حراس الشواطئ الصامتون.. كيف تحمي أشجار المانجروف سواحل البحر الأحمر وتدعم الحياة؟
قد تمر على أشجار المانجروف المنتشرة على سواحل البحر الأحمر مرورًا عابرًا، دون أن تدرك أنك أمام أحد أهم خطوط الدفاع الطبيعية للنظام البيئي الساحلي. فهذه الأشجار، بجذورها المتشابكة والمتعرجة، لا تمثل مجرد غطاء نباتي، بل تشكل درعًا حيويًا يحمي الشواطئ ويمنح الحياة لعدد هائل من الكائنات البرية والبحرية.
تحت هذه الجذور الكثيفة تنشأ بيئة نابضة بالحياة، تحتضن الكائنات الصغيرة وتوفر لها مأوى آمنًا وفرصًا مثالية للنمو والتكاثر، وفي الوقت ذاته تعمل تلك الجذور كحواجز طبيعية تثبت التربة وتحد من تآكل السواحل، لتصنع بذلك حلقة وصل متكاملة بين اليابسة والمياه.
التوسع السياحي وتأثيره على المانجروف
يقول عادل عبد الله سليمان، خبير الإدارة البيئية والتنوع البيولوجي والرئيس التنفيذي لجمعية “بيئة بلا حدود”، لـ«باب مصر»، إن غابات المانجروف في مصر من النظم البيئية الفريدة التي تنتشر على سواحل البحر الأحمر وخليج العقبة، حيث تلعب دورًا محوريًا في حماية السواحل، وتعزيز التنوع البيولوجي، وامتصاص الكربون، مع تزايد الاهتمام العالمي بالاقتصاد الأزرق.
ويرى عادل أن التوسع السياحي له تأثير واضح على المانجروف، بل يُعد من أبرز الضغوط على بيئته، خاصة في المناطق الساحلية الحساسة، فالتنمية غير المخططة قد تؤدي إلى إزالة أجزاء من الغطاء النباتي أو تغيير طبيعة التربة والمياه. ويؤكد أن التخطيط البيئي السليم وتطبيق معايير الاستدامة يمكن أن يحولا السياحة من تهديد إلى فرصة لحماية هذه النظم البيئية.
اقرأ أيضا: سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟
التعديات وقطع الأشجار
عن التعديات وقطع الأشجار، أوضح عادل عبدالله أن الدراسات الميدانية تشير إلى وجود بعض التعديات المحدودة في مناطق معينة، مثل الرعي الجائر أو استخدام الأخشاب، لكنها ليست واسعة النطاق في مصر مقارنة بدول أخرى.
ويعتقد أن من أخطر التهديدات التي تواجه المانجروف التلوث البحري، خاصة التلوث البلاستيكي والتسربات النفطية، حيث يؤثر ذلك على جودة المياه والتربة ويعيق نمو الشتلات، كما يضر بالكائنات المرتبطة بهذا النظام البيئي. بالإضافة إلى ذلك، تتأثر أشجار المانجروف بشكل مباشر بتغير المناخ، إذ قد يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى غمر بعض المناطق، إلا أن أشجار المانجروف تمتلك قدرة طبيعية على التكيف من خلال تراكم الرواسب، بشرط عدم وجود عوائق بشرية تمنع تمددها الطبيعي.
جهود الحماية وإعادة التأهيل
تبذل الحكومة المصرية، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني مثل جمعية “بيئة بلا حدود” وغيرها من المؤسسات، جهودًا متزايدة لحماية المانجروف، تشمل إعلان مناطق المانجروف محميات طبيعية، وتنفيذ مشروعات لإعادة التأهيل، وإدماجها في خطط التكيف مع تغير المناخ، إلى جانب مشروعات لزراعة أشجار مانجروف جديدة.
ويضيف عادل عبدالله، خبير الإدارة البيئية، أن جمعية “بيئة بلا حدود” تنفذ مشروعًا كبيرًا لزراعة المانجروف في مناطق مثل البحر الأحمر وجنوب سيناء، بهدف تعزيز مخزون الكربون الأزرق وتحسين التنوع البيولوجي.
وأكد أنه يتم رصد حالة المانجروف من خلال برامج مراقبة بيئية تعتمد على المسوحات الميدانية وتقنيات الاستشعار عن بُعد، لضمان التدخل المبكر حال حدوث أي تدهور. كما يلعب المجتمع المحلي دورًا أساسيًا في حماية المانجروف، من خلال المشاركة في حملات الزراعة، والحد من الأنشطة الضارة، ودعم السياحة البيئية، ويُعد إشراكهم عنصرًا حاسمًا في نجاح أي جهود حماية.
اقرأ أيضا: من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر
حملات التوعية البيئية
يطالب عادل عبدالله بتكثيف حملات التوعية، خاصة بين الصيادين والشباب، لتعزيز فهم أهمية المانجروف باعتباره حاجزًا طبيعيًا ومصدر رزق مستدام، حتى يمكن دمجه ضمن برامج السياحة البيئية من خلال إنشاء مسارات خشبية للمشي، وتنظيم رحلات تعليمية، ودعم أنشطة مثل مراقبة الطيور.
كما يؤكد على ضرورة تطبيق قوانين صارمة لحماية السواحل، وتعزيز الشراكات بين الحكومة والمجتمع المدني، واستخدام التكنولوجيا في الرصد، والتوسع في الحلول القائمة على الطبيعة. ويشير إلى أن المانجروف يمكن أن يصبح مصدر دخل عن طريق السياحة البيئية، والصيد المستدام، ومشروعات تربية الأحياء المائية، وبرامج الكربون الأزرق.
التوازن البيئي ودور عوامل البيئة
يقول الدكتور محمد رمضان عبدالله العتماني، مدرس كيمياء البوليمرات بقسم الكيمياء بكلية العلوم جامعة قنا، لـ«باب مصر»: “قبل التطرق إلى التوازن البيئي ودور عوامل البيئة في التأثير على هذا الاتزان، لا بد من إلقاء الضوء على مكونات النظام البيئي بصفة عامة، فأي نظام بيئي يشتمل على مجموعة من الكائنات الحية، وهي خليط من كائنات راقية مثل النباتات والحيوانات، وكائنات دقيقة مثل البكتيريا والفطريات، تعيش في وسط يمثل موطنها، وتعتمد على عناصره الضرورية لاستمرار حياتها وفقًا لقدرتها على الحصول على مقومات البقاء”.
وأضاف: “ينقسم أي نظام بيئي إلى شقين رئيسيين: الأول هو الجزء غير الحي، الذي تمثله عناصر البيئة وأهمها عناصر المناخ وعوامل التربة، والثاني هو الجزء الحي بما يحتويه من كائنات تترتب حسب قيمتها الغذائية فيما يُسمى بالهرم الغذائي”.
ويبين رمضان أن الكائنات الحية تترتب في أي هرم بيئي حسب قدرتها على استخدام عناصر البيئة لإنتاج الطاقة التي يستخدمها العنصر الذي يليه، حيث تحتل النباتات “المنتجون” قاعدة الهرم، تليها آكلات الأعشاب “المستهلكون الأوائل”، ثم آكلات اللحوم “المستهلكون الثانويون”، وفي القمة تأتي المحللات التي تعتمد على فضلات وبقايا الكائنات. كما تحدد البيئة نوع النظام البيئي، فالمناطق المطيرة تدعم الغابات، والجافة تدعم الحشائش، بينما تشمل الأنظمة المائية المياه العذبة والبحرية بما تحتويه من نباتات وطحالب وكائنات محللة.
ويؤكد الدكتور محمد رمضان أن نظام المانجروف من أهم الأنظمة البيئية البحرية في مصر، إذ ينتشر في المناطق الدافئة على سواحل البحر الأحمر، ويلعب دورًا مهمًا في تحقيق التوازن البيئي، حيث يحمي الشواطئ من التآكل بجذوره الكثيفة، ويسهم في تقليل ثاني أكسيد الكربون من خلال تخزينه في التربة، مما يجعله خط دفاع مهمًا ضد التغير المناخي بفضل قدرته على احتجاز الكربون الأزرق بصورة تفوق العديد من الغابات.
أهمية النظام البيئي للبحر الأحمر والمانجروف
يقول الدكتور محمد كامل محمد، أستاذ البيئة النباتية بقسم علم النبات بكلية العلوم جامعة قنا، لـ«باب مصر»، إن البحر الأحمر يعتبر نظامًا بيئيًا متكاملًا يضم كائنات أعماق البحر والأنظمة السطحية والشاطئية، وتساهم الطحالب والهائمات البحرية في إنتاج ما بين 50-70% من أكسجين الهواء، بينما يدعم المانجروف هذا الدور من خلال تخزين ثاني أكسيد الكربون وتحسين جودة المياه.
كما تعكس صحة المانجروف مستوى تلوث البحار، وتؤدي جذوره التنفسية دورًا مهمًا في حماية التربة من الانجراف، وتوفير بيئة آمنة لتكاثر الأسماك والقشريات، مما يعزز التنوع البيولوجي ويزيد من إنتاجية النظام البيئي، خاصة باعتباره منطقة انتقالية بين البحر والشاطئ.
التهديدات التي تواجه المانجروف وتأثيرها
يحذر الدكتور محمد كامل من أن تدهور المانجروف قد يتسبب في انهيار السلسلة الغذائية، باعتباره أحد ركائزها الأساسية، مما يهدد الكائنات الحية بالاختفاء التدريجي. ومن أبرز التهديدات التي تواجهه: التوسع العمراني والسياحي، والتلوث بالصرف الصحي والنفط والبلاستيك، إضافة إلى قطع الأشجار والرعي الجائر.
كما تسهم هذه العوامل في تراجع مساحات المانجروف، إلى جانب المخاطر المستقبلية الناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر، الذي قد يؤدي إلى غمر الجذور التنفسية وإعاقة وظائفها الحيوية.
القيمة الاقتصادية وطرق الحماية والاستزراع
يمثل المانجروف مصدرًا غذائيًا مهمًا للأسماك والقشريات، بحسب ما يؤكده الدكتور محمد كامل، كما يُستخدم خشبه في البناء والصناعة والوقود، وله استخدامات طبية وصناعية، مثل استخراج التانين.
ويسهم أيضًا في حماية السواحل، وتخزين الكربون، والحفاظ على التنوع البيولوجي. وتعتمد زراعته على إنبات البذور في مشاتل، ثم نقلها إلى بيئات مناسبة، مع مراعاة توقيت جمع البذور بين أغسطس وأكتوبر. ولضمان استدامته، يجب نشر الوعي، والحد من التلوث، وحماية مناطقه كمحميات طبيعية، مع التوسع في استزراعه لأغراض بيئية واقتصادية.
استزراع المانجروف
يقول رجب السنوسي، المسؤول عن مشروع استزراع المانجروف في سفاجا وحماطة، بالتعاون مع نقابة الزراعيين ووزارة البيئة وحرس الحدود، إن أشجار المانجروف في مصر لها حكاية مؤثرة في البئية المصرية، على الرغم من أن مصر لا ينمو بها سوى نوعين فقط، هما: الشورى (Avicennia marina) الأكثر انتشارًا وقدرة على تحمل الملوحة القاسية، والقندال (Rhizophora mucronata) الذي ينمو بشكل أطول وفي نطاقات محددة على سواحل البحر الأحمر، حيث تتشكل ملامح الحياة بين الماء واليابسة.
ويروي السنوسي تفاصيل رحلة الاستزراع، التي تبدأ من قلب الطبيعة، حين يتم جمع البذور الناضجة خلال موسمي مارس وإبريل، ثم توضع في بيئة رطبة تسمح لها بالتشبع بالماء، قبل أن تنتقل إلى المشاتل التي أُعدت بعناية في سفاجا وحماطة وشلاتين ومحمية نبق، حيث تنمو البدايات الأولى داخل صوب تحاكي بيئتها الأصلية.
وبعد أيام قليلة تبدأ مرحلة جديدة، حين تُنقل الشتلات إلى أوعية أكبر تحتوي على تربة رملية، وتُروى بمياه البحر استعدادًا لرحلتها الأهم نحو الشاطئ. وعلى الرغم من أنها أشجار ذات قدرة عالية على التحمل، فإن اختيار أماكن الشتلات يتم بعناية، مع تحديد مناطق المد والجزر، حيث تُغرس الشتلات في مواقع مختارة بدقة لتضمن وصول المياه إليها بإيقاع طبيعي يشبه نبض الحياة.
ويواصل القائمون على المشروع رعاية الشتلات وحمايتها من رعي الجمال، التي تعتمد عليها كمصدر غذائي، خاصة مع قلة الأمطار في مدن جنوب البحر الأحمر، إلى جانب متابعة نموها وتنقية محيطها من أي ملوثات قد تعوق رحلتها.
ويؤكد السنوسي أن هذه الجهود لا تتوقف عند حدود الزراعة، بل تمتد إلى حماية المستقبل، إذ تمثل أشجار المانجروف خط دفاع طبيعي في مواجهة التغيرات المناخية، بفضل قدرتها على تخزين الكربون فيما يعرف بـ”الكربون الأزرق”، كما تحمي الشواطئ من التآكل، وتفتح أبواب الحياة أمام أعداد هائلة من الأسماك والطيور والكائنات البحرية، فضلًا عن منح المكان بُعدًا سياحيًا فريدًا يجمع بين سحر الطبيعة وروح المغامرة في سياحة بيئية تنبض بالحياة.
توسعات في زراعة المانجروف على البحر الأحمر
من جانبه، يوضح الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، لـ«باب مصر»، أن الدولة تنفذ مشروعًا للتوسع في زراعة المانجروف على سواحل البحر الأحمر، لدعم السياحة البيئية وتعظيم الاستفادة من المحميات الطبيعية.
وأوضح أن المشروع يشهد توسعًا ملحوظًا في إنشاء المشاتل بمناطق سفاجا وحماطة وشلاتين بمحافظة البحر الأحمر، إلى جانب محمية نبق بمحافظة جنوب سيناء، بهدف إنتاج نحو 25 ألف شتلة في العروة الواحدة، بإجمالي يصل إلى 300 ألف شتلة خلال فترة التنفيذ، على مساحة مستهدفة تبلغ 500 فدان.
وأشار إلى أن الدراسات تؤكد قدرة غابات المانجروف على تخزين الكربون بمعدلات تفوق الغابات الاستوائية بنحو 3 إلى 4 مرات، فيما يُعرف بـ”الكربون الأزرق”، في وقت تتعرض فيه هذه الغابات عالميًا لمعدل تدهور سنوي يقدر بنحو 1%.
عسل المانجروف
لفت الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، إلى أنه في إطار تعظيم العائد الاقتصادي، تم تطبيق نموذج للمشروعات الصغيرة داخل المحميات لأول مرة في مصر، يعتمد على تربية النحل وإنتاج عسل عالي الجودة من بيئة المانجروف، مع تدريب وتأهيل المجتمعات المحلية المحيطة بالمحميات، بما يحقق فرص عمل مستدامة تراعي البعدين البيئي والاجتماعي.
وأضاف أن غابات المانجروف توفر بيئة مثالية لتربية النحل، ما يفتح المجال لإنتاج منتجات ذات قيمة عالية، مثل حبوب اللقاح، والغذاء الملكي، وطرود النحل، إلى جانب إنتاج ملكات النحل، وهو ما يسهم في دعم الاقتصاد المحلي وحماية السواحل من تأثيرات التغيرات المناخية، وعلى رأسها ارتفاع منسوب سطح البحر.
وأشار نقيب الزراعيين إلى أن المشروع يستهدف تحويل مناطق البحر الأحمر إلى وجهات للسياحة البيئية، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على المنتجات الطبيعية، حيث يمثل عسل المانجروف أحد أبرز مخرجات إعادة التأهيل البيئي، لما يتمتع به من قيمة غذائية مرتفعة وأسعار تنافسية في الأسواق الدولية.
اقرأ أيضا: «متحف الغردقة».. تجربة حديثة تروي حكاية الجمال والسلطة عبر العصور











