دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«شبار الجوابي».. تراث دمياطي بطعم البحر

يظل سمك «الجوابي» أو «الشبار المبطرخ» الوجبة المفضلة لأهالي دمياط، خاصة من متوسطي الدخل، إذ لا يمر الموسم دون شرائه مرات عديدة، بل يُباع أحيانًا بالحجز، حيث يتصل الزبون بمحل بيع الأسماك لحجز الكمية المطلوبة، ثم يتسلمها من الفرن الملاصق للمحل بعد شوائها.

طقس خاص لدى الدمايطة

يقول محمد عبد العزيز، الشهير بـ«أويمجي»، إن تناول شبار الجوابي له طقس خاص لدى الدمايطة، فلا يؤكل، إلا مع بعض المكملات الأساسية، مثل الليمون والأرز والسلطة، وأحيانًا البصل.

وأضاف أن “شباب الجوابي” يعد من الوجبات الأساسية في البيت الدمياطي، وتتناوله جميع الأجيال، فبرغم صغر حجمه الذي لا يتجاوز عشرة سنتيمترات، لا يستغني عنه الأهالي مهما ارتفع سعره، خاصة خلال الموسم الذي يبدأ في مارس ويستمر حتى نهاية مايو. وأشار إلى أن السمكة تُعرف في أسواق دمياط باسم “شبار الجوابي المبطرخ”، بينما تُعرف في القاهرة والإسكندرية باسم “شبار البلومي”.

اقرأ أيضا: على ظهر البحر.. خطاطو المراكب يرسمون أحلام الصيادين ويوثقون أسماء الأحفاد

شبار الجوابي ضيف دائم على موائد الزائرين

يقول أحمد العشماوي تاجر موبيليا: “استضفت ذات مرة زبائن من القاهرة، وأردت إكرامهم، فدعوتهم لتناول شبار الجوابي المبطرخ، فنظروا إليه وضحكوا قائلين: هذا سمك للبط وليس للبشر. فقمت بتقشير عدد من السمكات ليجربوها، وبعد دقائق أقبلوا عليها بشهية كبيرة حتى انتهت الوجبة بالكامل”.

وأضاف أن هؤلاء الزبائن ما زالوا يطلبون منه في كل موسم تناول هذه الوجبة، مؤكدين أنها من أفضل وجبات الأسماك التي تذوقوها في حياتهم. وأوضح أن هذه السمكة الصغيرة فرضت حضورها على موائد الزائرين القادمين من خارج دمياط، حتى أصبحوا يحرصون على تناولها مع كل موسم، بل وتحولت العلاقة بينهم إلى صداقة ممتدة، يرسل لهم خلالها كميات من “الشبار المبطرخ” كل عام.

وتابع العشماوي أن أهالي دمياط يفتخرون كثيرًا بتناول «شبار الجوابي»، ولا يرون في صغر حجمه ما يدعو للخجل، بل يحرص كثير منهم على تصوير الوجبة ونشر صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بل فخر، باعتبارها ميراثًا توارثوه عن الأجداد.

وأشار إلى أن ارتباط أهالي دمياط بـ«شبار الجوابي» لا يقتصر على كونه وجبة موسمية، بل يمثل جزءًا من الموروث الشعبي الذي تناقلته الأجيال، وظل حاضرًا على الموائد الدمياطية لعقود طويلة، محافظًا على مكانته باعتباره أحد أبرز الأطعمة التراثية في المحافظة.

حكاية صناعة الجوابي وطرق الصيد بها

يروي ناصر حامد بحير،ي صانع جوابي من قرية شطا، قصة صناعة «الجوابي»، موضحًا أنها من أدوات الصيد البسيطة التي تُصنع في عدة مناطق بدمياط، مثل شطا وعزبة البرج والسنانية وقرية طبل.

وأضاف أن بعض ربات البيوت يقمن بصناعتها للاستخدام الشخصي فقط، إلا أن مدينة السرو التابعة لمركز الزرقا تعد الأشهر في هذه الصناعة، حيث تخصصت في إنتاج نوع مختلف من الجوابي يُستخدم لصيد بعض أنواع السرطانات البحرية في المياه العذبة.

وأشار إلى أن هذه السرطانات تحظى بإقبال كبير في الأسواق الخارجية، خاصة السوق الصينية، وقد أسهمت هذه الحرفة في توفير مصدر دخل لعدد من الصيادين والحرفيين، إذ تُستخدم المصائد التقليدية في جمع السرطانات وتصديرها بالكامل إلى الصين. وأوضح أن “جوابي السرو” تختلف عن “جوابي دمياط”، فالأولى تُستخدم في المياه العذبة، بينما تُستخدم الثانية في المياه المالحة.

اقرأ أيضا:بين البر والبحر.. «الأَزَءْ» مهنة تعمير المراكب واليخوت في دمياط

الفرن البلدي يقاوم وسائل الطهي الحديثة

يؤكد رجب موافي، صاحب فرن بلدي، أن أهالي دمياط ما زالوا متمسكين بالطريقة التقليدية في شواء «شبار الجوابي»، ولا يقبلون بديلاً عنها رغم تطور وسائل الطهي الحديثة. وأوضح أن السمك يُشوى داخل الفرن البلدي مباشرة على بلاط الفرن الساخن باستخدام نشارة الخشب القادمة من ورش الأثاث، وهي الطريقة التي اعتاد عليها الأهالي منذ عشرات السنين.

وأضاف أن الزبائن يأتون خصيصًا حاملين أسماكهم إلى الفرن، رافضين استخدام الشوايات الحديثة أو الأفران الكهربائية، لأنهم يرون أن المذاق الحقيقي لـ”شبار الجوابي” لا يكتمل إلا داخل الفرن البلدي. وأشار إلى أن هذه العادة تحولت إلى تقليد متوارث تستمتع به الأسر الدمياطية، وترتبط لديها بذكريات الطفولة ومواسم الصيد.

خطر الأبقار ودهس الجوابي في المياه

يقول محمد البنوار، أحد أصحاب الجوابي، إن أكبر مشكلة تواجه العاملين بهذه المهنة القديمة ليست نقص الصيد أو تقلبات الطقس، وإنما تعرض الجوابي للتلف بسبب الأبقار التي ترعى على ضفاف القناة الملاحية الواصلة بين ميناء دمياط ونهر النيل.

وأضاف: “الأبقار تنزل إلى المياه لتأكل الغاب الأخضر، وأحيانًا يعجز الرعاة عن السيطرة عليها، فتدخل بين الجوابي وتدوسها، ما يؤدي إلى كسر أجزاء منها واضطرارنا إلى إصلاحها من جديد”. وتابع: “نعاني من هذه المشكلة منذ سنوات، وتتكرر باستمرار، ومع كل موسم تتكبد خسائر نتيجة تلف الجوابي، رغم أنها مصدر رزقنا الأساسي، وإعدادها يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين”.

وأكد أن أصحاب الجوابي يطالبون بتنظيم حركة الرعي في المناطق القريبة من المجرى الملاحي للحفاظ على هذه الوسيلة التقليدية للصيد، التي تمثل جزءًا من التراث البحري لدمياط.

وأضاف أن فتح هاويس دمياط خلال الفترة الأخيرة أدى إلى تغيير طبيعة المياه والأسماك نتيجة اختلاط المياه العذبة بالمياه المالحة، وهو ما أثر على البيئة الطبيعية للأسماك، وأدى إلى ظهور أنواع لم تكن معتادة داخل الجوابي، مثل سمك القراميط، الذي غالبًا ما يُعثر عليه نافقًا، لعدم تأقلمه مع البيئة المالحة.

زكريا الحجاوي ووصف «الجوبية» في «حكاية اليهود»

لم يقتصر حضور “الجوبية” على الحياة اليومية ووسائل الصيد التقليدية في دمياط، بل ورد ذكرها أيضًا في كتاب “حكاية اليهود” لرائد جمع وتوثيق التراث الشعبي المصري زكريا الحجاوي.

ووصف الحجاوي “الجوبية” بأنها إحدى وسائل الصيد المصنوعة من الشباك، وتتخذ شكلًا دائريًا، وتحتوي على فتحة واحدة أو فتحتين تُعرفان باسم “البؤرية”، وهي بمثابة مصيدة تسمح بدخول الأسماك إليها دون أن تتمكن من الخروج مرة أخرى.

وأشار الحجاوي، في ما أورده بالكتاب، إلى ارتباط هذه الأداة بقصة تحايل بني إسرائيل في صيد الأسماك، مستشهدًا بقوله تعالي: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.

وذكر الحجاوي أن بعض الروايات التراثية تذهب إلى أن بني إسرائيل كانوا ينصبون الشباك والفخاخ يوم الجمعة، فتدخلها الأسماك يوم السبت، ثم يجمعونها صباح الأحد، في محاولة للالتفاف على النهي الإلهي عن الصيد يوم السبت، بحيث يبدون ملتزمين بالأمر من الناحية الظاهرية، بينما يخالفون مقصده الحقيقي.

وبحسب الحجاوي، فإن “الجوبية” تُعد من بين الأفخاخ التقليدية التي اعتمدت على فكرة دخول الأسماك إلى المصيدة واستحالة خروجها منها، وهي الفكرة التي استمرت بأشكال متعددة عبر العصور، وظلت حاضرة ضمن وسائل الصيد الشعبية المتوارثة في عدد من البيئات المصرية.

اقرأ أيضًا: «الكارينة».. حرفة دمياطية قديمة تواجه خطر الاختفاء

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.