رمضان في قرى نجع حمادي.. الأطفال يستقبلونه بالزينة الورق والكبار بـ”التسويقة”

شكلت مظاهر الاحتفال بقدوم شهر رمضان المعظم، علي مر الأزمان والعصور، فنا ثقافيا وتراثا خالدا، أبدع فيه المصريون، بألوان متعددة من الفنون الشعبية العريقة، التي غيب جزء كبير منها، بفعل الزمن، والتقدم الصناعي والتكنولوجي الكبير، وان كان جزء أصيل منها لايزال شامخا حتي يومنا هذا.

تختلف المدينة التي تتأثر بكل مستحدث وجديد، عن القرية والنجع، في مظاهر الاحتفال بحلول شهر رمضان المعظم، والتي عادة ماتعبر عن احتفالاتها به باستخدام “عقود الزينة المضيئة” و “الفوانيس”، التي تصدر أغان تراثية ترتبط ارتباطا وثيقا بالمصريين وعاداتهم، فضلا عن انتشار الأسواق التجارية، والشوادر التي تعد خصيصا لبيع السلع الرمضانية للجمهور، مع إعداد الساحات والمضايف وموائد الرحمن لاستقبال الصائمين.

إلا أن مظاهر الاحتفال بقدوم الشهر الكريم، بالقرى والنجوع، يأخذ طابعا فريدًا من نوعه، ويحدث زخمًا خاصًا بتراث القرية وموروثها الثقافي الرائع، بداية من آخر جمعة في شهر شعبان، وحتى اللحظات الأخيرة في الشهر الكريم.

الزينة الورقية

يقول أحمد الراوي، الموجه بالتربية والتعليم، إن الاحتفال بشهر رمضان المعظم، يبدأ من الجمعة الأخيرة من شهر شعبان، فيبدأ أطفال القرية وشبابها، تعليق الزينة الرمضانية، التي تصنع باستخدام الأوراق، التي تقطع بأشكال فنية تأخذ شكل الهلال تارة، وشكل الأعلام تارة اخري، بالإضافة إلى العديد من الأشكال التراثية ذات الطابع القروي، وتثبيتها بعجينة الدقيق، إلى خيط رفيع من الصوف أو البلاستيك.

يضيف الراوي أن استخدام “الكرتون” في صناعة الفانوس الشعبي، وماكيت المساجد، ذات المآذن الورقية، هو حرفة قروية يتقنها بعض الشباب المتخصص، لإدخال البهجة والسرور على نفوس الأطفال، إضافة إلى عقود الزينة المضيئة، التي تزين واجهات المنازل وشرفاتها في كل شوارع القرية.

التسويقه والتسهيرة

ويقول حسن عبدالمقصود، موظف بالمعاش، إن مظاهر الاحتفال بالشهر الفضيل، تبدأ من تقديم الأسرة “التسويقة” لأبنائها وبناتها المتزوجين، وكذلك الأخوة لأخواتهم، وهي عادة شعبية متوارثه، يقدم من خلالها اللحوم والخضراوات والفواكه وياميش رمضان، وتكون قبيل دخول الشهر الفضيل بساعات قليلة.

ويلفت عبد المقصود، إلى أن تجهيز المضايف والساحات، وإعادة إحلال وتجديد فرشها وأساسها وإضاءتها، أحد أهم مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، لاستقبال الوافدين طوال الشهر، في سهرات رمضانية يحيها الصائمون على موائد الإفطار الجماعي، والاستماع إلى آيات الذكر الحكيم، وتدارس قضايا العائلة والقبيلة، وجمع الشمل، وفض النزاعات، وإنهاء الخصومات.

أفران الكنافة البلدي

ويذكر محمد عبدالله، مدرس، أن الاحتفال بالشهر الكريم في القرية، يبدأ قبيل حلوله بأيام، ببناء أفران الكنافة الشعبية، والتي يعمل بها  شباب لهم صناعات ومهن مختلفة، إلا إنهم اعتادوا تقديم الكنافة البلدي للجمهور بأسعار مخفضة، يقبل عليها الجميع، وتلقي قبولا واسعا من كبار السن، لاسيما أنها تصنع بطريقة يدوية كاملة.

ويوضح عبدالله أن بناء أفران الكنافة يكون بالطوب اللبن، واستخدام صواني نحاسية، وكذلك اكواب مثقوبة من الأسفل بأكثر من ثقب منتظم، وتطلى باللون الأبيض، مع وضع الرسومات الشعبية عليها، ويبدأ رش الكنافه بطريقة عنكبوتية تشبه الشبكه المتداخلة، حتى تنضج على النار، وتباع للصائمين.

روح التسامح

بينما يقول مجدي فهيم، موظف، إن أهم ما يميز القرية في احتفالاتها بقدوم الشهر الكريم، هو إقبال قاطنيها علي بعضهم بعضًا، ونبذ العنف، والتعصب، وإعلاء روح التسامح، والمحبة، حتى أنك تجد أقباط القرية هم أول المهنئيين بحلول الشهر الكريم، وإقامة موائد الإفطار للصائمين، فضلا عن مشاركتهم السهرات الرمضانية.

ويعرب فهيم عن سعادته البالغة بروح المحبة والوحدة الوطنية، التي تعم أركان القرية، مع حلول شهر رمضان، وتبادل الجيران أطباق الحلوى والعصائر والخشاف، دون تفرقة بينهم.

“البازوكة” مدفع رمضان

ويقول الطفل أحمد سيد، بالمرحلة الابتدائية، إنه ينتظر قدوم شهر رمضان لتجهيز مدفعة ” البازوكة” لاستخدامة عند آذان المغرب، وهو يصنع من المواسير البلاستيكية، المثبتة بفوارغ المبيدات الحشرية، ويطلق باستخدام “البارود الصخري”، وكذلك النوع القديم من مدفع رمضان المصنوع من الحديد والذي يعبأ برؤوس أعواد الثقاب، ويطلق مع رفع أذان المغرب.

وعقب الانتهاء من أداء صلاة التراويح، يتجمع شباب وشيوخ القرية وأطفالها في مضايفهم وشوارعهم للاحتفاء بالشهر الكريم، حتى حلول وقت السحور، للاستمتاع بصوت المسحراتي، الذي يشدوا بعبارات السحور، وخلالها ينادي على عدد من أسماء أبناء القرية، يوما بعد يوم، ما يدخل البهجة والسرور في قلوبهم.

احتفالات رمضان قديمًا

عاطف قناوي، مسؤول الوعي الأثري بمنطقة آثار نجع حمادي للآثار الإسلامية والقبطية، يقول إن الصبية والأولاد يخرجون ليلة الرؤية بصفائح وعصا يضربون عليها مرددين يا رمضان بكرة صيام، وهذه عادة متوارثة منذ خروج قاضي القضاة في العصر الإسلامي لرؤية الهلال وإعلان قدوم رمضان .

ويضيف قناوي أن قصة استعمال الفوانيس بكثرة في رمضان هي قصة طويلة تعاد فصولها في كل رمضان ضرورة، فقد كان المصريون قديمًا يستعملون الفوانيس “الشمعية”، التي تستعمل الشمع كأداة للإضاءة، مشيرًا إلى أن للأطفال في الشهر الفضيل حكاية ظريفة وجميلة، فهؤلاء يخرجون ليلة رؤية هلال رمضان إلى الطرقات سواء مع أقرانهم من الأطفال، أو إلى جانب أفراد عائلتهم، مرتدين أحلى ما عندهم من ثياب، وحاملين الأعلام والفوانيس الرمضانية، يغنون الأناشيد والأهازيج الخاصة بهذا الشهر الكريم في فرحة جماعية عارمة.

ويتابع مسؤول الوعي الأثري أن المسحراتي صاحب الدور الرائد في تنبية الناس إلى دخول وقت السحور، ويستخدم الطبلة والعصا، في وقتنا المعاصر، أما قديمًا فكان يستخدم “النقرزان” وهو نوع من آلات الإيقاع في الموسيقى، عبارة عن طبلة ذات وجه واحد، توضع على الأرض أو تعلق على صدر الضارب عليها، وينقر عليها بمضربين، وأكثر استعماله في لعبة المزمار الحجازية وكذلك في طرق الأذكار الصوفية في مصر، وللسحور فى رمضان.

وقد وضع النقرزان أو النحاسات أعلى مئذنة الجامع أو أعلى سطح مجاور له حتى يسمع صوته، ومن خلاله كان يعلن عن موعد الإفطار والسحور في شهر رمضان المبارك، وباستخدامه يقوم المسحراتي بإنشاد السحريات والفجريات والقصائد والمواعظ وذكر فضل الأعمال الصالحة والصلاة والزكاة.

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى