مهنة الصيد في البحر الأحمر.. أزمات متشابكة بين الحظر والسوق السوداء
تمثل حرفة الصيد شريان حياة لآلاف الأسر في محافظة البحر الأحمر، حيث يعمل بها أكثر من 40 ألف مواطن توارثوا المهنة جيلًا بعد جيل. ورغم ما يتمتع به البحر من تنوع بيئي وثروة سمكية كبيرة، فإن قرارات حظر الصيد في عدد من المناطق تسببت في معاناة واسعة للصيادين، بعد توقف كثير منهم عن العمل لمدد تصل إلى ثلاثة أشهر، في ظل اعتمادهم على الصيد كمصدر رزق أساسي، إلى جانب تحديات أخرى.
مراكز الإنزال الرئيسية
تتركز عمليات الصيد في قطاع خليج السويس وجنوب البحر الأحمر، بينما يظل خليج العقبة بعيدًا عن الاستغلال كمصيدة رئيسية رغم ما يحمله من مقومات بحرية واعدة.
وفي دراسة للدكتور سامي محمود أو العينين بعنوان: “المصيد السمكي واقتصادياته بمناطق جنوب البحر الأحمر لجمهورية مصر العربية”، يوضح أن مناطق الصيد ومراكز الإنزال الرئيسية تشمل: (الأتكة، والغردقة، وسفاجا، والقصير، وبرنيس، وأبو رماد، وشلاتين)، إلى جانب مناطق إنزال صغيرة مثل: (القلعان وشرم اللولي)، وتعتمد أغلب عمليات الصيد في تلك المناطق على حرف الجر والشانشولا والسنار، خاصة في منطقة خليج العقبة، التي تعد واحدة من أكثر مناطق الصيد نشاطًا في جنوب البحر الأحمر.
اقرأ أيضا: حراس الشواطئ الصامتون.. كيف تحمي أشجار المانجروف سواحل البحر الأحمر وتدعم الحياة؟
قرار إغلاق البحر
أعلن جهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية، في أول شهر مايو الجاري، تطبيق قرار حظر الصيد في مناطق واسعة من المياه المصرية شملت خليجي السويس والعقبة وسواحل البحر الأحمر ومدينة الغردقة، وذلك في محاولة لحماية الثروة السمكية ومنح الكائنات البحرية فرصة آمنة للتكاثر واستعادة التوازن البيئي.
وجاء القرار وسط مطالب من آلاف الصيادين بالسماح باستمرار الصيد بحرفة السنار وتأجيل تطبيق الحظر لمدة 14 يومًا للحاق بموسم “فرشة الشعور”، الذي يعد أحد أهم المواسم البحرية للصيادين.
وحدد القرار فترات زمنية متفاوتة لوقف الصيد وفقًا لنوع الحرفة والمنطقة الجغرافية، حيث تقرر وقف حرفة الجر بداية من 1 مايو وحتى 1 سبتمبر، لما تسببه من أضرار لقاع البحر والشعاب المرجانية والكائنات البحرية، بينما يستمر حظر الشانشولا حتى 30 سبتمبر، نظرًا لاعتمادها على صيد الأسماك الصغيرة.
كما شمل القرار وقف الصيد بحرفة السنار من 15 مايو وحتى 1 سبتمبر، بهدف إتاحة الفرصة لنمو الأسماك وزيادة أحجامها قبل عودتها إلى شباك الصيادين من جديد.

جمعية الصيادين
يقول أحمد عيد حسين، عضو مجلس إدارة جمعية الصيادين بمدينة سفاجا لـ«باب مصر»: “قرار حظر الصيد بدأ تطبيقه عام 2004، ورغم مطالبات الصيادين المتكررة بإلغائه أو إعادة النظر فيه، فإنه مازال مستمرًا في مصر منذ أكثر من 22 عامًا”.
وأضاف أن قرار وقف إصدار تراخيص مراكب الصيد، الصادر عام 2006، تسبب في تنشيط سوق سوداء للتراخيص، وفتح الباب أمام أزمات متراكمة دفعت عددًا كبيرًا من الصيادين إلى ترك المهنة والاتجاه للعمل في قطاع السياحة، كونه الخيار الوحيد المتاح أمامهم في ظل ارتباط حياتهم بشكل شبه كامل بالبحر وعدم امتلاكهم خبرات مهنية أخرى.
وعن دور الجمعية في التعامل مع هذا القرار، أوضح أن دورها يقتصر على الجوانب الخدمية البسيطة، مثل حل المشكلات اليومية وتجميع الكشوف الخاصة بتعويضات موسم وقف الصيد، دون امتلاك صلاحيات حقيقية للإشراف على المهنة أو تدريب الصيادين أو متابعة إجراءات السلامة المهنية.
وأشار إلى أن صندوق الجمعية يعتمد على الجهود الذاتية والأهلية فقط، في وقت يحتاج فيه قطاع الصيد إلى دعم رسمي حقيقي لإنقاذ مهنة عريقة تواجه تحديات متزايدة، مع ارتفاع رسوم التراخيص وتعدد الجهات المعنية وصدور قرارات تمس حياة الصيادين دون تنسيق كافٍ بين الجهات المسؤولة.
الصياد البسيط يدفع الثمن
يقول عبد الرحمن محمد، أحد أعضاء جمعية الصيادين بمدينة القصير: “أثار قرار حظر الصيد حالة من الغضب بين الصيادين الذين طالبوا مجلس الوزراء المصري بالتدخل وإعادة النظر في القرار، الذي يضر بآلاف الصيادين الذين يعتمدون بشكل كامل على حرفة السنار كمصدر رزق وحيد”. مشيرًا إلى أن فترة الحظر تمثل بداية موسم هجرة أسماك الشعور من الجنوب إلى الشمال، وهو الموسم الذي ينتظره الصيادون كل عام.
وأضاف أن المستفيد الأكبر من القرار قد يكون كبار تجار الأسماك وأصحاب سفن الصيد الكبرى العاملة خارج المياه الإقليمية أو المستوردين، بينما يتحمل الصياد البسيط والمواطن العبء الأكبر، خاصة مع تزايد اعتماد الأسر على الأسماك كبديل أقل تكلفة بعد الارتفاع المستمر في أسعار اللحوم والدواجن، وهو ما ينذر بموجة جديدة من ارتفاع أسعار الأسماك في الأسواق.
اقرأ أيضا: «هذا ليس تعاملًا سليمًا.. هذا تحرش».. حملة لحماية الدلافين في البحر الأحمر

قسوة البحر وضيق المعيشة
يقول الحاج أحمد جاد الموالي، أحد كبار الصيادين بمدينة سفاجا: “مئات الأسر لا تملك مصدر رزق سوى الصيد وركوب البحر بحثًا عن حياة كريمة”، مؤكدًا أن تعويضات وقف الصيد لا تتجاوز 500 جنيه شهريًا بإجمالي 1500 جنيه طوال ثلاثة أشهر، وهي مبالغ لا تكفي احتياجات أسرة لمدة أسبوع واحد في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
وأوضح أن الجهات التي أصدرت قرارات وقف الصيد لم تعتمد على خبرات الصيادين ومعرفتهم بطبيعة البحر وحركة الأسماك، مشيرًا إلى أن معظم الأنواع التي يمنع صيدها خلال تلك الفترة تعد أسماكًا مهاجرة لا تستقر بشكل دائم في مياه البحر الأحمر، ومن بينها السيجان والعنبرة والشعور والناجل والطرواد والحريد والببغاء والهامور.
وأضاف أن هذه الأسماك تبدأ رحلتها من الجنوب الغربي للبحر الأحمر قادمة من سواحل جيبوتي مرورًا بمضيق باب المندب وحتى خليج العقبة، ثم تعود مرة أخرى عبر الجانب الغربي من سواحل السعودية واليمن، بينما تُعد أسماك الشعور الحالة الوحيدة التي تسلك مسارًا عكسيًا خلال رحلة هجرتها.
وأشار إلى أن هناك أنواعًا مستقرة بشكل دائم في البحر الأحمر، تعرف بين الصيادين باسم “الأسماك الساكنة”، من بينها الصجان والمرجان والدرك وبعض أنواع الحريد والبوري خلال فصل الشتاء، حيث تظل هذه الأنواع جزءًا ثابتًا من البيئة البحرية التي عاش معها الصيادون لعقود طويلة.
خلافات الصيادين
يقول محمد أبو بكر، أحد صيادي مدينة سفاجا: “هناك فجوة بين الصيادين أبناء البحر الأحمر والصيادين القادمين من مناطق مثل الفيوم والمطرية، بسبب اختلاف أساليب الصيد وعدم الالتزام بطبيعة البيئة البحرية”.
وأوضح أن الصيادين الوافدين يستخدمون شباكًا مخالفة وسنارات بأعداد كبيرة، ما يؤدي إلى الصيد الجائر والإضرار بالشعاب المرجانية وصيد الأسماك الصغيرة دون مراعاة للتوازن البيئي، مؤكدًا أن الفارق الحقيقي يعود إلى الخبرة بين من نشأوا على البحر وعرفوا أسراره، وبين آخرين يتعاملون مع الصيد باعتباره وسيلة سريعة للكسب فقط.
وأضاف أن صيادي البحر الأحمر يحرصون على انتظار خروج الأسماك من بين الشعاب والصخور قبل إلقاء الشباك، كما يستخدمون شباكًا بأطوال وتصميمات تسمح بعودة الأسماك الصغيرة إلى البحر مرة أخرى، حفاظًا على المخزون السمكي واستمرار المهنة للأجيال القادمة، مؤكدًا أن الصيادين القادمين من مناطق أخرى لا يهتمون بهذه التفاصيل الدقيقة التي تشكل جزءًا أساسيًا من ثقافة الصيد في البحر الأحمر.

تراجع المخزون السمكي
“نحترم البحر كما نحترم بيوتنا، وندرك أن له علينا واجبات كما لنا فيه حق الرزق”، بهذه الكلمات بدأ الحاج أحمد الدويدي، أحد الصيادين القدامى على سواحل البحر الأحمر، حديثه، مؤكدًا رفضه لفكرة أن يكون الصيادون سببًا في انقراض الأسماك أو تراجع أعدادها.
وأوضح أن تراجع المخزون السمكي بدأ يتزايد منذ تطبيق قرارات حظر الصيد، مشيرًا إلى أن خروج مراكب الصيد يوميًا كان يمثل جزءًا من دورة الحياة الطبيعية للأسماك داخل المياه الإقليمية، حيث كانت المراكب، التي قد يصل عددها إلى 50 مركبًا في الجنوب، تلقي يوميًا أكثر من 1000 كيلو من الطعوم والغذاء في البحر، وهو ما كان يجذب الأسماك ويشجعها على البقاء لفترات أطول داخل المياه المصرية بدلًا من الهجرة السريعة بحثًا عن الغذاء.
وأضاف أن غياب المراكب خلال فترات الحظر جعل الأسماك المهاجرة تواصل رحلتها بشكل مباشر فيما يعرف بين الصيادين باسم “المشية”، وهو ما أدى إلى تناقص أعداد الأسماك على سواحل البحر الأحمر عامًا بعد آخر. وأشار إلى أن هناك تصورات غير دقيقة حول أعداد مراكب الصيد وتأثيرها على البيئة البحرية، موضحًا أن وجود 63 مركبًا مرخصًا لا يعني خروجها جميعًا في وقت واحد، فقد تخرج 40 مركبًا فقط، وبعضها يعود محملًا بالرزق.
وأكد أن الصيادين يلتزمون بالمواصفات الفنية المقررة للشباك، حيث يصل حجم العيون إلى 27 مم، بينما لا يزيد طول الشبكة على 120 مترًا وبعمق لا يتجاوز 20 مترًا، في محاولة للحفاظ على التوازن بين الرزق واستمرار الحياة البحرية التي ارتبطت بها حياة أبناء البحر الأحمر منذ عشرات السنين.
ميناء الصيادين الجديد
يقول محمود بسيوني، صياد بمدينة سفاجا: “الميناء الجديد يواجه تحديات تتعلق ببعده عن الكتلة السكنية وغياب وسائل المواصلات المناسبة، خاصة أنه يقع جنوب المدينة داخل منطقة ما زالت تحت الإنشاء، وتقتصر أنشطتها على أعمال صناعة السفن والمراكب”.
وأوضح أن أسطول الصيد في سفاجا يضم نحو 63 فلوكة صيد، إضافة إلى 40 مركب نزهة مرخصة، مشيرًا إلى أن المنطقة المحيطة بالميناء تحتوي على شعاب مرجانية، ما يفرض على الصيادين الابتعاد لمسافات أكبر أثناء رحلات الصيد حفاظا على البيئة البحرية.
وأضاف أن الميناء رغم تجهيزه وفق طراز عالمي، يعد نقلة مهمة لقطاع الصيد، إلا أن بُعد موقعه قد ينعكس سلبًا على حركة بيع الأسماك واستقرار حياة الصيادين، خاصة خلال فترات وقف الصيد الموسمية في المنطقة.
اقرأ أيضًا: «متحف الأحياء المائية».. رحلة بين أعماق البحار وتجارب الطبيعة المتكاملة بالغردقة



