«أسيوط».. شطب وانعكاساتها

تمتلك أسيوط إرثا تليدا وعميقا تفتخر به على طول الخط وتتعلق به تعليقا فريدا. صحيح أنه مبعثر بين المراكز والقرى، في الشمال والجنوب وفي الشرق والغرب. إلا أنك مع نظرة متأنية وجولة واعية يمكنك أن ترى فيه نسيجا واحدا يعبر عنها وعن الناس فيها. لم أشعر في أسيوط بغربة، فهي المدينة والقرية في آن واحد، وهي العادات القديمة والحداثة في آن واحد أيضا. يمكنك أن ترى فيها ما تريد وتختار وتذهب إليه نفسك.

شُطب

على بعد ثلث ساعة تقريبا من مدينة أسيوط، تقع قرية اسمها شُطب، تخضع تلك القرية إلى نمط عمراني مختلف عما سارت عليه مدن وقرى أسيوط في وقتنا الحالي. فما زالت القرية تحتفظ حتى الآن بمعظم بيوتها الطينية القديمة، ولم تحتفظ فقط بتلك البيوت على صورتها الخارجية. بل كذلك بمكوناتها المعمارية من الداخل من حظيرة الحيوان والبهو داخل المنزل وموقع المطبخ والدكك والمصاطب في الخارج وغيرها من المعالم المعمارية التي اتسم بها هذا النمط من العمارة.

لا يمكن بأي حال من الأحوال عزل الجانب الاقتصادي عن النمط العمراني للقرية الطينية. فأسيوط أحد أكثر المحافظات فقرا في جمهورية مصر العربية. وبطبيعة الحال يعاني الناس من مشاكل اقتصادية وخيمة في أسيوط إجمالا وفي تلك القرية خصيصا، جعلت من مسألة الحفاظ على نمط البيوت الطينية فيه أمراً واقعاً لا دخل لهم فيه. وهذا أمر شائك ومحل نظر مهم في تحليل النظرة العمرانية في تلك القرية. فما زالت القرية حتى آخر زيارتي بشوارع تربية غير ممهدة فضلا عن الأكوام المرتفعة من الطين والتراب ومخلفات البهائم. لكن بين ثنايا كل هذا نمط عمراني صنعه أهالي تلك القرية منذ سنوات طويلة يمكن من خلاله الولوج إلى فهم تاريخ أطول وأعمق للمنطقة.

مركز عبادة الإله خنوم

كانت قرية شطب مركزاً لعبادة الإله خنوم، فيما أطلق عليها مدينة سش حتب ثم إلى اسمها الأخير شطب محرفا من اسمها القديم. استحوذت القرية على مخيلة الناس الأسطورية. فهي تلك القرية التي أحرقت بسبب السحرة وهي كذلك التي أحرقها حاكم درنكة 7 مرات مما جعلها كومة من التراب والرمال المتراكمة. وبين كل هذا تصنع القرية أسطورتها الخاصة عن طريق بعض المعالم الفنية التي تزين البيوت لنفس الهدف وهو حراستها وتحصينها من أي حسد أو سحر.

فيمكنك أن تلمح على بيوت كثيرة شكل “عروسة” رسم بالطوب على واجهة المنزل. وتلك العروسة أو الرسمة كفيلة بأن تمنع الحسد من أن ينال من المنزل أو أهله. لذلك يمكنك أن ترى تلك العروسة أكثر على البيوت الكبيرة في القرية أو التي توحي بأن أهل المنزل من الأثرياء وميسوري الحال. وهذه العروسة ليست بعيدة عن عادات أهل أسيوط في حفظ أنفسهم من الحسد والسحر. فيمكنك أن ترى تلك العروسة أيضا على أفران المنزل مرسومة لتحفظ طعام الناس من الحسد. تلك العادة مصاحبة أيضا لفكرة وضع الملح في أساس المنزل قبل إنشائه، لتقي المنزل وأهله من نفس المخاوف التي تتردد في أذهان الناس.

عمران الجيرة

تتراص البيوت بجانب بعضها البعض هنا في شطب بشكل متكاتف إلى درجة كبيرة. فيما يراعي كل منزل منهم على هذا الأمر خصوصية المنزل وأهله والاحتفاظ بسره داخله عن طريق حيل معمارية أو انعزال الغرف داخل المنزل. ترتبط بعض البيوت بما يطلق عليه “ساباط” وهو الممر الذي يربط منزلين منفصلين بعضها البعض فيمر هذا “الساباط” أعلى الشارع. يمكنك أن ترى هذا وتفهمه من خلال السير عبر تلك القرية، تراص البيوت بجانب بعضها البعض يعطي لشوارع القرية ظلاً يقيها من أشعة الشمس الحارقة.

الجبل الغربي

في أسيوط نفسها على الجانب الآخر عند الجبل الغربي، الجبل الذي يمتزج فيه تاريخ مصر كله على اختلافاته الكثيرة والمعقدة. منذ المصريين القدماء مرورا بالرهبنة المسيحية وصولاً إلى الإسلام، تقع مقابر حكام إقليم شطب القديم، المقابر التي نحتت داخل الجبل الصلب والتي تصل إليها عبر سلم طويل. يمكنك خلال زيارة تلك المقابر أن تلمح بقايا إقامة داخلها. حيث كانت ملجأ للأقباط في فترة الاضطهاد، لذلك أطلق عليها بعد ذلك اسم دير ريفة، الدير الذي تحول بشكل كامل من مقبرة مصرية قديمة بنقوش هيروغليفية باقية إلى دير تقام فيه الطقوس المسيحية.

تقع تلك المقابر بالقرب كذلك من كنيسة العذراء ودير الأمير تادرس المشرقي في درنكة. ثم أيضا مقابر المسلمين التي تقع على شكل قباب منفصلة ومميزة بشكل مبهر. يرجع تاريخها إلى فترات الدخول العربي إلى الصعيد وهي مقابر تستحق العناية والنظر إليها بنظرية بحثية دقيقة خاصة مع صعوبة الوصول إليها لتعقيدات أمنية.

زيارة العائلة

لا يمكن عزل سياق تاريخ وحاضر أسيوط عن زيارة العائلة المقدسة الزيارة التي رسمتها المخيلة القبطية. إذ تضم المحافظة عددا كبيرا من الكنائس والأديرة التي كان لها دور في صنع تلك الزيارة والدلالة عليها. من ضمنها بالتأكيد الدير المحرق، فهو يعد أحد أهم وأقدس المواقع المشكلة لتلك الزيارة. حيث قامت العائلة فيها أطول فترة لها في مكان واحد بوادي النيل، أقاموا في هذا المكان ستة أشهر كاملة. لذلك ترى هنا العديد والعديد من الزيارات من دول كثيرة ومناطق متعددة. ودير المحرق مكان كبير يضم عددا مختلفا من المباني التي يتربع على رأسها بطبيعة الحال الكنيسة الأثرية. فتأتي مثلاً كنيسة القديس مار جرجرس والقديس يوحنا المعمدان. ومبنى آخر يطلق عليه قصر الضيافة بني بطراز مميز خصص لإقامة رئيس الدير وكبار الزوار.

اقرأ أيضا:

«أسيوط».. الحضارة وامتدادها

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر