الكاتبة «هاجر عادل»: الخطر الأكبر على الحرف التراثية ليس اندثارها بل سرقة هويتها المصرية
كتاب «في طي النسيان» ركز على الحرف التراثية من منظور الصناع
بين الحكاية والتاريخ، وبين ما كان وما لا يزال يحاول البقاء، تمضي الكاتبة هاجر عادل، مؤسسة مبادرة «نبض الحضارة»، في كتابها «في طي النسيان.. الحرف التراثية في مصر»، لتوثيق ما تبقى من الحرف التراثية في أيدي الحرفيين الأوائل، جامعةً شتات حكاياتها، بدءًا من العصور الحجرية وصولًا إلى الصناعات التي شكلت جزءًا أصيلًا من روح المكان.
وتقترب في رحلتها من الحرفيين أنفسهم، فتحول أصواتهم إلى وثائق ترصد الصعوبات التي تواجه هذه الحرف وتسجل محاولات إحيائها. ومن هنا يأتي هذا الحوار مساحة للاقتراب من هذه التجربة، في محاولة لإجابة عن سؤال مهم: كيف نحافظ على ما يصنع هويتنا قبل أن يتحول إلى مجرد ذكرى؟
-
كيف جاءت فكرة كتاب “في طي النسيان.. الحرف التراثية في مصر”؟ وما دافعك لاختيار الحرف التراثية؟
الكتاب في الأساس كان عبارة عن مقالات عن الحرف التراثية المصرية في العصر الإسلامي، كانت تُنشر عبر صفحة إدارة الوعي الأثري بالقاهرة التاريخية على “فيسبوك”، لكن كانت تعرض للسرقة. ومن هنا بدأت أبحث عن وسيلة لتوثيق كتاباتي. فقررت جمعها في كتاب.
وبدلًا من اقتصارها على الحرف في العصر الإسلامي، تناولت جذور كل حرفة في التاريخ المصري القديم، فصدر الجزء الأول من الكتاب. أما فكرة الجزء الثاني فجاءت عندما قررت استكمال الحديث عن هذه الحرف، لكن من منظور الصناع أنفسهم، مع تسليط الضوء على أسباب اندثارها.
اقرأ أيضًا: الكاتب سيد عبد الحميد: «الراب» في مصر نتيجة حتمية لتحولات الشارع والجيل
-
هل ترين أن الخطر الأكبر الذي تواجهه هذه الحرف اليوم هو النسيان فعلًا، أم أن هناك تهديدات أخرى أكثر عمقًا؟
الحقيقة أن نسيان الحرف التراثية خطر كبير، لكن الخطر الأكبر هو سلبها من جذورها ونسبها إلى دول أخرى، وتجريدها من هويتها المصرية. وبالنظر إلى تاريخ هذه الدول، نجد أنها لم تكن موجودة أصلًا في الفترات التي ابتكر فيها المصري القديم تلك الحرف.
-
أثناء تتبعك لتطور الحرف، هل اكتشفت ما فاجأك بشأن مدى ارتباط هذه الصناعات بتاريخ مصر وهويتها الحضارية؟
نعم، وجدت ذلك في ورشة للنسيج اليدوي بمدينة نقادة، حيث رأيت قطعًا تم نسجها ببراعة ودقة متناهية، لدرجة إذا قارنا هذه القطع الحديثة بتلك الموجودة في المتاحف فلن نجد فرقًا بينهما.

-
في الكتاب انتقلت من التاريخ إلى الإنسان، أو من الحرفة إلى الحرفي.. لماذا كان مهمًا أن تمنحي صناع هذه الحرف مساحة ليحكوا بأنفسهم؟
لأن المصادر التي تتحدث عن الحرف التراثية نادرة جدًا، وإذا نظرنا إليها سنجد التسلسل التاريخي والطريقة الفنية للصناعة، لكن في الوقت نفسه سنجدها تفتقر إلى حديث أرباب الحرف.
لذلك، كان من المهم منح الفرصة لأصحاب هذه الحرف للحديث عن المهن التي أفنوا فيها حياتهم، وأيضًا لتوثيق طريقة صناعة هذه المنتجات ومعرفة أسباب عزوف الصناع عنها حاليًا، رغم أنها تعد واحدة من أهم الأشياء التي تعبر عن هويتنا المصرية وتراثنا اللامادي.
-
كيف كانت تجربتك الميدانية مع الحرفيين؟ وهل هناك قصة أو لقاء ظل عالقًا في ذاكرتك أثناء إعداد الكتاب؟
لم تكن التجربة الميدانية بالنسبة لي مجرد أداة لتوثيق الحرف، بل كانت رحلة إنسانية معرفية غيرت فيّ الكثير. حيث منحتني الفرصة للاقتراب من حماة هذا التراث، وبناء جسور من العلاقات الإنسانية الطيبة معهم، فاستمعت إليهم وتعلّمت من خبراتهم وحكمتهم الممتدة عبر الأجيال. هذا الانغماس الميداني جعلني أرى الحرف اليدوية بعيون صُناعها وأقترب من تفاصيل معاناتهم اليومية وتحدياتهم بشكل حقيقي وملموس بعيدًا عن مقاعد البحث النظرية أو الحديث عنهم من بعيد.
أما عما ظل عالقًا في ذاكرتي، فالحقيقة أنني لا أستطيع اختزال التجربة في قصة واحدة أو لقاء عابر فكل حكاية رواها لي حرفي وكل تجعد في يدٍ صانعة وكل نبرة فخر أو قلق شاركوني إياها، ما زالت حية ونابضة في وجداني حتى اليوم. كل تلك القصص أصبحت جزءًا مني وتحولت في داخلي إلى أمانة غالية وقضية شخصية أملك كل الشغف للدفاع عنها.
اقرأ أيضًا: «ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى
-
رصدت حرفًا تعاني من الاندثار مثل الألباستر والفركة والفخار والجريد.. برأيك، لماذا تختفي بعض الحرف بينما تنجح أخرى في البقاء؟
سر بقاء الحرفة أو اندثارها يكمن في مدى مرونتها وقدرتها على مواكبة تحولات العصر وتلبية احتياجات الإنسان المتغيرة، فالاستمرارية ليست مجرد صدام مع الزمن بل قدرة على التكيف، حيث نجد صناعات ولدت لتصمد وتتجدد عبر العصور. فنجد أن بعض هذه الصناعات، مثل النسيج اليدوي والفخار بالرغم من قدمهما، إلا أنهما يحملان مرونة عالية تتيح لهما التطور المستمر والاندماج في تفاصيل الحياة اليومية المعاصرة بقوة بفضل تطور وظائفهما وأشكالهما.
في المقابل، تواجه حرف أخرى خطر التراجع لظروف خارجة عن إرادة الصانع كصناعة الألباستر التي ترتبط استمراريتها ارتباطًا وثيقًا بمدى توفر خاماتها وصعوبة استخراجها من المحاجر الخاصة بها. وهناك أيضًا حرف يكتب الزمن نهايتها نتيجة لتغير الثقافة والأنماط المجتمعية وخير مثال على ذلك صناعة الطرابيش التي اندثرت وتلاشت بمجرد انتهاء موضة ارتدائها وزوال دورها الوظيفي والاجتماعي في حياة الناس.
وينضم إلى كل هذه الأسباب عامل بشري غاية في الأهمية يتعلق بمدى صعوبة الحرفة ومشقاتها، فالكثير من الحرف التراثية باتت تعاني من هروب الصناع والجيل الجديد من تعلمها. نظرًا لما تتطلبه من مجهود بدني شاق ووقت طويل جدًا لإنجاز قطعة واحدة ما دفع المتعلمين للبحث عن بدائل أسهل وجعل الحرفة مهددة بالاندثار بمجرد رحيل شيوخ الصنعة، لينتهي بها المطاف خلف ستار التاريخ بمجرد زوال الظروف التي كانت تدعم بقاءها.

-
من خلال توثيقك لخطوات صناعة بعض الحرف، ما الذي اكتشفته عن العلاقة بين الحرفي وأدواته أو بين الإنسان وصنعته؟
العلاقة بين الحرفي وصنعته وأدواته تتجاوز حدود العمل ومصدر الرزق، فهي رابطة روحية ووجودية عميقة فالحرفي يتعامل مع أدواته وحرفته كأنها فرد من أفراد عائلته لا يمكنه الاستغناء عنه، بل ويشعر في غيابها بأنه بلا هوية أو وجود حقيقي، ما يجعله متمسكًا بها ومحافظًا عليها حتى آخر نفس في عمره. القطعة التي ينتجها الحرفي لا يمكن اختزالها في مجرد منتج مادي نقتنيه أو سلعة تصنع من أجل البيع والتربح بل هي جزء لا يتجزأ من روحه تأخذ من وقته وجهده وفكره لتخرج إلى النور.
من هنا ينشأ ذلك الارتباط الوجداني الوثيق الذي يجعل من الحرفة والإنسان كيانًا واحدًا لا ينفصل، وطاقة حية تتجسد في كل تفصيلة يصنعها بيده.
-
الكتاب لا يكتفي بالرصد، بل يتناول أيضًا معاناة الحرفيين.. ما أبرز الصعوبات التي وجدتها مشتركة بينهم؟
أبرز الصعوبات والمعاناة المشتركة التي رصدتها بين جميع الحرفيين تتلخص في تحديات تهدد استمرار هذه الصناعات، وفي مقدمتها عزوف الشباب والجيل الجديد عن تعلم هذه الحرف التراثية والنفور من مشقاتها.
وينضم إلى ذلك آفة التيك توك التي انتشرت بشكل واسع وتسببت في هروب الكثير من الصناع والشباب من ورشهم واللجوء إليه كحل بديل وسريع لكسب المال بدلًا من الصبر على تعلم حرفة تتطلب وقتًا وجهدًا طويلًا. فضلًا عن أزمة المنافسة غير العادلة المتمثلة في إغراق الأسواق بالقطع المستوردة والمصنعة آليًا، والتي تباع بأسعار زهيدة جدًا مقارنة بالقطع المصنوعة يدويًا، وتعكس قيمة الفن والجهد البشري المبذول فيها. كل هذه العوامل شكلت ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا هائلًا يواجه جميع العاملين في مجال الحرف التراثية ويهدد لقمة عيشهم واستمرار ورشهم.
-
لماذا اخترت مدينة نقادة تحديدًا كنموذج؟ وما الذي يميز تجربتها عن غيرها؟
اختياري لمدينة نقادة لم يكن عشوائيًا، بل لأنها تمثل نموذجًا حيًا وملهمًا على أرض الواقع لمدينة تاريخية يمتد عمقها الحضاري لأكثر من 7000 عام قبل الميلاد، شاهدة على العصور الحجرية القديمة والحديثة وعصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى العصور التاريخية المختلفة، حيث بدأت الحرف والصناعات تنشأ في هذه البقعة وتخرج منها للنور قبل أن تتطور وتنتشر في جميع أقاليم مصر، والمذهل في نقادة أنها ما زالت محتفظة بطابعها التراثي الفريد حتى يومنا هذا، كما أن أهلها متمسكون بصناعاتهم التقليدية ويتوارثونها جيلاً بعد جيل.
وهذا ما يجعلنا أمام فرصة حقيقية لتحويل هذه المدينة إلى مزار سياحي وثقافي عالمي ومهم جدًا، دون اشتراط وجود كم هائل من الآثار المعمارية الضخمة بها. بالرغم من أن 90% من الآثار المكتشفة هناك من الفخار وآثار ما قبل التاريخ والعديد من قطعها الأثرية لم نعد نصل إليها بسبب السرقات والتجارة التي خرجت بها خارج مصر في فترات زمنية سابقة إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في تراثها الحي، بذلك يمكننا إعادة إحياء نقادة وتحويلها لمدينة سياحية متكاملة من خلال تسليط الضوء على حرفها التراثية الباقية وصناعاتها اليدوية التي تعد امتدادًا مباشرًا لهويتنا.
-
في رأيك، كيف يمكن جذب الأجيال الجديدة للاهتمام بالحرف التقليدية بدلًا من النظر إليها باعتبارها ماضيًا فقط؟
يتطلب جذب الأجيال الجديدة للاهتمام بالحرف التقليدية تغييرًا في طريقة تقديم هذا التراث وتجاوز الأساليب النمطية، وذلك من خلال تبسيط تاريخ الحرفة وتقديمه بأسلوب شيق وجذاب يربطهم بها وجدانيًا. عندما يقبل شاب أو زائر على اقتناء قطعة تراثية سواء كانت من الفخار أو النسيج أو غيرهما يجب ألا نقدمها له كمجرد منتج جامد بل نحكي له تاريخ هذه القطعة في شكل قصة أو حدوتة ممتعة، ليتعرف من خلالها على كيفية ولادة هذه الحرفة وتطورها عبر التاريخ بأسلوب بعيد عن الملل والجمود الأكاديمي.
هذه الحكاية كفيلة بلفت انتباهه وجعله يحب هذه الصنعة وربطه بها فكريًا وقوميًا، لنبدأ في غرس الوعي لديه بأن الفنون اليدوية مكون أصيل يعبر عن هويتنا وجذورنا الوطنية وأن الحرف التراثية بما تحمله من قيم إنسانية وتاريخية وفنية لا تقل أهمية أو قيمة عن الأهرامات والمعابد والمنشآت الأثرية الضخمة فكلاهما وجهان لعملة واحدة توثق عبقرية الإنسان المصري عبر العصور.

-
بعد إصدار كتابين عن الحرف التراثية، ما الذي غيرته هذه الرحلة في نظرتك الشخصية إلى مفهوم التراث؟
جعلتني هذه الرحلة أنظر إلى التراث بعمق أكبر بكثير مما كنت أتخيله في السابق. على الرغم من أنني كنت أعي دائمًا أهمية التراث وضرورة الحفاظ عليه إلا أنني اكتشفت من خلال تجربتي الميدانية والشخصية أن هناك قطاعًا عريضًا من المجتمع لا يدرك القيمة الحقيقية لهذا الإرث أو مدى أهميته في تشكيل وجداننا.
في البداية كنت أتناول التراث بشكل أكثر بساطة وسطحية لكن بعد خوض غمار الكتابة عن الحرف التقليدية أصبحت أتحدث عنه برؤية أعمق وأشمل لأن الغالبية العظمى من المهتمين يسلطون الضوء على التراث المادي المتمثل في المباني والمعالم الأثرية وقليلًا ما يلتفتون إلى التراث اللامادي أو الحي كالمهارات والطقوس والحرف اليدوية.
ومن هنا تبلورت قناعتي الكاملة بأنه مثلما نمنح التراث المعماري والمادي حقه من الرعاية والصون، فإن التراث اللامادي يستحق منا نفس القدر من الاهتمام والتقدير لأنه الروح النابضة التي تحرك تلك الأدوات والصناعات.
-
أسست مبادرة “نبض الحضارة” بهدف تعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الآثار والتراث.. كيف وُلدت فكرة المبادرة؟
نشأت فكرة “نبض الحضارة” خلال فترة تدريبي في جمعية أصدقاء المتحف المصري بالتحرير، حيث فكرت في إنشاء صفحة على فيسبوك لتخصيصها للكتابة عن تاريخ القطع الأثرية المعروضة في المتحف وإبراز أهميتها ونشر مقالات تاريخية وثقافية عن مختلف الأماكن الأثرية في مصر.
وكان الهدف أن تكون الصفحة نافذة معرفية مجانية وبديلة تتيح للأشخاص الذين لا يملكون القدرة أو الفرصة لزيارة هذه المعالم أن يقرأوا عنها ويشاهدونها بشكل أوضح وأعمق، وفي نفس الوقت استهدفت أولئك الذين يزورون الأماكن الأثرية والرحلات بهدف الالتقاط التذكاري للصور بجانب الأثر دون وعي بحقيقته لكي يعوا ويفهموا تاريخ القطع والمعالم التي يقفون أمامها.
ومع مرور الوقت تطور هذا العمل الفردي من مجرد كتابة مقالات تاريخية وسرد لقصص الأماكن إلى تنظيم زيارات ميدانية وجولات تثقيفية على أرض الواقع ثم اتسع النطاق بشكل أكبر ليمتد إلى صناعة وإنتاج مقاطع فيديو مرئية لتوثيق هذه المعالم بهدف الوصول إلى الفئات التي لا تملك الشغف بالقراءة أو تفضل المحتوى البصري السريع كالأطفال الذين يصعب عليهم استيعاب المقالات الطويلة والمعقدة وبذلك نضمن وصول المعلومة التاريخية الصحيحة والموثقة للجميع بأسلوب ميسر ومشوق.
***
أما الرسالة الأساسية التي تسعى المبادرة لترسيخها فهي توعية الجيل الناشئ والشباب بأهمية تاريخهم وآثارهم وربطهم برباط وثيق ومستدام مع هويتهم وحضارتهم وجذورهم الوطنية الأصيلة، ليعلم هذا الجيل يقينًا أنه مهما حاول الآخرون التشكيك في تاريخنا أو النيل من عزيمتنا ومحاولة كسر هويتنا فإن الروح المصرية الحية الممتدة من جينات أجدادنا ستظل باقية ومتجذرة فينا ولن تزول إلا بإبادة هذا الشعب، وهو أمر مستحيل فالأمة المصرية أمة عريقة.
وكما قال عالم الآثار الشهير جاستون ماسبيرو: “إن الأمة المصرية أمة خالدة تدل طبائع أبنائها كما تدل آثارها على الخلود”. وهذا اعتراف غربي صريح بأن أصالتنا ممتدة ولم تنقطع وكل الحركات الممنهجة الممتدة عبر التاريخ لتزوير وتشويه الحضارة المصرية أو نسبها لغير أهلها هي حركات فاشلة تسقط أمام حقيقة أننا الشعب الوحيد الذي ارتبط بأرضه ولم يغادرها ودافع عنها لآخر قطرة دم ونفس ولم يخرج منها مهجرًا أو لاجئًا أبدًا.
-
من خلال “نبض الحضارة”، كيف ترين مستوى وعي الشباب اليوم بقضايا التراث والآثار؟ وهل لمست تغيرًا حقيقيًا في اهتمامهم؟
بالتأكيد هناك تغيير واضح في الاهتمامات، فنحن نشهد تناميًا ملحوظًا في اهتمام الشباب المصري بالتاريخ المصري، حيث أصبح الوعي بأهمية الهوية الثقافية وحفظ الموروث التاريخي أكثر حضورًا في النقاشات العامة، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد انعكس على مشاركة الشباب في مناقشة القضايا المتعلقة بتاريخ مصر القديمة وحضارتها، ولعل أبرزها ما ارتبط بأفكار حركة الأفروسينتريك. التي شهدت تفاعلًا واسعًا من اتجاهات مختلفة لدحضها، وهو ما أوضح دور الشباب المصري في متابعة وتقديم المعلومات التاريخية وتوثيقها استنادًا إلى المصادر المتخصصة.
وتكمن أهمية هذا التفاعل في تأكيده على أن حماية التراث لا تتحقق عبر المتاحف والمواقع الأثرية فقط، بل أيضًا من خلال نشر المعرفة الصحيحة وتعزيز الوعي العام بالتاريخ والحضارة، فالتاريخ الإنساني ملك للجميع، لكن الحفاظ على توثيقه ودقته مسؤولية تتطلب البحث المستمر واحترام الحقائق العلمية. ومن ثم تبرز قيمة هذا الوعي بوصفه خطوة مهمة نحو صون ذاكرة مصر الحضارية وتعزيز الانتماء بطريقة واعية.
-
ما التحديات التي تواجه مبادرة أهلية تعمل في مجال التوعية بالتراث؟ وكيف تتغلبون عليها داخل نبض الحضارة؟
أبرز التحديات التي تواجهنا كمبادرة أهلية تتمثل في كونها مبادرة فردية بالكامل وغير مدعومة ماليًا أو لوجيستيًا من أي جهة حكومية أو مؤسسية، ما يضع على عاتقنا أعباء وتكاليف مادية لتغطية بعض نفقات السفر والانتقالات، وكذلك نفقات الزيارات المجانية التي نقوم بها وتجهيز الأنشطة التوعوية والميدانية.
ومع ذلك، نحاول التغلب على هذه العقبات من خلال تعويض نقص الدعم المادي بالإيمان الصادق بالفكرة والاعتماد على الجهود الذاتية وشغف فريق العمل الذي يرى في هذا التوثيق واجبًا وطنيًا لا يقدر بثمن. ونتمنى في المستقبل القريب أن تحظى مثل هذه المبادرات برعاية واهتمام الدولة والمؤسسات المعنية بالثقافة والآثار لتوسيع نطاق التأثير للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستهدفين، وتوفير الدعم الذي يضمن استمرار هذه المسيرة التوعوية وحماية تراثنا بالشكل الذي يليق بمكانة مصر وتاريخها.

-
كيف بدأت الشراكة مع متحف جاير أندرسون؟ ولماذا اخترت اسم “سرمد” للمعرض؟
بداية الشراكة مع متحف جاير أندرسون نبعت من شعوري الشخصي كمؤلفة وباحثة بأن مجرد الكتابة عن الحرف التراثية أو التحدث عنها يظل خطوة غير كافية، ولا يقدم خدمة حقيقية وملموسة لصناع هذه الحرف على أرض الواقع؛ فهم لا يستفيدون بشكل مباشر من التنظير والكلام دون آليات تسويقية تدعم صمودهم. من هنا قررت الانتقال من الكلمة إلى الفعل، وتنظيم معرض متكامل يدعمهم ويبرز إبداعهم بشكل لائق.
وكان المكان الأنسب والأكثر عراقة لضم المعرض وهذه الحرف هو متحف جاير أندرسون لاحتضان الفكرة؛ إذ إنه صرح أثري يضم بين جنباته مشغولات صنعت باليد من مختلف بلدان العالم، فضلاً عن الرمزية الملهمة لصاحب البيت، الضابط الإنجليزي الذي عشق مصر وجمع تراثها وأوصى بأن يؤول بيته لوزارة الآثار ليتحول إلى متحف، فكان دافعي هو التأكيد على أننا كمصريين لا نقل حيًا لبلدنا وتراثنا عنه، وأن من واجبنا الوطني دعم أرباب هذه الحرف ومساعدتهم للارتقاء بصناعاتهم ليتجاوز المعرض حدود الجمهور المحلي ويصل إلى الأجانب والزوار ليقفوا على عظمة هذه القطع المصنوعة يدويًا.
***
كما أن هناك عوامل أخرى ساهمت في نجاح المعرض، منها جهود بعض المسؤولين في تعزيز الشراكة مع المتحف، مثل الدكتورة وسام طه، مديرة القسم التسويقي والتدريب بمتحف جاير أندرسون، وميرفت عزت، مديرة متحف جاير أندرسون، والدكتورة ياسمين حسين، مديرة مؤسسة إيجيبتوس، والدكتور خالد سعد، مدير إدارة آثار ما قبل التاريخ بوزارة السياحة والآثار، والدكتورة بدور عثمان، مسؤولة التدريب بكيان ميريت آمون، إلى جانب بعض أعضاء فريق “نبض الحضارة” منهم سلمى سيد وأماني حامد، كللت هذه الفكرة بالنجاح بفضل تعاون وشراكة مثمرة تمت من خلال الدكتورة وسام طه، مديرة قسم التسويق والتدريب بمتحف جاير أندرسون.
وركزت الفكرة الأساسية للمعرض على تقديم الحرف التراثية واليدوية للجمهور ليس كمنتجات تجارية فحسب، بل كقطع فنية تنبض بالتاريخ والقصص. وتنوعت الحرف المشاركة لتشمل منتجات من السجاد اليدوي، والحقائب المصنوعة يدويًا من خيوط مختلفة، والكتان المطبوع عليه رسومات وأشكال مستوحاة من الفن المصري القديم، بالإضافة إلى مشغولات المكرمية والخرز. وعن الاسم فقد جاء اختياره انطلاقًا من المعنى اللغوي للكلمة في المعاجم العربية وهو الشيء الدائم والمستمر الذي لا نهاية له، ليكون التعبير الأكثر دقة وعمقاً عن تراثنا وحضارتنا المصرية التي ستظل باقية وممتدة.
-
كيف حاولتم تقديم الحرف بشكل مختلف عن المعارض الأخرى؟
التميز والاختلاف عن المعارض النمطية برز في دمج البُعد التثقيفي بأسلوب محترف؛ حيث قمنا بإعداد وتصميم بطاقات تعريفية مصاحبة لمعروضات كل حرفة من الحرف الخمس المشاركة، وقُدمت باللغتين العربية والإنجليزية، لتضم نبذة مختصرة وموثقة تشرح تاريخ الحرفة وجذورها، مع تقديم أمثلة حية لوجودها في مصر القديمة وتطورها وصولاً إلى شكلها الحالي؛ مما أتاح للزائر والمقتني سواء المصري أو الأجنبي أن يربط بين القطعة الفنية التي يراها أمامه وبين إرثها الحضاري الممتد عبر آلاف السنين.
-
بعد هذا المشروع.. ما القضايا التي ترونها تستحق مزيدًا من الاهتمام والعمل؟
سواء على صعيد الكتابة والبحث أو من خلال “نبض الحضارة”، أركز حاليًا حول الغوص بشكل أعمق وأكثر تخصصًا في حماية وصون التراث الثقافي اللامادي، من خلال التركيز على الجوانب غير الملموسة في التاريخ المصري؛ فهو ليس مجرد جدران صامتة أو آثار معمارية جامدة، بل روح كامنة في العادات والتقاليد، والمعارف والمهارات الحرفية الممتدة.
وفي هذا الإطار، وتطبيقاً لهذا التوجه على أرض الواقع، فإن خطوتنا المقبلة والملموسة في المبادرة ستشهد إطلاق سلسلة من ورش العمل التفاعلية المخصصة لتعليم الحرف التراثية والتقليدية، والتي نستهدف من خلالها بشكل أساسي تشجيع الأطفال والشباب على حد سواء لخوض هذه التجربة اليدوية بأنفسهم؛ وذلك بهدف غرس بذور الشغف في قلوب الجيل الناشئ منذ الصغر، ونقل أسرار هذه الصنعة للأجيال الشابة لضمان استدامتها وحمايتها من الاندثار. سيتوازى هذا الحراك الميداني مع مشروع كتابي جديد يسلط الضوء على هذا الكنز الإنساني ويوثق عمق الجينات الثقافية المصرية، لتظل مبادرتنا جسرًا حيًا يربط أبناء هذا العصر بجذورهم وصناع حلمهم القدامى.
اقرأ أيضًا: د. «يسرية حسني»: أخاف على التراث من الجهل وتحوله لذكريات



