«الكانون».. تراث الأجداد يعود للحياة في بيوت الصعيد
يُعد «الكانون» أحد أقدم المواقد التي عرفها المصري القديم واستخدمها في الطهي، وهو مصنوع من مواد بسيطة مثل الطوب اللبّن والطين المخلوط، ويُشكل من ثلاث قواعد تُوضع عليها الأواني التي يُطهى فيها الطعام أو حتى يحضر عليها الشاي، المعروف بـ”شاي الجمر”، والذي يتميز بمذاق مختلف تمامًا عن شاي البوتاجاز.
الكانون في تجهيز الطعام
الحاجة حميدة عثمان، والبالغة من العمر 61عامًا، تستيقظ مبكرًا كل يوم لإطعام الدجاج الذي تقوم بتربيته داخل منزلها جنوب محافظة الأقصر، حيث تستخدم الماء الساخن المغلي على النار، ثم تضع فيه بقايا العيش الناشف ليصبح أكثر مرونة، وتقوم بعملية التقليب حتى يصبح الخليط متجانسا، قبل أن تضعه جانبًا لدقائق معدودة، ثم تقدمه للدجاج طعاما حتى يسمن وينتج البيض البلدي.
توضح الحاجة حميدة أنها رجعت لاستخدام الكانون بدل البوتاجاز بعد ارتفاع أسعار أنابيب الغاز، قائلة: “كده نوفر الغاز والمال”، مؤكدة أنها استخدمته منذ أكثر من 45 عامًا، حيث تعلمت الطهي علي يد أمها التي كانت تطهو عليه مختلف أصناف الطعام، كما كانت تُعد الشاي عليه. وتستغرق عملية إعداد الوجبات عليه قرابة ثلاث ساعات قبل أن تصبح جاهزة للتناول، وتستخدم الحطب الصغير وأوراق ومخلفات المنزل في إشعال النار.
اقرأ أيضا: 70 عاما في الحدادة.. «عم عبده» يصنع أدوات المزارعين بيديه
كيف يتم تجهيز الكانون؟
تضيف الحاجة حميدة أن عمل الكانون في المنزل بسيط ولا يحتاج إلى مجهود كبير، ويمكن عمله بالأيدي باستخدام مواد بسيطة، أو يقوم بعمله بنّاء متخصص في بناء الكوانين والأفران البلدي، كما تقوم بعض السيدات بتجهيزه بأنفسهن، إذ يبنى من الطوب على شكل مربع ناقص، وترص الطبقات فوق بعضها، ثم يغطى بالطين المخلوط بالماء، ويترك حتى يجف تماما، وبعد ذلك يحرق بالنار قبل استخدامه في الطهي وغيره.
ارتفاع أسعار أنابيب الغاز
تقول الحاجة زينب عبدالحي إن الارتفاع الكبير في أسعار أنابيب الغاز وصل إلى 350جنيهًا في بعض المناطق، مع جشع بعض التجار، ومع زيادة تكاليف المعيشة أصبح من الصعب توفير ثمنها كل شهر، وكان الحل هو العودة لبناء كانون صغير في حوش المنزل بدلا من البوتاجاز.
وتضيف أن الكانون لا يستهلك وقودا كثيرا، حيث تتوفر مخلفات قصب السكر الناشفة، وأحيانا تستخدم الأوراق القديمة والقش وغيرهما من المخلفات.
اقرأ أيضا: «فتل الحبال».. حكاية حرفة قديمة تنشط مع موسم الحصاد
مذاق طعام الكانون
سيدة عبد المتعال، التي تعيش في قرية بعيدة عن المدينة برفقة أبنائها الخمسة وزوجها الذي يعمل نقاشا، ترى أن استخدام الكانون في الطهي، رغم كونه وسيلة بدائية، مرهق بعض الشيء بسبب بطء الطهي وتصاعد الأدخنة التي تؤثر على صحتها، لكنه يوفر المال. ومع استمرار ارتفاع أسعار أنابيب الغاز، يعد فرصة مناسبة لأهالي الصعيد، خاصة أنهم يعرفون كيفية استخدامه، إذ توارثوه عن أجدادهم وآبائهم.
وتوضح أنه قد يكون صعبًا على سكان المدن لعدم توفر مكان مخصص لإنشائه داخل العمارات، مثل أحواش القرى. وتصف مذاق الطعام المُعد على الكانون بأنه لا يختلف كثيرا عن الطعام المطهو على البوتاجاز، مؤكدة أنها لا تجد مانعا من العودة لاستخدامه مؤقتا حتى تنخفض أسعار أنابيب الغاز، ثم تعود لاستخدام البوتاجاز لأنه أسرع ولا يسبب تصاعد الأدخنة.

الكانون في القرى فقط
تقول علا عبد الفتاح، ربة منزل، إنها في ظل ارتفاع أسعار أنابيب الغاز، فكرت في بناء كانون على سطح العمارة التي تسكن بها، وأخبرت زوجها بهذه الفكرة، لكنه رفض خشية تصاعد الأدخنة والمشكلات الصحية المحتملة، كما أنها لا تمتلك وقودا أو مواد خشبية لإشعال الكانون.
وتشير إلى أنها قبل الزواج كانت تعيش في قرية مع شقيقتها، وكانت تعرف استخدام الكانون، حيث شاهدته في منزلهم قبل سنوات، لكن الوضع تغير بعد زواجها وانتقالها للمدينة، وأصبحت، كغيرها تعتمد على أنابيب الغاز .
اقرأ أيضا: الدقّة والعيش الناشف.. أكلة الأقباط في فترة التقشف





