«هذا ليس تعاملًا سليمًا.. هذا تحرش».. حملة لحماية الدلافين في البحر الأحمر
أطلقت جمعية المحافظة على البيئة «هيبكا» حملة توعوية بعنوان: «هذا ليس تعاملًا سليمًا.. هذا تحرش This Is Harassment Not Interaction»، بهدف حماية الدلافين في البحر الأحمر ورفع الوعي بالممارسات الخاطئة التي تؤثر على سلوكها الطبيعي. إذ تواجه الدلافين ضغوطًا ومضايقات تؤثر على سلوكها الطبيعي واستقرار بيئتها، ما يهدد سياحة الغوص والأنشطة البحرية المعتمدة على التنوع البيولوجي. واستهدفت الحملة تصحيح المفاهيم الشائعة حول التفاعل مع الدلافين.
الدلافين صُناع البهجة
دعت جمعية المحافظة على البيئة “هيبكا” مختلف فئات المجتمع للمشاركة في نشر التوعية، وتجنب السلوكيات الضارة، والإبلاغ عن الممارسات المخالفة، مع تنظيم جلسات توعوية للعاملين بقطاع السياحة والأنشطة البحرية.
وأكدت الحملة أن حماية الدلافين مسؤولية مشتركة بين الأفراد والمؤسسات، وأن التغيير يبدأ بالوعي للحفاظ على ثروات البحر الأحمر الطبيعية للأجيال القادمة.
تدريبات لتعزيز الوعي البيئي البحري
بالتوازي مع إطلاق الحملة، نفذت جمعية المحافظة على البيئة “هيبكا” برامجها التدريبية المتخصصة بالتعاون مع غرفة الغوص والأنشطة البحرية (CDWS)، في تدريب يهدف إلى تعزيز الوعي البيئي وترسيخ ممارسات مسؤولة داخل مجتمع الغوص، وذلك بقيادة محمود حنفي، أستاذ علم الأحياء البحرية بجامعة قناة السويس.
واستعرض التدريب الجوانب العلمية المرتبطة بسلوك أسماك القرش وتحليل الحوادث، وقدم مدخلًا مبسطًا لعالم الأحياء البحرية في البحر الأحمر، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه نظم البيئة البحرية وسبل الحفاظ عليها.
كما قدم المشاركون نماذج عملية للتعامل المسؤول مع الكائنات البحرية، بما عزز ثقافة السلامة والحدّ من السلوكيات العشوائية التي قد تضر بالتوازن البيئي أو تعرض الغواصين للخطر.
وتضمن البرنامج تدريبًا متخصصًا على بروتوكولات استخدام الرباط الضاغط في حالات الطوارئ الناتجة عن هجمات القرش، حيث قاد التدريب محمد عادل بمشاركة فريقه من المدربين المتخصصين في الاستجابة السريعة، وبحضور عدد كبير من الغواصين وخبراء السلامة.

نشر أسس التعامل مع الدلافين
نشرت جمعية المحافظة على البيئة “هيبكا” عبر منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الإرشادات التوعوية الموجهة للسياح والجمهور، لتوضيح أسس التعامل الآمن والمسؤول مع الدلافين في بيئتها الطبيعية، مؤكدة أن الدلافين تمثل ثروة قومية تستوجب الالتزام الصارم بإرشادات السلامة عند التعامل معها.
اقرأ أيضا: «متحف الغردقة».. تجربة حديثة تروي حكاية الجمال والسلطة عبر العصور
تعليمات قادة القوارب
يؤكد مصطفى عبد الله، مدير القطاع البحري بجمعية المحافظة على البيئة “هيبكا”، في حديثه لـ«باب مصر»، أن الالتزام بقواعد السلوك البيئي يمثل الأساس في حماية الدلافين والحفاظ على توازنها الطبيعي بالبحر الأحمر.
وأوضح أن التعامل مع الدلافين يعتمد على عدم تغيير سلوكها الطبيعي، مع الاهتمام بالأمهات وصغارها، وتجنب الضوضاء العالية، واحترام مناطق الراحة مثل الفانوس والعرق وأبو منقار، وعدم إزعاجها خلال فترات السكون.
وشدد على ضرورة الحفاظ على مسافة لا تقل عن 30 مترًا من الدلافين، والاقتراب بمحاذاة اتجاه سباحتها بسرعة لا تتجاوز 4 عقد بحرية، مع حظر مطاردتها أو محاصرتها أو تتبعها داخل مناطق الراحة، والالتزام باستخدام الشمندورات بدلًا من إلقاء المراسي. ولفت إلى ضرورة تجنب الصراخ أو الصفير أو تشغيل الموسيقى، مع الانسحاب بهدوء عند ظهور علامات الضيق على الدلافين، بما يحد من تعرضها للتوتر.
تعليمات للسباحين والغواصين
يشير مصطفى عبد الله، مدير القطاع البحري بجمعية المحافظة على البيئة “هيبكا”، إلى أن إرشادات السباحين والغواصين تركز على ارتداء معدات السلامة، والنزول إلى المياه بهدوء، والسباحة بمحاذاة الدلافين دون اقتراب مفرط أو الغوص فوقها، مع الامتناع عن مطاردتها أو لمسها أو إطعامها، وحظر استخدام السكوتر المائي أو إصدار أصوات مرتفعة أو إلقاء المخلفات في بيئتها.
وحذر مدير القطاع البحري من خطورة القوارب الصغيرة السريعة، مؤكدا أنها تمثل تهديدًا مباشرًا للدلافين والسباحين بسبب احتمالات الاصطدام، وتأثيرها السلبي على النظام السمعي للدلافين، مما يعيق تواصلها وقدرتها على الملاحة، داعيًا إلى الالتزام بالسرعات المحددة التي لا تتجاوز 4 عقد بحرية.
وشدد على ضرورة عدم لمس الدلافين أو تقديم الطعام لها لما يسببه ذلك من أضرار صحية ونقل للأمراض، مع التأكيد على عدم إلقاء المخلفات حفاظًا على نظافة البيئة البحرية وسلامة الكائنات.

تقنين وضع المراكب اليومية
يقول أيمن حسن طاهر، خبير سياحي ومتخصص في السياحة البيئية والغوص العلمي، إن ما تتعرض له الدلافين في البحر الأحمر من إزعاج وتحرش يرجع إلى غياب كيان موحد يشرف على مراكب الرحلات اليومية وينظم عملها، مع ضعف التوعية لدى العاملين عليها.
وأوضح أن هناك تداخلًا في الاختصاصات بين الجهات المختلفة، حيث تتولى وزارتا التنمية المحلية والبيئة إدارة المحميات الطبيعية، بينما تمنح وزارة النقل تراخيص المراكب عبر هيئة التفتيش البحري، وتختص وزارة السياحة والآثار بترخيص أنشطة الغوص والأنشطة البحرية، ما يترك مراكب الرحلات اليومية دون إشراف واضح.
وأشار إلى أن أعداد هذه المراكب غير محصورة بدقة، ولا توجد جهة تنظم حركتها أو تراقب سلوكها في البحر، مما يؤدي إلى ملاحقة الدلافين بشكل عشوائي وتعريضها لضغوط شديدة بسبب طبيعتها الحساسة.
ولفت إلى تجربة جمعية “أبو سلامة” (الاسم المحلي للدولفين لدى أهل البحر الأحمر)، والتي قامت بدراسة الدلافين بمنطقة صمداي خلال عامي 2006 و2007 عبر منحة إيطالية وبمشاركة خبراء متخصصين، وأسهمت الدراسات في فهم سلوك الدلافين وأنماط النوم والتغذية، وأكدت تأثرها بالتدخل البشري والحاجة إلى توفير بيئة آمنة لها.
وطالب طاهر بإعلان بعض المناطق كمحميات طبيعية لحماية الدلافين على غرار نموذج إدارة صمداي، مع تقنين أعداد الزائرين، ومن أبرزها شعاب الفانوس وشعاب العرق قبالة جبل الحريم بمدينة الغردقة.
إنشاء كيان رسمي
دعا أيمن حسن طاهر، خبير سياحي ومتخصص في السياحية البيئية والغوص العلمي، إلى إنشاء كيان رسمي يضم مراكب الرحلات اليومية، ليسهم في تنظيم القطاع، إلى جانب سن تشريعات رادعة تشمل تركيب أجهزة تتبع على العائمات، وإجراء دراسات لتحديد الطاقة الاستيعابية لمناطق الغوص والجزر في البحر الأحمر.
وناشد أعضاء مجلس النواب بمحافظة البحر الأحمر التدخل لإعداد تشريع موحد وخطة عمل واضحة، تتولى من خلالها جهة واحدة مسؤولية تنظيم الرحلات البحرية وحماية البيئة، بالتنسيق مع الجهات المعنية، دعمًا لاستدامة السياحة البيئية والاقتصاد الأزرق.
وأكد أهمية التوعية المجتمعية والتدريب المستمر للعاملين في الأنشطة البحرية، مع وضع ضوابط صارمة لتأمين الرحلات وضمان السلامة وجودة الغذاء المقدم للسائحين. وشدد على ضرورة تكثيف حملات تنظيف البيئة البحرية من المخلفات البلاستيكية والزيوت ومخلفات المراكب، ومنع تصريف الملوثات، والتصدي لظاهرة الصيد الجائر.
إعلان صمداي “بيت الدلافين”
يؤكد محمود حنفي، المستشار العلمي لجمعية المحافظة على البيئة “هيبكا” لـ”باب مصر”، أن الجمعية لعبت دورًا بارزًا في حماية الدلافين بالبحر الأحمر، خاصة بمنطقة صمداي المعروفة بـ”بيت الدلافين”، وهي خليج مرجاني على شكل حدوة حصان، يمثل ملاذًا آمنًا ومحميًا من الأمواج لهذه الكائنات البحرية.
وأضاف أن صمداي تشهد منذ عام 2000 إقبالًا سياحيًا متزايدًا لمشاهدة الدلافين، دون وجود ضوابط تنظم الزيارات أو تضمن سلامة الزائرين والكائنات البحرية، ما تسبب في تراجع أعداد الدلافين، قبل أن يصل عدد الزائرين عام 2003 إلى نحو 800 زائر يوميًا.
ودفعت هذه التحديات التي واجهت منطقة صمداي الجمعية إلى إطلاق حملة لإعلانها محمية طبيعية، ووقف الزيارات لمدة ثلاثة أشهر لإعداد خطة تحقق التوازن بين السياحة وحماية البيئة البحرية.
ويضيف أنه في يناير 2004 تم تقسيم المنطقة إلى ثلاثة نطاقات تشمل منطقة مخصصة للدلافين، وأخرى للسباحة السطحية، وثالثة لرسو المراكب والغوص، مع تنظيم الزيارات بحيث لا يتجاوز عدد الممارسين لأي نشاط 125 فردًا يوميًا، لمنح الدلافين فترات راحة كافية.
ويؤكد حنفي أن هذه الجهود رفعت متوسط مشاهدة الدلافين يوميًا من 32 إلى 78 دلفينًا من النوع الدوار، كما تُقدر القيمة الاقتصادية لكل دولفين بنحو 91 ألف دولار سنويًا ويوفر نحو 16 فرصة عمل. ويشير إلى أن تجربة صمداي تمثل نموذجًا ناجحًا للإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وإنجازًا تفخر به جمعية “هيبكا” للحفاظ على ثروات البحر الأحمر للأجيال القادمة.

محميات البحر الأحمر والتنمية السياحية
يقول أحمد غلاب، مدير قطاع المحميات الطبيعية، إن المحميات في البحر الأحمر تمثل دورًا حيويًا وركيزة أساسية في الحفاظ على التنوع البيولوجي، وتطوير آليات الحماية والإدارة المستدامة، بما يدعم التنمية السياحية المسؤولة.
وأشار إلى أن محافظة البحر الأحمر تمتلك العديد من الموارد الطبيعية، مثل الشعاب المرجانية البكر والأسماك الملونة التي تجذب الزوار من مختلف دول العالم، إلى جانب محميات طبيعية مهمة مثل محمية الجزر الشمالية ووادي الجمال وعلبة، ومحمية الحيد المرجاني العظيم، التي تُعد من أحدث المحميات المعلنة.
ويؤكد الدكتور ماهر رشوان، رئيس فرع جهاز شؤون البيئة، أن الجهاز ملتزم بتسخير كافة إمكانياته الفنية والتقنية لدعم تنفيذ القرارات البيئية بفاعلية، لضمان بيئة صحية ومستدامة لأبناء المحافظة وزوارها، مشيرًا إلى أن التنسيق المستمر هو مفتاح النجاح في مواجهة التحديات البيئية المعقدة.
وأوضح ضرورة تفعيل قرار وزارة البيئة بشأن الحفاظ على البيئة واستدامتها، مؤكدًا أن حماية البيئة ليست مجرد خيار، بل مسؤولية وطنية وواجب أخلاقي تجاه الأجيال القادمة. ومن أهم الإجراءات التي أشار إليها: تفعيل منظومة رصد القروش، وتأهيل المراسي والسقالات لاستقبال مخلفات المراكب، بهدف منع إلقاء المخلفات في البحر، والحفاظ على نقاء البيئة البحرية وسلامة الكائنات الحية التي تعيش فيها.
اقرأ أيضا: حراس الشواطئ الصامتون.. كيف تحمي أشجار المانجروف سواحل البحر الأحمر وتدعم الحياة؟