دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

بين الأبناء والأحفاد.. الحاجة «محاسن» تحرس مهنة صناعة الجريد من الاندثار

أمام منزلها الذي بنته بصبر السنين، يحيط بها أبناؤها الخمسة وأحفادها، تنظر إليهم بسعادة ورضا بعدما علمتهم مهنة الأجداد. ثم تمسك بأداة حديدية تُسمى «الهلال»، تقطع بها الجريد إلى أجزاء صغيرة تُستخدم في صناعة الأقفاص. ورغم ما تعانيه من آلام في قدميها، فإنها تصر على مواصلة العمل، إنها الحاجة «محاسن شاكر»، البالغة من العمر 76 عامًا، والتي ما زالت تمارس مهنة صناعة الجريد التي ورثتها عن والدها.

«المهنة دي في دمي»

“المهنة دي في دمي، اتعلمتها من والدي اللي اتعلمها من جده”، هكذا بدأت الحاجة محاسن حديثها وهي تقطع الجريد. وأضافت: “بدأت العمل وأنا في الرابعة عشرة من عمري، أي أنني أعمل في هذه المهنة منذ 62 عامًا. ورغم ما أعانيه من آلام في القدمين، فإنني لا أستطيع التوقف عنها، فهي التي ربتني وربت أبنائي، ومنها عمرنا بيوتنا، ولم تجعلنا نمد أيدينا لأحد”.

وتابعت: “حاول أبنائي الخمسة إقناعي بالتوقف عن العمل بسبب كبر سني، لكنني رفضت الجلوس بلا عمل، فهو الموت بالنسبة لي”.

في قرية أرمنت الحيط جنوب غرب الأقصر، تتوارث عائلة يوسف حسن مهنة صناعة جريد النخيل منذ عشرات السنين. ورغم التقدم والحداثة، ما زالت العائلة تحافظ على هذه الحرفة التراثية العريقة التي تمثل امتدادًا لإرث عائلي وهوية خاصة بها، بعدما هجرها أغلب العاملين فيها.

وتُعد هذه المهنة، التي تعتمد على المهارة والدقة، جزءًا من ذاكرة العائلة التي تقودها السيدة السبعينية، والتي لم تفكر يومًا في هجر مهنة الأجداد منذ أن بدأت العمل فيها.

اقرأ أيضا: «وفاء الشقيري» الفائزة بجائزة داود عبد السيد: «عاوزة صوتي يوصل للناس»

«سراير الجريد»

تتابع شاكر: “أصنع الآن سنبلًا لأقفاص الجوافة، فالطلب الأكبر هنا يتركز على أقفاص الفاكهة مثل الجوافة والمانجو، كما نُجهز طلبات الأسرة للنوم و”الكفايات” التي تُستخدم لحفظ الطيور. فالكفاية تحتاج لنصف يوم عمل، من الصباح حتى الظهر، بينما تحتاج الكفايتان إلى يوم كامل”.

وتكمل: “أما فردتا السرير فتحتاجان إلى يوم كامل من العمل”، مشيرة إلى وجود إقبال على شراء “سراير الجريد” لأنها أفضل من الأسرة الخشبية للنوم في الهواء الطلق، وكذلك الحال بالنسبة للمقاعد والمناضد.

وأضافت: “نعمل حسب حجم الطلبات، ونبدأ العمل من الرابعة فجرًا حتى  الثامنة صباحًا، ثم نأخذ قسطًا من الراحة ونستأنف العمل من الثانية عشرة ظهرًا حتى أذان المغرب”.

وتردف قائلة: “زمان اختلف عن دلوقتي، زمان كان اللي بشتغلوا في المهنة دي كتير لكن مع الوقت وانتشار الأقفاص البلاستيكية وغيرها من المنتجات، ومع ارتفاع معدل المعيشة، وانصراف الناس عن استخدام منتجات الجريد، أدى ذلك إلى تقليل الطلب عليها وهجرها معظم العاملين فيها. وبعد فترة من الوقت بدأت العودة تدريجيا لها، خصوصًا في الأقفاص، لأن البلاستيكية لم تتحمل العمل كثيرًا فاضطر التجار إلى العودة لها مرة أخرى”.

مناسبة لتجار الخضر والفاكهة 

يقول عبيد يوسف حسن، أحد أبناء الحاجة محاسن، إنه يعمل في هذه المهنة منذ 15 عامًا، مشيرًا إلى أنها أوشكت بالفعل على الاندثار، لكنها شهدت في الفترة الأخيرة انتعاشة نسبية مع ارتفاع أسعار الأخشاب، خاصة في القرى التي ما زالت تعتمد على الأسرة والأقفاص المصنوعة من الجريد.

وأكد أن تجار الخضر والفاكهة يفضلون أقفاص الجريد لأنها عملية وأكثر تحملًا، وتعيش وقتًا أطول من نظيرتها البلاستيكية، كما أنها سهلة الإصلاح، بعكس الأقفاص البلاستيكية التي تصبح عديمة الفائدة بمجرد تعرضها للكسر.

وأضاف أن أقفاص الجريد تحافظ على جودة الخضر والفاكهة لأنها مصنوعة من مواد طبيعية تسمح بمرور الهواء، على عكس البلاستيك الذي يحبس الحرارة والرطوبة، فضلًا عن أن الجريد مادة طبيعية سهلة التحلل، بخلاف المنتجات البلاستيكية التي تضر بالبيئة.

اقرأ أيضا: «معبد المدامود».. أطلال أثرية تقاوم الإهمال والمياه الجوفية شرق الأقصر

 تغيير ثقافة الأجيال الجديدة

يقول كرم يوسف حسن محمد، أحد أبناء الحاجة محاسن، إنه يعمل في هذه المهنة منذ حوالي 10 إلى 15 عامًا. وقد ورثها عن والديه، لافتًا إلى أنه لم يعد يعمل بها في أرمنت سوى أسرته وأسرة أخرى فقط، بعدما كان عدد كبير من الأهالي يمارسونها، وأصبحت الآن مقتصرة على القرى دون المدن.

ويضيف: “نجلب الجريد من قامولا غرب الأقصر، ويبلغ سعر الجريدة الواحدة  ثلاثة جنيهات، والطلب يكون بالألف جريدة، أي بنحو ثلاثة آلاف جنيه. ونحصل عليه جاهزًا للاستخدام مباشرة”. وأشار إلى أن استمرار هذه المهنة يعتمد على تغيير ثقافة الأجيال الجديدة، وتشجيعها على العودة إلى المنتجات الطبيعية والحفاظ على الموروثات الحرفية التقليدية”.

مراحل الإنتاج

يشير كرم إلى أن صناعة منتجات جريد النخيل تمر بعدة مراحل، تبدأ باختيار الجريد المناسب من حيث الطول والسمك، ثم تجفيفه في الشمس ليصبح أكثر صلابة دون أن يفقد مرونته اللازمة للتشكيل.

بعد ذلك يُقطع باستخدام أداة تُسمى “الهلال” إلى شرائح بأحجام مختلفة وفق الغرض من الاستخدام، ثم تبدأ مرحلة التشكيل والربط اليدوي، التي تعتمد بدرجة كبيرة على مهارة وخبرة الحرفي في تثبيت وترتيب النسج، سواء لصناعة الأقفاص أو الأسرة أو الكفايات. ويؤكد أن هذه المراحل قد تبدو سهلة، لكنها تحتاج إلى خبرة وصبر، إذ إن خطأ بسيطًا قد يتسبب في إفساد العمل بالكامل.

اقرأ أيضًا:حارس الذاكرة المنسية.. حكاية «رجب شيمي» آخر سكان قرنة مرعي القديمة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.