«علامة إزالة» تلاحق مدافن رموز مصر.. الأنفاس الأخيرة لمدينة الموتى| تفاعلي

تشهد مقابر القاهرة التاريخية، العديد من التحديات خلال الفترة الراهنة نظرا لتنفيذ مشروع تطوير محور صلاح سالم من محور جيهان السادات حتى حديقة الفسطاط بامتداد 6 كم، والذي يتخلل جبانات المجاورين وباب الوزير وسيدي جلال والسيدة نفيسة والطحاوية والإمام الشافعي وسيدي عمر. في التقرير الآتي «باب مصر» يرصد تهديدات بالهدم لمقابر رموز مصر والشخصيات التاريخية التي تقع في مسار المشروع.

في صباح الرابع عشر من فبراير الماضي، تم نقل رفات الملكة فريدة من مقبرتها بمدافن ذو الفقار. لم تنجو المقبرة من معاول هدم المقابر التراثية التي أصبح الكثير منها مهددا بالإزالة نظرا لعمليات التطوير بمدافن القاهرة التاريخية.

نقل رفات الملكة فريدة وبناتها

وكانت عائلة “ذو الفقار” قد حصلت على قرار بهدم المقبرة في نهاية عام 2021. تضمن أن مدفن عائلة ذو الفقار يقع في نطاق الإزالة بمشرع تطوير محور صلاح سالم من محور جيهان السادات حتى حديقة الفسطاط بامتداد 6 كم.

رغم مناشدات العائلة، ورفض العائلة على حد وصف سيف ذو الفقار، كما قال لـ«باب مصر» بعد صدور القرار. لكن جاء رد اللواء إبراهيم عوض، سكرتير عام مساعد بمحافظة القاهرة، أنه لم يتم تحديد المكان البديل بعد صدور القرار.

بعد 34 عاما من رحيلها، تم نقل رفات الملكة فريدة (سبتمبر 1921 – أكتوبر 1988) واسمها الحقيقي “صافيناز ذو الفقار” لمقابر الأسرة العلوية في مسجد الرفاعي مع بناتها الأميرات الثلاث.

وتم النقل في حضور حفيدها “شامل أورولوف” الذي جاء من موسكو، وسيف ذو الفقار ابن شقيقها سعيد، وياسمين حفيدتها من ابنتها الأميرة فريال.

في الرابع من نوفمبر الماضي، تم جمع أفراد عائلة الملك فاروق معا للمرة الاولى منذ رحيله، بإزاحة الستار عن اللوحة التذكارية على قبر الملكة فريدة بجانب بناتها والملك فاروق. بالإضافة إلى الأميرة “فوقية” ابنة الملك فؤاد الأول من زوجته الأولى الأميرة شيوه كار.

تهديدات لجبانات القاهرة بالأرقام

كان اسم الملكة فريدة من أوائل أسماء الشخصيات التاريخية التي تم نقل رفاتها. إذ يتخلل مشروع تطوير محور صلاح سالم، جبانات المجاورين وباب الوزير وسيدي جلال والسيدة نفيسة والطحاوية والإمام الشافعي وسيدي عمر، بحسب المذكرة الصادرة عن محافظة القاهرة.

في استطلاع رأي أجراه موقع «باب مصر» عن مقابر القاهرة التاريخية (الإمام الشافعي – السيدة نفيسة – السيدة عائشة – المجاورين) فإن 44% منها مُهددة بالهدم.

وتشترك هذه المقابر المُهددة بالإزالة في عدم الحصول على قرار رسمي بالهدم. و47% من الأشخاص الذين لا يمتلكون مدافن بهذه المناطق يعرفن مقبرة لعائلة أخرى مُهددة بالهدم.

وتنوعت ردود الأفعال عن المقابر المُهددة، ومن بينها أحدهم يعرف 2000 مقبرة، و 3 مقابر، و175 مقبرة، و30 مقبرة. 50% من أصحاب المقابر المُهددة بالإزالة علموا بقرار الهدم شفهيا، أو عبر وسيلة غير رسمية، أو من خلال التربي أو مهندس الجبانات المختص أو حارس المدفن.

وبحسب الاستطلاع تتنوع مساحات المدافن المُهددة بالإزالة بين 450 – 25 – 32 – 100 وأكثر من 900 متر مربع.

اقرأ أيضا| عائلة حقي تسابق الزمن: 4 أيام تفصلنا عن الهدم ولا رد رسمي حتى الآن

علامة إزالة لمدفن علي باشا مبارك

كان التهديد الأحدث بوضع علامة إزالة باللون الأحمر على الباب الخارجي لمقبرة علي باشا مبارك (1823 -1893)، في ديسمبر 2021. وعلى مدار العام الماضي، لم يعط أحفاد صاحب “الخطط التوفيقية” أهمية للأمر.

تفاجأ أحفاد علي باشا مبارك بتلقي إنذارا شفهيا من خلال التربي يفيد بأن مدفن أول وزير للتعليم في مصر سيتم هدمه قريبا. مع ضرورة نقل رفاته وباقي العائلة إلى مدفن بديل في منطقة العاشر من رمضان.

“أنا وعائلة علي باشا مبارك بأكملها نرفض هدم مقبرته التراثية”. كان هذا تعليق جابر رمضان حفيد “أبو التعليم المصري”، وفي تصريحات خاصة لـ«باب مصر» يوضح تفاصيل تعرض مدفن العائلة التراثي لخطر الإزالة.

مدفن أبو التعليم المصري في خطر!

ترجع البداية إلى قبل عام حين لاحظوا رسم علامة إزالة (×) على الجدار الخارجي للمدفن. وكان الاتفاق الشفهي أنه سيتم إزالة متر أو اثنين فقط من مدخل المدفن دون المساس به. لكن تطور الأمر حاليا، برسم علامة جديدة تنذر بخطر إزالة المدفن المُقدر عمره بحوالي 130 عاما، والذي يحتوي على طرز معمارية مميزة.

تلقت العائلة الإنذار شفهيا، لكن على حد وصفه العائلة ترفض هذا القرار نظرا لقيمة وتاريخ المدفن الذي أصبح رمزا لمُستقر قائد مشروع الخديوي إسماعيل المعماري العمراني لتنظيم القاهرة.

بالإضافة إلى تحذير شفهي أيضا بعدم الدفن في مقابر المنطقة. ويوضح: “عدم الدفن أمر معتاد قبل إزالة او هدم المقبرة، لكن مازلنا ننتظر قرار رسمي”.

موقف وزارة التعليم ومحافظة القاهرة

يتكون المدفن الذي يقع على مساحة تتجاوز 700 مترا، من خمسة أعين للدفن وغرفة “مضيفة” وغرفة أخرى لها شرفة، وبوابتين.

بسبب وفاة والدة جابر قبل عام يتردد كثيرا على المدفن، بل وازداد تعلقه به بعد رحيلها. وتسائل: “أين محافظة القاهرة من هذا القرار ووزير التعليم، لولا علي باشا مبارك لما كان هناك تعليم في مصر”.

تحاول العائلة اتخاذ خطوات رسمية لمنع هدم مدفن علي باشا مبارك، خاصة في ظل تكريم الدولة المستمر له، ووجود منزله في منطقة الحلمية مع شارع يحمل اسمه.

تهديد مقبرة يوسف وهبي بالإزالة

هذه ليست المقبرة الأولى وربما لن تكون الأخيرة التي يداهم مقابر رموز تاريخية خطر الإزالة. إذ تقع الكثير من المقابر لشخصيات مؤثرة في التاريخ المصري في مسار المشروع المُزمع تنفيذه مخترقا منطقة جبانات القاهرة التاريخية.

كشف مهندس معماري مطلع لـ«باب مصر» على مسار المشروع بجبانات القاهرة، الخطوات القادمة والمقابر المُهددة، ومن بينها مقبرة الفنان يوسف بك وهبي (يوليو 1898 – أكتوبر 1982).

ويقول: “المقرر زيادة عرض شارع صلاح سالم من خلال إزالة صف أو اثنين من الشارع والتي تضمن مقابر لشخصيات معروفة، ومن بينهم مدفن علي باشا مبارك”.

وتابع: “بالإضافة إلى زيادة عرض شارع سور مجرى العيون وإزالة صف أو اثنين أيضا. ومن ضمنها مدفن محمود باشا فهمي. بالإضافة إلى المدافن المحيطة بمسجد السيدة نفيسة حتى يصبح كأنه ميدان والحركة تصبح دائرية حوله”.

لكن على حد وصفه أن هذا المخطط تم تغييره عدة مرات، وبالتالي غير معروف إذا كان سيتم تنفيذه أم لا خاصة في ظل عدم وجود قرار رسمي صادر.

رموز مصر التاريخية

هذه ليست الأسماء الوحيدة، بحسب الإنذارات الشفهية التي وصلت لعمال الدفن “التُربية” فإن هذه المدافن أيضا مُهددة بالإزالة، وأسماء أصحابها: الأديب يحيى حقي، الشاعر أحمد شوقي، محمود سامي البارودي، الشاعر حافظ إبراهيم، الشيخ المراغي، العالم علي بك بهجت مكتشف حفائر الفسطاط، الشاعر أحمد رامي، الأمير يوسف كمال، وغيرها.

بالإضافة إلى مقبرة عائلة المعماري الشهير محمود باشا فهمي، الذي يعد من رواد الهندسة في مصر ومن مؤسسين جمعية المهندسين المصرية عام 1924. وتتسم مقبرته أن لها طابع معماري مميز وتضم رفات رموز مؤثرة في تاريخ العمارة المصرية الحديثة.

الإمام الأكبر المراغي

واحد من التهديدات المثيرة للجدل، مدفن عائلة الشيخ محمد مصطفى المراغي (1881 – 1945). بخلاف قيمة الإمام الأكبر السابق للأزهر فإن مقبرة عائلته مُطلة مباشرة على مسجد السيدة نفيسة بالميدان.

خمسة عشر يوما منذ تلقي عائلة الإمام الأكبر المراغي إنذارا شفهيا مع حارس المدفن لسرعة نقل رفات العائلة. تلاه وضع علامة “إزالة” على المدفن المبني على الشريعة الإسلامية تمهيدا لهدمه.

تواصل «باب مصر» مع السيدة منى أبوستيت حفيدة الشيخ محمد مصطفى المراغي. وقالت: “المدفن لا يوجد أمامه أي شئ، دُفن فيه منذ وفاته في عام 1945 و50 فردا من العائلة حتى الآن”.

حاولت أبوستيت وأفراد العائلة التواصل مع المسؤولين للتراجع عن القرار. وتابعت: “أرسلنا استغاثة لشيخ الأزهر ومسؤولين بمحافظة القاهرة، لكن حتى الآن لا يوجد استجابة”. يضم المدفن أيضا نجله الذي شغل منصب وزير داخلية خلال فترة حكم الملك فاروق، وأحمد مرتضى المراغي، وغيرهم من أفراد العائلة.

ترفض عائلة المراغي قرار الهدم أو النقل نظرا لأن مكان المدفن كان من اختياره. ورغم أنه لا يحتوي على طرز معمارية مميزة إلا أنه أصبح من الرموز المجاورة لمسجد السيدة نفيسة.

سيرة مناضل

«رجل تحدى السلطة والإنجليز» يعد هذا الوصف الأمثل لسيرة ونضال الشيخ المراغي. وسردت حفيدته العديد من المواقف النبيلة في سيرته لعدم استغلال الدين لتحقيق منافع شخصية أو لأشخاص في السلطة.

بفضل جهوده، أصبح للحفيد نصيبا في ورث الجد حال وفاة الأب. وتوضح حفيدته: “هو أول من شرع الوصية الواجبة حال وفاة الابن في حياة الجد من حق الجد أن يكتب في حياته ورث لأحفاده”.

ويُنسب إليه الشجاعة والقوة لرفض مطالب الملك فاروق. وكان آخرها طلب تحريم زواج الملكة فريدة بعد طلاقها منه، لكن رفض الشيخ المراغي أن هذا الأمر ليس من أصول الدين ولها الحق في الزواج مجددا.

كذلك الشيخ المراغي صاحب الجملة الشهيرة “لا ناقة لنا فيها ولا جمل” التي قالها في أوج الحرب العالمية، ومن المواقف الشجاعة أيضا رفضه الانحناء خلال استقبال الملك جورج الخامس في السودان وكان المراغي حينها قاضيا بالسودان.

 

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى