دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«الحاجة زكية».. سيرة صوفية بين مقام الشاذلي وصحراء حميثرة

مع اقتراب موسم الحج تتجه أنظار مريدي الطرق الصوفية إلى مدينة مرسى علم، حيث تتجدد واحدة من أبرز الطقوس الروحانية المرتبطة بمقام الشيخ أبي الحسن الشاذلي. وفي قلب هذه الأجواء الإيمانية، تبرز ساحة وضريح «الحاجة زكية» كوجهة موازية تنبض بالحضور الصوفي، إذ تتوافد جموع المريدين والمحبين لإحياء الشعائر وسط أجواء من الابتهال والذكر.

وتحمل ساحة الحاجة زكية مكانة خاصة لدى أتباع الطريقة، باعتبارها نقطة تجمع واستعداد قبل صعود جبل حميثرة يوم الوقفة، حيث تتعالى الأصوات بالتكبير والدعاء في مشهد روحاني يختلط فيه الإيمان بالتراث الشعبي، ويعكس عمق الارتباط بهذه الرموز الصوفية التي تمثل لهم طريقًا للسكينة والرجاء.

سيرة ومسيرة

يوضح أحمد محمود، حفيد الحاجة زكية ومسؤول الساحة بحميثرة، أن مكانة الضريح لا تنبع فقط من ارتباطه بالطقوس الصوفية، بل من سيرة صاحبته التي، بحسب روايته، لم تكن من تلامذة الإمام أبي الحسن الشاذلي، بل نشأت في بيت ينهل من العلم والنسب الروحي، حتى سلكت طريقها الصوفي عبر المدرسة العروسية الشاذلية، متصلةً بسيدي عبد السلام الأسمر في زليطن الليبية، لتصبح لاحقًا إحدى الرموز التي يقصدها المريدون طلبًا للسكينة والبركة.

ويعرف “أحمد” جدته بأنها زكية بنت عبد المطلب، التي ولدت مطلع القرن العشرين بقرية ميت سلسيل، بمركز المنزلة في محافظة الدقهلية، ونشأت في بيت أزهري عريق. ورغم فقدانها البصر، أتمت حفظ القرآن الكريم في سن الخامسة عشرة، لتبدأ رحلة استثنائية امتزج فيها الزهد بالعلم والخدمة.

وفي شبابها، التحقت بالطريقة الشاذلية، قبل أن تنتقل للإقامة بجوار مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، حيث كرّست حياتها لخدمة الفقراء والمحتاجين، تنفق عليهم مما تملك، وتردد دعاءها الشهير: “اللهم اجعل طعامي لهم شفاء”. ولم يقتصر دورها على الإحسان، بل أصبحت مقصدًا لطالبي البركة وملجأً لأصحاب الحاجات، مستعينة بعلاقاتها مع كبار الشخصيات وأصحاب النفوذ لقضاء مصالح الناس، في صورة جسدت عمق حضورها الإنساني والروحي.

ضريح الحاجة زكية فى حميثرة.. الصورة من مسؤول الساحة حفيد الحاجة زكية
ضريح الحاجة زكية فى حميثرة.. الصورة من مسؤول الساحة حفيد الحاجة زكية
في قلب الصحراء

يضيف حفيد الحاجة زكية أنها لم تدفن بجانب الإمام الحسين، رغم السنوات التي عاشتها بجواره، لأنها رأت في المنام، وهي على مشارف الثمانين وتعتمر، أنها ستدفن في قلب الصحراء. فاشترت قطعة أرض بجوار الضريح، وأقامت فيها غرفة بسيطة، انقطعت فيها للذكر وقراءة القرآن طيلة سنواتها الأخيرة، وقالت لخادمها محمد عبد اللطيف، الذي صار إمام مسجد القصير فيما بعد: “حين يسترد الله وديعته، ادفني بجوار الشاذلي”. وقد حاول بعض أقاربها ومريديها إعادتها إلى القاهرة، فرفضت، وكانت تقول: “سيدي أبو الحسن الشاذلي أمرني بالبقاء هنا”.

ومن بين القصص التي تروي عن كرامتها، يقول عبدالله عبدالشافي، من أبناء القصير، ويسكن بالقرب من ساحتها، إن اللواء يوسف عفيفي، محافظ البحر الأحمر آنذاك، زارها ليطلب منها العودة إلى القاهرة، وقال لها إن الرئيس جمال عبد الناصر أصدر قرارًا عام 1962 بأن يكون مقامها بالقاهرة بجوار الإمام الحسين، فابتسمت وقالت: “مكان دفني أكبر من جمال عبد الناصر، فالأمر كله بيد الله”.

ويقول أمير درويش، من أتباع الطريقة الشاذلية بالقصير، إنه بمجرد الاقتراب من ضريح أبي الحسن الشاذلي، يجد الزائر قبر السيدة الصالحة زينب بنت عبد المطلب، التي كانت من المتصوفات الزاهدات العابدات، ذات كرامات، وقد عاصرت الشيخ، وأذن لها بالدفن بالقرب منه.

أبو الحسن الشاذلي

يشير حفيد الحاجة زكية إلى أن سبب تعلقها بالشيخ الشاذلي أبي الحسن الشاذلي، يعود إلى أنها، حين حفظت القرآن، كافأها والدها بمرافقته في الحج إلى بيت الله الحرام، وكانت رحلتهما برا إلى عيذاب، ثم يركبان البحر إلى الأراضي الحجازية. وفي الطريق، زارا الشاذلي، وكان والدها من مريدي الطريقة الشاذلية، فكان يحدثه عن مآثره وكراماته، فانتبهت زكية إلى حديثه، وأحبت الشاذلي.حتى إن زوجها، وهو ابن خالها الشيخ محمد المهدي، كان شاذليا أيضا، وكانت تصحبه إلى الحضرة التي تقيمها الطريقة كل يوم جمعة في القاهرة.

ويكمل أنها من هنا أحبت الاستقرار في درب الطبلاوي، بعد أن تعلقت بشيخ الطريقة ومريديها، ورأت نفسها في خدمة الفقراء. وحين استبد بها الوجد، وانشغلت بالطريق وأهله عن بيتها، استشار زوجها شيخه عبد الرحيم، وكان رجلًا صالحًا، فقال له: “الشمس والقمر لا يجتمعان”، ففهم الرسالة، وعرف أن لزوجته مهمة أخرى، فطلقها وتركها لحالها. فساحت في رحلات إلى أولياء الله الصالحين، حتى انتهت إلى سكنى زاوية شيخ الطريقة، وذاع صيتها بين الناس، فقصدها المحتاجون لقضاء حوائجهم من إعانات ودعوات، ولم تكن ترد أحدًا خائبًا.

اقرأ أيضا: سجاد وخيش وتطريز.. كيف صنعت «سيدات القصير» مشروعا للتمكين الاقتصادي؟

من أمام ضريح الحاجة زكية في حميثرة.. الصورة من مسؤول الساحة
من أمام ضريح الحاجة زكية في حميثرة.. الصورة من مسؤول الساحة
فئات مختلفة على بابها

يبين الشيخ أحمد، مسؤول الساحة، أن الأمر لم يقتصر على المساكين، فقد وقف بباب الحاجة زكية وزراء ورجال أعمال ومشاهير من أهل الفن، وكان بعض كبار رجال الدولة يغسلون بأيديهم دورات مياه زاويتها، وأصحاب مناصب يقبلون يديها، وجميعهم يقرون لها بالولاية، ويعددون مناقبها ومآثرها، متحدثين عن كرمها وفضل دعواتها.

وتحكي روميساء الجزار واحدة من أبرز الروايات المتداولة عن الحاجة زكية، مشيرة إلى أن اللواء يوسف عفيفي زارها في الغرفة التي اتخذتها زاوية بالقرب من مقام سيدي أبي الحسن الشاذلي، حاملاً معها دعماً تموينياً كبيراً بلغ خمسة أطنان من الأرز والسكر والزيت، لمساعدتها في إكرام زائريها كعادتها.

وخلال الزيارة، عرض عليها الانتقال إلى منزل بديل بقرية مجاويش قرب الغردقة، لكنها رفضت، مطالبة بدلاً من ذلك برصف الطريق المؤدي إلى مقام القطب الصوفي، وتوصيل خط تليفون أرضي لزاويتها، وتم بالفعل رصيف الطريق لأول مرة.

اقرأ أيضا: من قلب الأعماق.. «هيبكا» تقود مهمة بحرية لحماية كنوز البحر الأحمر

الأيام الأخيرة في حياتها

يروي محمد عبد اللطيف تفاصيل الأيام الأخيرة للحاجة زكية، مؤكدا أنها كانت تحرص على التواجد يوميا بمقام سيدي أبي الحسن الشاذلي من بعد صلاة المغرب وحتى العشاء، قبل أن تطيل البقاء في أحد الأيام حتى الصباح، حيث أخبرته بقرب أجلها.

وأوضح أنها طلبت الاستعداد بشكل لافت، إذ كلفته بشراء زجاجات من الشربات، وعشرين جوالا من الدقيق، وعدد من الخراف من أهالي المنطقة، وكأنها تهيئ لوليمة كبيرة. وعقب عودتها إلى زاويتها، قامت بغسل كفنها بماء زمزم كانت تحتفظ به، وطلبت أن تصلى عليها الجنازة داخل المقام، وأن تقام وليمة للفقراء بعد دفنها.

وفي صباح 28 سبتمبر 1982، استدعت عبد اللطيف وأبلغته أنها ستلقى ربها في هذا اليوم، فاستدعى الشيخ سيد جعفر، إمام مسجد الفران القريب من زاويتها، حيث أوصته بقراءة سورة الإخلاص على قبرها وإهداء ثوابها لروحها. وبعد وفاتها، حمل نعشها ستة رجال إلى داخل المقام في تمام السادسة صباحا، وأديت صلاة الجنازة وسط حالة من الحزن والبكاء، قبل أن تدفن في الموضع الذي حددته بنفسها.

ضريح الحاجة زكية.. الصورة من مسؤول الساحة
ضريح الحاجة زكية.. الصورة من مسؤول الساحة
أجواء السكينة والخشوع

لا يزال زوار مقام الشاذلي يتوافدون إلى قبرها وزاويتها حتى اليوم، حيث يستشعرون أجواء من السكينة والخشوع، بينما تتردد في أذهان من عاصروها كلماتها الأخيرة التي كانت ترددها: “سترون غدا الأسرار هنا والكرامات”.

اقرأ أيضا: «متحف الغردقة».. تجربة حديثة تروي حكاية الجمال والسلطة عبر العصور

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.