حلم ملامسة ستار الكعبة بالعيون.. رحلة في خبيئة «طه شحاتة» بين جداريات الحج
حين وُلدت بورسعيد، قبل ما يقرب من مئة وسبعين عامًا، مع شق وحفر قناة السويس عام 1859، والتقاء البحرين الأحمر والأبيض عام 1869، بعد عشر سنوات من عذابات الحلم والحفر، انقسمت المدينة إلى روحين في جسد واحد.
في الجهة الأولى كان حي الإفرنج، بواجهاته القادمة من أوروبا، وشرفاته الهادئة، وأناقة الغرباء الذين عبروا البحر واستقروا على ضفته. وفي الجهة الأخرى، كانت الأحياء التي صنعت المدينة بعرقها: حي العرب، ومن بعده حي المناخ، وفي الجنوب منطقة القابوطي، القابعة وحدها في عزلتها وسحرها. وهي أحياء ومناطق الفقراء الذين جاءوا من الدلتا والصعيد، وحفروا القناة، ثم حملوا الفحم إلى السفن، وبعدها امتهنوا مهن البحر المختلفة كما يمتهن الأبناء مهن الآباء.
الحج في وجدان المدينة الشعبية
هناك، في تلك الأزقة التي تفوح منها رائحة ملح البحر وأسماكه المتنوعة والفقر جنبًا إلى جنب، لم يكن الحج مجرد رحلة دينية، بل كان الحلم الأكبر للروح الشعبية المصرية. كان الفقير الذي لا يملك من الدنيا سوى قوت يومه يحلم بأن يلمس الكعبة بعينيه، وأن يعود من الحجاز محملًا بالنور والبركة.
ولهذا امتلأت الحوائط برسوم الحج على بيوت الفقراء، التي كانت في معظمها مجرد أكواخ وعشش، وتعاقب عليها رسامون كثيرون، لكن المدينة ظلت تنتظر فنانها الأشهر والأوسع أثرًا والأكثر التصاقًا بوجدانها، حتى خرج من قلب المناخ، في بدايات القرن العشرين، رجل اسمه طه شحاتة.
ولم يكن اسمه عاديًا، مثل آلاف الأسماء المدونة في دفاتر السجل المدني، أو مجلس البلدية كما كان يُطلق عليه حينها. كان اسمه يشبه توقيعه السحري الذي تركه لنا خالدًا في سماء المدينة. حتى الآن، وبعد أكثر من أربعين عامًا على رحيله عام 1982، ما زال أبناء بورسعيد يتحدثون عنه كما لو أنه غادر بالأمس. ليس لأن رسوماته بقيت كاملة، بل لأن ظله ما زال عالقًا في الذاكرة البصرية للمدينة.
كل من عاش في الأحياء الشعبية القديمة يتذكر حصانه العربي، ونخيله، وكفه المفتوحة للحسد، والعين التي يخترقها السهم، وألوانه التي كانت تبدو وكأنها خارجة لتوها من فرح شعبي حميم.

حين تتحول الرسوم إلى حكايات شعبية
لكن عالم طه شحاتة كله كان يبلغ ذروته ووهجه في جدارية الحج، وهناك كان الفنان التلقائي يتحول إلى راوٍ شعبي كبير. يرسم رحلة الإنسان الفقير إلى الله، لا بوصفها طقسًا دينيًا فقط، بل باعتبارها انتصارًا أخيرًا للروح على قسوة الحياة.
كانت الجدارية تبدأ غالبًا بالجمل أو السفينة، ثم الكعبة والهلال، واسم الحاج بخط يبدو وكأنه بين الرسم والإنشاد، ثم زخارف لا تعرف هل جاءت من ذاكرة البحر أم من الحلم ذاته. وفي القلب دائمًا كانت هناك روح مصر الشعبية بكل براءتها: الكبش، والكف، والنخلة، والحمامة، والرايات الملونة، وكلمات التبريك التي تتحول في يد طه شحاتة إلى ما يشبه التعاويذ المضيئة. والغريب أن الرجل الذي منح الخط العربي كل هذه الحياة كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب.
اقرأ أيضًا: “رسومات الحج” بأيدٍ مسيحية
فنان أمي
بدأت رحلتي في البحث عن الفنان طه شحاتة وعوالمه ورسوماته بالعثور على حفيده أحمد شحاتة، الذي ورث المهنة عن أبيه، ثم تركها لاحقًا تحت ضغط تغير الزمن وتبدل الذائقة.
كان قد تعلم أسرار الخط والرسم داخل البيت نفسه، قبل أن يلجأ لفترة إلى إنشاء مكتب للدعاية والإعلان متأثرًا بتطور العصر، ثم يترك ذلك كله ويعمل الآن في أعمال حرة، بينما ظل يحمل داخله بقايا العالم القديم بكل سحره وألوانه.
ومن خلال أحمد، بدأت تتكشف لي سيرة العائلة نفسها، فقد رزق طه شحاتة بثمانية أبناء، لم يكن بينهم من الذكور سوى محمد وعلي، فوهبهما أسرار المهنة كلها، لا باعتبارها فنًا فقط، بل باعتبارها وسيلة للحياة وعطية للرزق. علمهما تخطيط الخط العربي، ورسم الجداريات، وخفايا الألوان، وترك لهما توقيعه السحري الذي ظل علامة يعرفها أهل بورسعيد جميعًا.
كان الابن محمد طه شحاتة، الذي يبلغ من العمر الآن سبعة وسبعين عامًا، الأقرب إلى أبيه والأكثر التصاقًا بعالمه. تعلم على يديه الرسم والخط، وما زال يحتفظ حتى اليوم بتوقيع والده على أعماله الأخيرة. وفي سنوات المرض، حين أصيب طه شحاتة بالشلل الرعاش، صار محمد يده الأخرى التي تكمل ما بدأه الأب، وظله الذي يتحرك معه في الأسواق والأحياء الشعبية وعند جدران العائدين من الحج.
أما شقيقه علي، فقد رحل مبكرًا، ولم يبق سوى محمد حاملًا لتراث أبيه وحافظًا لدقائق المهنة وأسرارها.

على جدران المدينة
عاش الفنان معظم عمره في منطقة الحرية التي اختفت منذ عام 2006، وكأنها حلم قديم غامت ملامحه، لكن آثار الرجل ظلت موزعة على جدران المدينة وعرباتها ومراكبها. لم تكن هناك عربة جيلاتي، أو عربة فاكهة، أو مركب صيد إلا وتحمل شيئًا من لمساته، ومع ذلك ظل فن الحج هو تاج عالمه كله، لأنه الفن الذي خرج من قلب الناس وإيمانهم وخوفهم ورجائهم.
وحين بدأت رحلة البحث عن طه شحاتة، اكتشفت أن المدينة نفسها صارت أرشيفًا متهرئًا له. جدار قديم هنا، وعربة خشبية مهترئة هناك، وبقايا لون فوق مركب صيد مهجور. كأن الزمن محا الجسد وأبقى الروح.
اقرأ أيضًا: كتاب اليوم| “رسومات الحج”.. توثيق للفن الفِطري على بيوت الحجاج
شهادات عن قرب
الشاعر محمد النادي، وهو من أبرز شعراء المدينة ومثقفيها، وكان يسكن قريبًا من الفنان في منطقة الحرية، وصفه لي بصورة لا تُنسى. قال إنه كان يشبه ألفريد هيتشكوك في ملامحه، قصيرًا وممتلئًا قليلًا، يضع “بالمة” على رأسه، أو يشكل المنديل بطريقة تمنحه هيئة أوروبية غريبة.
وكان إذا انشغل بالرسم دخل في حالة تشبه الغياب الكامل عن العالم، يجلس بالساعات أمام عربة أو مركب، لا يسمع أحدًا ولا يلتفت إلى شيء، كأن الخطوط وحدها هي الحقيقة الوحيدة التي يراها.
ومن تلاميذه الخطاط حسن تامر، الذي عاش في الحي نفسه، وجلس إلى الفنان في سنواته الأخيرة طلبًا للنصيحة والمعرفة. يقول حسن إن طه شحاتة، رغم أميته، أتقن خطوطًا شديدة الصعوبة مثل الفارسي والديواني والرقعة، وكان يمتلك حسًا نادرًا في “الفري هاند”.
وأضاف أن كبار خطاطي مصر حزنوا عليه حزنًا حقيقيًا عند وفاته عام 1982، وحضروا جميعًا تأبينه تكريمًا له باعتباره حالة فنية لا تتكرر. ولفت فن طه شحاتة أيضًا نظر الفنان الكبير حسين بيكار، الذي كتب عنه في زاويته الشهيرة “ألوان وظلال” بجريدة الأخبار، كما صار اسمه حاضرًا في معظم الدراسات الخاصة بالفنون الشعبية المصرية، باعتباره نموذجًا استثنائيًا للفنان الشعبي التلقائي.

سيرة شعب
لكن كل ذلك يبقى مجرد ظلال حول الحقيقة الأهم: أن طه شحاتة لم يكن يرسم جدارية الحج بوصفها مهنة، بل كان يرسمها باعتبارها سيرة شعب كامل. سيرة الفقراء الذين كانوا يضعون أحلامهم على الحائط كي لا تضيع. وكان هو، بيده المرتعشة في آخر العمر، بعد أن أصيب بالشلل الرعاش، يحاول أن يمنح تلك الأحلام شكلًا يبقى، ولو لبعض الوقت، قبل أن يبتلعه غبار الزمن.
اقرأ أيضًا: «الجمل والسفينة»: مظاهر احتفالية بعودة الحجاج تقاوم الزمن



