد الكبير أو عيد الأضحى يرتبط بالحج فإن أبهى مظاهره هو أغاني الحج التي يتداولها أبناء الجماعة الشعبية قبل بدء الرحلة وساعة الوداع وأثناء الرحلة والفرحة بالعودة.

***

وتقوم المرأة بدور مهم في هذا الطقس الغنائي الحاشد بكثير من المشاهد والمواقف التي تصف مشاعر الحج ومشاعر المحيطين به، وأمنياتهم له وطلباتهم منه، وهو ما يتجلى في رواية الشاعر الشعبي عز عز الدين نصر الدين:

“يا زوار النبي

خدوني معاكم

مشتاق لزوارة النبي

أمدح أنا وياكم

في طريق النبي

عسكر قابلوني

لولا زيارة بيت الله

ما كانوا سيبوني

عند حرم النبي

جناين وجنة

ما زرعوها والله يا غالى

باللي صام وصلى”.

نصوص متعددة وأشكال رباعية وثلاثية

يستكمل الغناء متتبعًا وواصفًا حالات المحبة والشوق للرسول وآله: “والقعدة ديه في حرم نبيه.. محبه جمعيه يا عيني.. في حرمك يانبي.. يا فاطمة يا فاطمة يا بنت نبينا.. افتحي البوابة يا فاطمة.. أبوكي دعينا.. يا فاطمة يا فاطمة يا بنت التهامي.. افتحي البوابة يا فاطمة.. أبوكي دعاني.. رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة.. رايحة فين يا حاجة يا أم الشال سماوي.. رايحة أزور النبي محمد وأرجع ع القناوي”.

وقد بدأ بعض الأصدقاء في تذكر بعض هذه الأغاني على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث وضعت الكاتبة أسماء هاشم صورة لها وهي ممسكة بدف كبير، متذكرة هذا النص:

“رايحة وين يا حاجه
بالشال القطيفة
رايح أزور النبي
والكعبة الشريفة

رايحة وين يا حاجه
بالشال  اللبيني
رايح أزور النبي
وأتفرج يعيني”.

***

ويفيض نهر المحبة ويتقطر بالعشق حين نصل لبئر زمزم، فنسمع ونرى ونتذوق: “على بير زمزم.. نصبنا الخيامِ.. وتحت الخيام.. رجال كرام.. ومنهم مليح.. فصيح اللسان.. اسمه محمد.. عليه الصلاة.. عليه السلام”. ومن هذا المشهد لتذكر النصوص التربيعية الأسيانة:

“وصلتني بنتي
لحد العوينة
ارجعي يا بنتي
جميلك علينا”.

وفي رحلة العبور من المكان والزمان، تعبر الأرواح مع أسئلة المغنين والمغنيات بنصوص رباعية بديعة تُكمل منظومة النصوص الرباعية التي يشتهر بها حنون الحجاج:

“رايحة فين يا حاجه.. يا أم شال لموني

رايح أزور النبي.. وأكحل عيوني”.

هكذا تتبارى أقاليم مصر معتمدة على النسق الرباعي، ليضفر صعيد مصر بدلتاها، ليكتمل الطريق ونحن نري تفاصيله من خلال الألسنة التي تدعو بالسلامة في رحلة العبور:

“والله يا حاجة.. ما عايزة قطايف

أنا عايزة سلامتك.. وعمارة السقايف”.

***

ومن فنون التربيع لفن القبلاوي أو “المتلوت”، الذي يتبعه مرد يربط بين البنى الثلاثية الممجدة للرسول الكريم، حيث تؤدي احتفاء واحتفالا بالزيارة:

“يا مسلم صلي ووحد

أوعى تخلي قلبك جاحد

دا رب العباد واحد

يا زاير مكة والحرم”.

بئر زمزم في رحلة العبور من الذنب للتطهر

إن عددًا من المغنين الذين تخصصوا في هذا النوع من الغناء – قمنا بتدوين عدد هائل من أغاني حنون الحجاج – منهم جابر العزب، وسيد إمام، وجميعها تسرد الرحلة ووسائلها وتجلي محبة المصريين للرسول وآل بيته، ورغبتهم وشوقهم للزيارة، فضلًا عن تخصيص عدد من النصوص لبئر زمزم وحكايته بوصفه وسيطًا مهمًا في رحلة العبور والتطهر من الذنب، فالروح تعبر سنوات العصيان لتصل إلى مكان وزمان الغفران:

“زمزم.. زمزم
يا الله على طه ناوي
بلغه مني السلام
قول له مشتاق محبك
حرم عينه المنام
عن قصة ميه زمزم
اسمع مني الكلام

سيدنا إبراهيم
م المقدس يوم هاجر
إلى أن وصل بمكة
ومعاه ابنه وهاجر
وتركهم الاتنين
وعاد للمقدس مهاجر
زمزم.. زمزم

سيدنا إسماعيل
ابنه وهاجر أمه
الاتنين مكثوا بمكة
وبتحضن فيه وتضمه
وفي لحظه بكى عطشان
والميه دي حاجه تهمه
زمزم.. زمزم

أمه تهرول في الصحرا
وتعاود ع العياط
وتهيأ ليها بحره
أو ميه محيطات
بين الصفا والمروة
قطعت سبع أشواط
زمزم.. زمزم

سيدنا إسماعيل
بعيونه يقول يا أمي
الميه تحت أقدامي
حاوطيه بجسمي ولمي
وتحاوطه السيدة هاجر
وتقول لها زمي زمي
زمزم .. زمزم

***

أين المؤسسات الثقافية من جمع التراث الثقافي غير المادي للحج؟

العناصر الشعبية الخاصة بعيد الأضحى، خاصة رحلة الحج تحتاج إلى جمع ميداني، خاصة حنون الحجاج التي بدأت تذوي من الذاكرة، فضلًا عن العادات والتقاليد والمعتقدات التي ترتبط بالزيارات والأضاحي وجمع ما تبقى من رسوم جدارية ما تزال حية على جدران البيوت المصرية في ريف الدلتا وصعيد مصر.

وإذا تتبعنا هذه العناصر سنجد تميزًا كبيرًا على مستوى الأقاليم الثقافية من أطعمة وأشربة، واحتفالات تسهم مساهمة ثرية في ترسيخ مفهوم طقس العبور في العقلية الشعبية وهو ما ينعكس أثره على مجمل النتاج الإبداعي ممثلا بكثافة في الفنون القولية المصرية التي تجعل من الصلاة على النبي بمثابة التأصيلة التي لا يصح الفن إلا بالبداية بها:

صلة النبي تغني عن القوت

وتمنع البلا والمراضي

يستاهل علقته بالسوط

اللي معاه كفو الزيارة ما راضي

حلو النبي وحلوة رقابية

لما هو بدر البدورة

من يوم جبريل رقى بيه

من سابع سما فج نوره.

اقرأ أيضًا: توديع الحجاج في قرى الأقصر.. أناشيد ومواكب شعبية تحافظ على روح التراث

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.