مفارقة الكشري: كيف أصبح طبق المصريين الوطني معتمدًا على الاستيراد؟
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الاهتمام بالتراث الغذائي المصري. فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تضم عشرات الصفحات على فيسبوك وإنستجرام مخصصة للوصفات التراثيه، يتابعها آلاف الأشخاص. كما حظيت المتاحف والبيوت التاريخية بفعاليات تحتفي بتاريخ الطعام. وظهرت مشروعات في مدن مثل إسنا لتوثيق الأطعمة المحلية وإحيائها للزوار. كذلك ازداد عدد المطاعم التي تقدم الأكلات المصرية المنزلية، إلى جانب معارض الصور والمنشورات التي تستعرض نكهات الأقاليم المختلفة.
وقد بلغ هذا الحماس غير المسبوق ذروته عندما أدرجت اليونسكو طبق الكشري على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، باعتباره طبقًا أساسيًا يجسد التماسك الاجتماعي المصري وروح الجماعة والحياة اليومية. وبالنسبة لشخص قضى عقدين من الزمن في دراسة التراث الغذائي المصري، فإن هذه التطورات تبعث على السرور. لكنها، في الوقت نفسه، تتناقض بشكل حاد مع ما يحدث فعليًا في الحقول والأسواق.
الاعتماد على الاستيراد
تستورد مصر معظم غذائها الأساسي:
50٪ من القمح
47٪ من الفول
90٪ من العدس والحمص
95٪ من زيوت الطهي، مثل زيت النخيل وعباد الشمس وفول الصويا والذرة
وجميع هذه المكونات تشكل العمود الفقري للتراث الغذائي “المصري”، ومع ذلك فهي بالكاد تُزرع في مصر اليوم. ولنأخذ حالة العدس الغريبة مثالًا.
العدس الاسناوي
في شتاء 2024، شاركتُ في مشروع لإحياء الأطعمة المحليه التقليدية في إسنا، المشهورة بطبقها المعروف باسم «العدس الاسناوي». لكن حتى هذا العدس المميز يتم استيراده من الخارج. وتكمن المفارقة في أن العدس كان من أوائل المحاصيل التي زُرعت في مصر، واستمرّت زراعته لما يقرب من 5800 عام دون انقطاع. وما يزال العدس جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لغالبية المصريين.
ووفقًا لتقرير الأمن الغذائي المصري، فإن الإنتاج المحلي من العدس لا يغطي سوى نسبة ضئيلة جدًا من الاستهلاك، إذ يتم استيراد نحو 90٪ منه بسبب عدم استقرار القدرة الإنتاجية المحلية. والأسوأ أن التوقعات تشير إلى انخفاض إنتاج العدس بحلول عام 2028 إلى ثلثي مستواه في عام 2023. ويجسد الكشري نفسه هذه المفارقة؛ فحوالي نصف مكوناته — العدس، والحمص، ودقيق القمح المستخدم في المكرونة، وزيت الطهي — تأتي من الخارج.

طفرة التصدير
في المقابل، تصدّر مصر الغذاء بكثافة. فالفراولة المجمدة والحمضيات الطازجة تتدفق إلى أوروبا، والتمور تُشحن إلى أنحاء العالم، وأصبحت الفواكه والخضروات المجففة من الصادرات الرئيسية. وتسيطر مصر حاليًا على سوق الفراولة المجمدة في أوروبا، بعدما أصبحت أكبر مورّد لألمانيا. ففي الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025 وحده، استوردت ألمانيا ما يقرب من 82 ألف طن من الفراولة المصرية المجمدة.
كما تحولت صادرات الحمضيات إلى محرك نمو بمليارات الدولارات. ففي عام 2025، صدّرت مصر نحو مليوني طن من الحمضيات إلى الأسواق العالمية. وتُعد مصر أيضًا أكبر منتج للتمور في العالم، بإنتاج سنوي يقترب من مليوني طن، يُصدَّر جزء كبير منه عبر أكثر من 200 منشأة للتصنيع.
أما الخضروات، فقد أصبحت الجبهة الجديدة للتصدير. فقد ارتفعت صادرات الجزر إلى الاتحاد الأوروبي من نحو 4 آلاف طن عام 2020 إلى قرابة 19 ألف طن بحلول 2023، ما جعل مصر من أبرز مورّدي الجزر لأوروبا. كما تُصدَّر البطاطس والبصل والخرشوف والفاصوليا الخضراء والبطاطا الحلوة طازجة إلى الخارج. وتنتقل مصر تدريجيًا من تصدير المواد الخام إلى المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة، مثل الفراولة المجمدة والخضروات المجففة والعصائر والتمور المعبأة، وهي منتجات تحقق عائدًا أعلى لكل طن وتتمتع بعمر تخزين أطول.
التكلفة التي يتحملها المستهلك المصري
ورغم أن هذه تبدو قصص نجاح، فإنها تأتي على حساب حق المصريين في الغذاء. فغالبًا ما يؤدي تصدير الخضروات والفواكه إلى حرمان السوق المحلية من المحاصيل الأساسية أو رفع أسعارها بصورة هائلة. ولا تصل المنتجات المخصصة للتصدير إلى الأسواق المحلية إلا في نهاية الموسم أو عندما تفشل عمليات التصدير.
في القاهرة، على سبيل المثال، كثيرًا ما تختفي خضروات مثل الجزر والخرشوف والبصل والبطاطس، وفواكه مثل الفراولة والبرتقال وأنواع الحمضيات المميزة، من الأسواق المحلية حتى مراحل متأخرة من الموسم، ولا تظهر إلا عندما يتعذر تصديرها. وهكذا يصبح المستهلك المصري في آخر سلسلة التوريد، مضطرًا إلى قبول المنتجات المتبقية أوالمرفوضه أو التي قاربت على الفساد (نضجت بشكل زائد).
دراسة حالة: الطماطم المجففة
تكشف شعبية الطماطم المجففة بالشمس حجم المشكلة بوضوح. فمئات الأفدنة التي كانت تُزرع سابقًا بمحاصيل تقليدية أساسية أصبحت تُخصص الآن لزراعة الطماطم من أجل تصنيع المعجون أو التجفيف للتصدير. وفي صعيد مصر، استُبدلت زراعة المحاصيل الأساسية للاستهلاك المحلي — ومنها العدس الذي تشتهر به إسنا — بزراعة الطماطم الموجهة للأسواق الأوروبية.

في عام 2023، ارتفع سعر العدس من 20 إلى 70 جنيهًا للكيلوجرام. وفي عام 2026، بلغ متوسط سعره 110 جنيهات. وقصة الطماطم المجففة، التي تُقدَّم باعتبارها قصة نجاح، يجب النظر إليها في سياق استنزاف الأرض والمياه. فالموارد النادرة التي كان يمكن أن تُستخدم لزراعة الغذاء الأساسي تُهدر في محاصيل التصدير. وهناك أيضًا جانب من استغلال العمالة؛ إذ تعمل النساء — وكثير منهن خريجات جامعيات — لساعات طويلة تحت الشمس مقابل أجور زهيدة ومن دون أي مزايا. ويتكرر النمط نفسه في أماكن أخرى، مثل زراعة الأعشاب العطرية والنباتات التجميلية في الفيوم على أراضٍ كان يمكن أن تُزرع بالقمح والسمسم. إن هذا التحول القائم على التصدير يستنزف المكونات الأساسية للتراث الغذائي وثقافة الطهي المصرية.
الحق في الغذاء
ولمعالجة هذا الوضع، تبرز فكرتان أساسيتان: الحق في الغذاء والسيادة الغذائية. يقوم الحق في الغذاء على ثلاثة أركان رئيسية: الكفاية، وإمكانية الوصول، والملاءمة الثقافية. وعندما تتحقق هذه الأركان، يتمكن الناس من الحصول على غذاء صحي وكافٍ ومتوافق مع ثقافتهم بكرامة وأمان. أما السيادة الغذائية، فتعني وضع الناس – المنتجين والموزعين والمستهلكين – في مركز النظام الغذائي، بحيث يقررون بأنفسهم ما الذي يُزرع وكيف يصل إلى المائدة.
ويستند هذا المفهوم إلى أن الغذاء حاجة إنسانية أساسية، وليس مجرد سلعة تجارية. ويعني ذلك تقدير عمل منتجي الغذاء، وتقليص المسافة بين من يزرعون الطعام ومن يستهلكونه، لتجنب الاعتماد على شركات بعيدة وغير خاضعة للمساءلة. كما ينبغي أن تبقى عمليات الرقابة واتخاذ القرار في أيدي المنتجين المحليين، وأن تُعامل الموارد الطبيعية باعتبارها ملكية عامة لا أصولًا خاصة. وتشكل المعارف التقليدية أساس المهارات التي يجب نقلها إلى الأجيال القادمة عبر البحث والممارسة. وأخيرًا، تدعو السيادة الغذائية إلى التعاون مع الطبيعة من خلال تعظيم دور النظم البيئية، والتخلي عن أساليب الإنتاج الصناعي المكثف القائم على الزراعة الأحادية، والتي تُلحق الضرر بالأرض وتستنزف الموارد.
طريق إلى الأمام
إذا أردنا الحفاظ على التراث الغذائي المصري وإحيائه، فعلينا ضمان سهولة الوصول إلى المكونات المحلية بأسعار معقولة. كما يجب إشراك صغار منتجي الغذاء في حفظ معارفهم المحلية المتعلقة بالزراعة والتصنيع وتقديرها. فخبراتهم وبذورهم ضرورية للحفاظ على مذاق الأطعمة التراثية وقيمتها الغذائية، وينبغي أن يكونوا المستفيدين الأساسيين من عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. كذلك يجب توثيق المعارف والمهارات التقليدية الخاصة بإعداد الطعام ونقلها إلى جمهور أوسع وأكثر شبابًا. إن تطبيق المبادئ الأساسية للحق في الغذاء والسيادة الغذائية من شأنه أن يمنع:
- فقدان أصناف البذور المحلية
- واستحواذ الشركات الكبرى على إنتاج الغذاء
- وتهميش صغار المنتجين
- واستنزاف التربة والمياه بسبب الزراعة الأحادية المكثفة
- وسوء استخدام الموارد في محاصيل التصدير بينما يتم استيراد مكونات الغذاء الأساسي
وبذلك يمكن لمصر أن تستعيد قدرا من اكتفاءها الذاتي من العدس والحمص والفول والقمح وزيوت الطهي. وستظل أطباقها التراثية المميزة جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لجميع المصريين. كما سيتمكن المصريون مجددًا من الحصول على الخضروات والفواكه الموسمية بأسعار مناسبة، والاستمتاع بها بكرامة مع تقدير الجهد الذي بُذل لإنتاجها. إن التراث الغذائي المصري – من حيث تثمينه وحفظه وإحياؤه – لا يمكن أن يكون مستدامًا من دون السيادة الغذائية والالتزام بالحق في الغذاء.
اقرا أيضا:
«تاريخ الغذاء في مصر القديمة»: محاولة فهم أصل المطبخ المصري
الطعام في الأمثال الشعبية.. وعشق المصريين منذ أيام الفراعنة



