عبدالرحمن مصطفى: العودة إلى آخر الحارة: كيف تتذكر أعياد ميلادك في الأربعين

داوم عبدالرحمن مصطفى على عادة سنوية منذ الخامسة والعشرين: في ذكرى يوم ميلاده يكتب في مدونته “آخر الحارة” خلاصة العام الماضي وتطلعات العام الجديد. يتأمل النجاحات والإحباطات والآمال والمخاوف، على الصعيد الشخصي وأيضا العام. وبعد أن جاوز الأربعين، يعود ليقتبس من تدويناته السنوية ويعلق عليها ويجري حوارًا بين المدون العشريني ثم الثلاثيني وبين الأربعيني بنظرته الجديدة للحياة. وفي الوقت ذاته، يكتب تاريخًا شخصيا للتدوين والصحافة وتحولات الحياة الاجتماعية والسياسية من 2005 إلى الآن.

28 رمضان الثامن والعشرون.. عيد ميلاد في مهب الريح

هناك أعوام تبقى في ذاكرتك لما لها من أثر، وذلك العام لم يكُن مؤثرًا بأحداثه، بل بانعدام أحداثه. مع حلول خريف 2008 وبلوغ الثامنة والعشرين، فوجِئت بمرور قرابة عام دون عمل حقيقي. وتأرجحت بين دخول القوقعة والاستقرار داخلها، والتسلل خارجها لاكتشاف العالم. كيف حدث ذلك؟ ألم يحصل الشاب في عيد ميلاده السابع والعشرين على وظيفة جديدة؟ ما الذي دار خلال هذا العام؟

**

بدأ الأمر حين ألقت إليه فتاة شهمة بطوق نجاة وفرصة عمل، قبل احتفاله بعيد ميلاده السابع والعشرين بقليل. وبالفعل، التقى شابًّا سعوديًّا ينفِّذ مشروع بوابة إلكترونية عبر شركة مصرية. ووقع عليه الاختيار من بين عشرات المتقدمين إلى الوظيفة. أتذكر ما حدث. تحولت مقابلة التوظيف إلى مناقشة فلسفية عميقة وتبادل للخبرات، حتى إن مديرة الموارد البشرية كانت تفتح باب غرفة الاجتماعات لتطمئن أن الأمر لم يتحوَّل إلى شجار أو جريمة قتل. سألني: ستعمل هنا في مكتب.. وأنت صحفي حر، هل تدرك ذلك؟ سيتكرر ذلك السؤال في سنوات تالية بالصيغة ذاتها كلما جنحت بعيدًا عن الصحافة.

داخل المكتب، لم أكُن على دراية بشكل العلاقات وأسلوب العمل لدى الشركات الخاصة، ولا أملك الخبرة الكافية لتحمُّل أزمات العمل المكتبي، ولا أدرك معنى وظيفة «مدير مشروع». كنت دخيلًا، أغلب من حولي يعمل في محيط الدعاة الجدد، كما أطلقوا عليهم في تلك الفترة. أصبحت رجل العميل لدى الشركة المُنفِّذة لمشروع البوابة الإلكترونية، ورجل الشركة المُنفِّذة لدى العميل. وكانت مراحل تدشين المشروع طويلة، لذا فإن وجودي لا يفيد، أو هكذا اعتقدت.

بعد فترة عمل قصيرة وكابوسية، خرجت الشركة في عطلة لمدة ثلاثة أسابيع في شهر رمضان، تقليد سنوي اعتادوا عليه كي يتفرغوا للعبادة. عدت من العطلة الإجبارية لأتوحَّد مع الكرسي والشاشة، ولا أجد نقطة انطلاق.

**

في ختام تلك الفترة القصيرة، استدعاني مدير عام الشركة. كان رجلًا مُهذَّبًا، روى لي قصة شخص مرَّ على هذا المكان من قبل وظلَّ يحاول الاندماج مع الجميع، حتى إنه لم يكُن يصلي فأصبح ينزل إلى الجامع مع زملائه، ثم رحل في يوم من الأيام دون رجعة. حكاية تشبه القصص التي يرويها عمرو خالد في برامجه. بحثت عن الحكمة فلم أجد، لكن الغرض منها هو التمهيد لقرار الاستغناء بعد نحو شهرين من العمل تحت مُسمَّى «مدير مشروع».

قضيت الفترة التالية لهذا الحدث المهم في بطالة، قرابة عام، حتى مجيء عيد ميلادي الثامن والعشرين في رمضان التالي، وكتبت في التدوينة السنوية:

كالعادة.. ترتبك حين تُفاجَأ أنه عيد ميلادك المجيد، تختار أن تحيي ذكراك العطرة بتلاوة بعض المصائب والشُّنع التي ارتكبتها مُؤخَرًا. تؤجل لحظة تلقي واجب التهنئة إلى الفاتح من أكتوبر المقبل. إنه التاريخ الذي حدَّده لك السجل المدني منذ 28 سنة.. ألا تتذكر؟“.

قضيت عامًا من العزلة، ويشير أرشيف المُدوَّنة المسكينة إلى أن تلك السنة شهدت أكبر عدد تدوينات على مدار تاريخها.

**

استكملت تدوينتي السنوية بمناسبة عيد الميلاد:

“تقول لمن هم ليسوا حولك، يا لها من ذكرى، ما يزيدها غرابة أن تأتي – للمرة الأولى – مع بداية الشهر الفضيل، فتستبدل كعكة عيد الميلاد ببعض التمرات.. كانت فرصة سعيدة أن دوَّنت عن ذكرى الميلاد رقم 26 ثم أتبعتها في الـ27 بتنويه أيلولي لطيف وكلام تشريني خفيف.. ولمن لا يعرف فأنت -حسب الأكاذيب والدسائس- من مواليد سبتمبر، لكنهم دوَّنوا تاريخ ميلادك في أول أكتوبر حسب عادة بعض المصريين. من الناحية البيولوجية أنت الآن في الثامنة والعشرين”.

شاب مأزوم، يُكرِّر حديثه عن السنوات الماضية، لا يعترف بالهزيمة التي تلقَّاها، فأخذ يلف ويدور حتى أقرَّ.

“ما كل هذه الثرثرة؟! لتعترف أنك لست في مزاج الكتابة عن الثامنة والعشرين، هل تذكر كيف كنت تكتب وأنت في قمة النشوة أثناء احتفالات السابعة والعشرين؟ وقتها كتبت أن العام 27 هو بداية التأسيس، وفرصة التحوُّل، وهو عام التعلُّم والتأدُّب مع النفس، مع النجاح، مع الإخفاق. لا يهم…، هذا ما قيل.. رغم ما تعرَّضت له من إصابات العمل وتشوُّهات الحياة”.

بين لحظتَي احتفال بعيد الميلاد السابع والعشرين والثامن والعشرين، قضيت شهورًا طويلة داخل قوقعة. في الأشهر الثلاثة الأولى بعد ترك العمل، بدَّدت التعويض المالي الذي تلقَّيته من الشركة دون أن أغادر المنزل، أنفقته على طلبات الطعام وأنا مستقر أمام التلفزيون لمشاهدة الأفلام الأجنبية. أعترف الآن بعد كل هذه السنوات، وحتى بعد أن جاوزت الأربعين، أني ما زلت أخشى تكرار تلك اللحظة، بل إن ذكراها ظلت تتحكم فيَّ لسنوات. إحساس بغيض أن يختفي اسمي فجأة من ذاكرة الآخرين، كممثل سينمائي أبعدته الظروف عن الشاشة فلم يجد من يسأل عنه. لم يكن أمامي سوى المُدوَّنة وعالم الإنترنت.

**

في ختام يناير 2008، بعد عدة أشهر من الإقالة، انقطع الإنترنت عن مصر، وسط أزمة عالمية، بسبب قطع في كابلات الاتصالات البحرية بالبحر المتوسط، ثم أصبح الأمر يتراوح بين الانقطاع التام والتباطؤ.

في الأيام الأولى لأزمة انقطاع الإنترنت، كانت الصدمة من نوع آخر، كثير من العاملين «إنترنتيًّا» وجدوا أماكن عملهم تطالبهم بالبقاء في منازلهم بعضًا من الوقت أو الاكتفاء بتأمل سقف المكتب.

الصدمة جعلتني أعتقد أن تاريخ علاقتي بالإنترنت منذ 2000 إلى 2008 كان سرابًا، وأن هذا العالم الافتراضي قد يُضيِّع أرشيفك، أو يُخفي عملك في لحظة، وبدأت أعود إلى جمل متفرقة عن أن «الورق أبقى وأرقى من الإنترنت». في تلك الفترة، كتبت في أحد دفاتري: “لديَّ حالة من الفراغ.. الروحي.. السياسي.. العاطفي.. الفكري.. كأني بلا قلب، تدور في رأسي عدة أفكار.. أثناء الأسبوع الماضي، قلَّ ارتباطي تدريجيًّا بعدة أشياء وعادات، واكتشفت مساحات أخرى وأماكن جديدة مُوحِشة، لكنها آسرة”. نشرت ذلك بعد عودة الإنترنت.

**

كانت بروفة لطيفة للجميع، قبل الانقطاع العمدي الذي سيحدث في 2011 خلال ثورة 25 يناير، وتذكرة لمن هم في حالتي بأن يحذروا من الاعتماد على عالم زائل.

تلقَّيت في 2008 أيضًا ما اعتبرته طعنات نافذة، وهجومًا ضد قضائي أغلب الأوقات عبر الإنترنت، نقلت تلك الطعنات إلى المُدوَّنة. “فيسبوك: موقع مخنث لمجموعة من المترفين، والمُدوَّنات: مساحة لأصحاب الفراغ والأمراض النفسية والعقلية، أما المنتديات: مساحة مناسبة لربات المنازل وأهل التعطُّل الوظيفي، والحملات الإلكترونية: نشاط المخابيل والشخصيات الهيستيرية، وأخيرا فإن الصحافة الإلكترونية: مساحة لمن لا مهنة له”.  كتبت تلك العبارات/ الطعنات كي لا أنسى كيف يرانا الآخرون أحيانًا.

**

تحوَّلت المُدوَّنة في عام كهذا إلى منصَّة للانتقاد وفتح النار على الجميع.

كان التخبُّط واضحًا في البلاد خلال تلك الفترة، وبرز ذلك في يوم 6 إبريل 2008. بدأ الأمر بسعي من عمال الغزل والنسيج في مدينة المحلة من أجل وضع حد أدنى للأجور عبر الدعوة إلى الإضراب. وتضامن مع الدعوة عدد من الحركات السياسية المعارضة، مثل كفاية وحزب الكرامة ونشطاء نشروا الدعوة عبر موقع فيسبوك الآخذ في الانتشار، هؤلاء النشطاء كانوا نواة تأسيس مجموعة شبابية تحت اسم «حركة شباب 6 أبريل». سرعان ما انفلت الأمر في المحلة بعد تحطيم صور مبارك في الشوارع واندلاع موجة عنف في المدينة ذات السمعة الصناعية القديمة، وانتهت بحملة اعتقالات.

نشرة الأخبار على التلفزيون الرسمي تُحذِّر من «محاولات تخريب رصدتها الأجهزة الأمنية»، ولم تكُن تلك التحذيرات معتادة آنذاك، حتى إن بعض المتاجر أغلقت أبوابها. أما الحقيقة، فإن الطقس الترابي هو الذي جعل 6 إبريل يومًا غريبا، وسط ضجيج عالٍ.

ثم ظهرت دعوة جديدة إلى الإضراب والتظاهر في عيد ميلاد مبارك الثمانين يوم الرابع من مايو، وصاحبها صدور قرار رئاسي بمنح العاملين في الحكومة علاوة بنسبة 30%، وبعدها بأيام جاء قرار الحكومة بفرض زيادات كبيرة على أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 20% و35%، ثم رفع أسعار السجائر ورسوم تراخيص السيارات، وفرض ضرائب على المدارس والجامعات الخاصة، كل هذه القرارات لتغطية تكلفة زيادة أجور القطاع العام التي اقترحها الرئيس حسني مبارك.

إحراق صور مبارك في المحلة
إحراق صور مبارك في المحلة
**

وسط كل هذا، أطلقت نار الغضب في الفضاء الإلكتروني تجاه برامج التوك شو، حين انتشرت بين مُقدِّميها نبرة واحدة بعد الإعلان عن إضراب السادس من إبريل. إذ ازدادت خلال تلك الفترة محاولات احتواء الشباب والتقرُّب إليهم عبر البرامج التلفزيونية. سجَّلت هذه المشاهد على مُدوَّنتي. على سبيل المثال، أجرى أحد الإعلاميين مناظرة بين شاب كان قد أُلقِي القبض عليه يوم إضراب 6 إبريل ولواء شرطة سابق. وفجأة انشقَّ الإعلامي بأداء مسرحي ليخاطب اللواء قائلًا: «سيبوا الشباب يعبَّر عن نفسه، دول ناس من جيل تاني يا سيادة اللواء». في آخر الحلقة، تعالت صيحات النداء الإنساني إلى حبيب العادلي وزير الداخلية من أجل الإفراج عن الناشطة السياسية إسراء عبدالفتاح. وهنا ذكر اللواء الضيف أن وزير الداخلية حبيب العادلي إنسان، وسيستجيب إن لم يكُن قد استجاب بالفعل في أثناء تسجيل الحلقة.

تكررت هذه المشاهد المسرحية عبر القنوات الفضائية، حتى إن أحد الإعلاميين وجه دعوة على الهواء للتبليغ عن «المواقع الوِحشة»، وسط إدعاءات من ضيوفه بأن فيسبوك أصبح مرتعًا لترويج الدعارة في مجموعات إلكترونية. وبدأ الإعلام يبحث عن نماذج «الشباب الجميل» و«الشباب اللي يفرِح».

أتابع من بعيد، أشعر أن هناك ما يدور في خلفيات السياسة:

على ما يبدو أننا مقبلون على ملامح تغيير، أو إدعاء تغيير، أو تهديدات بالتغيير، في داخل النخبة الحاكمة، وهذا الطرح يخدم نظرية المؤامرة التي لم أستطِع تطبيقها؛ فنظرية المؤامرة هنا تقول إن تهييج الأحداث بالإضرابات، هو فرصة لاستثارة الناس، وترسيخ احتجاجهم ضد الدولة“.

وتساءلت: “هل هي فوضى خلَّاقة أو حتى استثارة خلاقة.. تستثير -كي تستند إلى- أي حس شعبوي من أجل كسر شوكة رجال الأعمال والسياسيين أصحاب النفوذ؟”.

**

أطالع العناوين الشعبوية في الصحف المستقلة والإعلام الحكومي، وفي أجواء العزلة أفكر في هوية أصحاب هذه العناوين من العاملين بالصحافة.. كم عددهم؟ من منهم يملك صلات قوية بالسلطات؟ هل ينبغي أن يكون الصحفي معارضا؟ بشكل عام، يمثل الصحفيون شريحة ضيقة من المجتمع. على سبيل المثال، بلغ عدد أعضاء الجمعية العمومية في نقابة الصحفيين قرابة 5 آلاف عضو مسجل في جدول المشتغلين عام 2008[1]، وتضاعف العدد ليصل إلى نحو 10 آلاف عضو في 2021[2]. مع الأخذ في الاعتبار أن أعدادا أضخم تعمل دون الحصول على عضوية النقابة، إلا أن المجمل لا يزال يشكل نسبة ضئيلة داخل المجتمع مقارنة بالمهن الأخرى.

أسمع مصادفة من أحد المعارف عن أساليب بعض الصحف الخاصة في الحصول على تمويل من الإعلانات بالابتزاز، ولعب أدوار لصالح آخرين. قصص استمعت إليها من بعيد. تتأجَّج داخلي حميَّة تجاه الصحافة، أراها تأريخًا بإيقاع سريع، كما كنت أُردِّد. دون أن أقلل من شأن التدوين على الإنترنت، فأنا اكتب وأصوِّر داخل أتوبيسات النقل العام، وأسجل يوميات من الشارع، كما أعيش حرًّا دون التزام تجاه أي مؤسسة. وعبر المدوّنة أُطلق الانتقادات صوب الجميع بمزاج عكر، أُحلِّل وأشرح كغيري دون انتظار رد، أفتقد شرعية الصحافة لكن أملك مدونتي “آخر الحارة”.

**

كنت أتعالى بوضوح على نبرة «تغيير نظام الحكم»، معتبرًا أنها هروب من مواجهة أكبر في تغيير المجتمع. لم يكُن هذا الخط رائجًا. وفي مرة -وصفتها بالأولى والأخيرة- كتبت أن أزمة جمال مبارك جزء من تقليد معتاد داخل مؤسَّساتنا في توريث المهن، وظلت تصلني الكثير من الرسائل البريدية التي تسب وتلعن في عائلة مبارك. وظننت “إنه من الترف أن تتناقش أمة متخلفة في قضية شخص واحد وتسقط عليها إحدى سلبيات المجتمع وتشوُّهاته، وكأن مشكلة الوساطة التي أهلَّت جمال مبارك إلى مكانته السياسية المتقدمة هي مشكلة انفردت بها عائلة مبارك.. كأن كل المصريين أبرياء من كل سوء.

كتبت ذلك في تدوينة، وبعدها بأيام وصلتني على البريد الإلكتروني رسالة غامضة من عنوان يخص الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، لم يكُن بها أي محتوى مفهوم، وكأنها بطاقة تعريف. أخبرني أحد من تعرَّفت عليهم عبر التدوين أن محتوى المُدوَّنات تحت أعين جهات كثيرة، أمنية وبحثية، رجَّحت أن الحزب الحاكم إحداها، ودفعني ذلك إلى متابعة سجل الزوار من خلال أداة إلكترونية. وجدت زوَّارًا من مناطق متباعدة، البعض من الولايات المتحدة وآخرون من السعودية، وغيرهم. لم أنسَ المرة التي حددت فيها العنوان الإلكتروني لأحد الزوَّار، وكان في قاعدة عسكرية أمريكية بإحدى دول منطقتنا العزيزة، فأصبح قلبي قابلًا كل زائر.

كانت رسالة الحزب الوطني عبر البريد الإلكتروني تشبه لافتة عملاقة زرعتها السلطات في ميدان التحرير يوم 4 مايو 2008 الموافق عيد ميلاد الرئيس مبارك، حيث توجهت لاستطلاع أجواء الإضراب الذي دعا إليه نشطاء، رأيت استنفارًا أمنيًّا غير مسبوق، تتوسَّطه لافتة رقيقة تقول: «الشباب الجَد.. بيبني مش بيهد». هكذا بدت حيرة الدولة في التعامل مع ما سيأتي من الإنترنت.

وفي اليوم ذاته، تصدَّرت صورة الأب الرئيس محمد حسني مبارك الصفحة الأولى من صحيفة الأهرام، تحت مانشيت «يوم وُلِدت مصر من جديد». أما فنان الكاريكاتير فرسم وحشًا يخرج من شاشة الكمبيوتر، فوقه عبارة: فوضى استخدام الإنترنت.

**

وانعكست حيرة الدولة في تعاملها مع هذه التطورات على أداء الإعلام والعاملين فيه. ولم أجد منفذًا أُعلِّق فيه على تلك الحالة سوى المُدوَّنة، كتبت:

“تلك هي اللعبة الجديدة السخيفة، أن يكون هناك مذيعون، إعلاميون، صحفيون، ظرفاء، باستطاعتهم تقييم الناس. أصدقاء للسلطة، وفي نفس الوقت يمكن اعتبارهم محايدين (حقَّانيين). يهمهم جدا مصر أكثر من أي شاب مُتهوِّر، وحين يستضيفون شابًّا موتورًا يُظهرون له كم يحبونه في الله، ويُقدِّرون حبه لمصر، وأنهم فرحون بالشباب المُتطوِّر، لكنهم في الوقت ذاته يمارسون قرص الأذن بكفاءة.

د. رؤوف عباس
د. رؤوف عباس

لابد أن ذلك الشاب الذي بلغ الثامنة والعشرين كان يعاني من غربة. بعد أن دشَّن الآلاف مُدوَّناتهم منتظرين أن يُشار إلى تدويناتهم في صحيفة ما أو وسيلة إعلامية. كان الأمر يشبه النجوم «الإنفلونسرز» الذين ظهروا لاحقًا بلقطاتهم المُصوَّرة عبر منصَّات إنستجرام وتيك توك.

أما في تلك الفترة، فقد ذكر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري أن عالم التدوین یشھد قدرًا من الخلط بین المعرفة والشائعات. وأضاف في تقرير رسمي أن عدد المدوَّنات المصریة یبلغ 160 ألف مدوَّنة حتى شھر إبریل من عام 2008. وتبلغ نسبة المدوَّنات النشطة 48.3%. بينما قُدِّر عدد المدوِّنين المصريين بأكثر من 162.2 ألف مدوِّن غالبيتهم في الفئة العمرية من 20 – 30 سنة. كنت رقمًا وسط هؤلاء[3].

**

مع مرور الوقت، كان لابد من كسر حالة العزلة التي يعيشها هذا الشاب. يأتيه اتصال لحضور ورشة تدريبية لشباب الباحثين، يحاضر فيها أساتذة في علم الاجتماع من جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية. ينطلق بقوة، ويحاول إظهار بعض التميز خلال المناقشات ويستعرض قراءاته في فترة الاعتكاف. تنتهي الورشة الأولى، ويترك للقائمين عليها توصية بضرورة إقامة ورشة أخرى لخريجي قسم التاريخ، ويتحقق ذلك. وفي الورشة الثانية يتلقَّى الشاب بعض التشجيع الأكاديمي على أمل أن يستمر في مجال البحث، لكنه يتجه إلى التقوقع.

كان يدرك أن هناك فجوة ضخمة بين عالم الصحافة وعالم الأكاديميا. فتجربة إعداد بحث وجمع مادته واختبار فرضياته تحتاج إلى نفس طويل وبيئة مستقرة. بينما تتطلب الصحافة عمقًا أقل وسرعة أكبر ونتائج مثيرة. على هذا الشاب أن يختار بعد أن يحتار، أو أن يسعى إلى مساحة ثالثة يستعين فيها بروح الباحث والصحفي معًا.

بدأ المُدوِّن المعتكف تكثيف كتاباته التي لا يستهدف بها أحدًا، كما يردد دائمًا. يذهب لتصوير عبارات تحمل شبهة الطائفية على جدران الكنائس. ويستدعي من كتب التاريخ ما يرد به على محاضرة لا تخلو من العنصرية ألقاها أسقف قبطي في معهد هادسون بواشنطن.

ليس بإمكانه توقُّع هوية من سيقرأ كتاباته على الإنترنت، لكن المُدوِّنين أنفسهم كان بعضهم يتابع بعضًا. والمتابعة تقود إلى حديث، والحديث يتبعه لقاء. وقد يتحوَّل الأمر إلى صداقة. هكذا تعرَّف على عدد من المدوِّنين في ختام ذلك العام الراكد. عبر لقاءات تجمع أصحاب المُدوَّنات أو في فعالية مثل معرض الكتاب أو مبادرات شارك فيها لاحقًا.

كانت فرصة جيدة لكسر العزلة، إلى أن تلقَّى نصيحة من إحدى زميلات الكتابة الإلكترونية بأن يحطِّم هذا الجمود. وأن يلقي بنفسه في جحيم الصحافة التقليدية، بعيدًا عن الإنترنت.

**

حين عدت بعد بلوغي الأربعين إلى كتابات الثامنة والعشرين، وجدت بعض المفاجآت المثيرة للاهتمام؛ فبعض ما كتبته آنذاك على المُدوَّنة استخدمته في أفكار موضوعات صحفية لاحقًا. كتبت عن صراعات داخل المساجد تحمل روح المباهاة بالمنافسة على تركيب التكييفات أو السجاد الفاخر. وكتبت عن التنظيم الطليعي التابع للاتحاد الاشتراكي في عهد الرئيس جمال عبدالناصر وكيف استمر نفوذ أعضاء هذا التنظيم لفترة طويلة، والفكرتان عالجتهما صحفيًّا لاحقًا بعد سنوات قليلة[4].

وفي تدوينة عن أمنيات عام 2008 وجدت أمنية عن «تغيير نظام الحكم في السودان وتسلُّم قيادة جديدة للسلطة». تحقَّق الأمر جزئيًّا حين اقتربت من الأربعين. كما وجدت في المدوَّنة جملة أخرى تمنَّيت فيها «ظهور قائد سعودي دارس للسياسة ينظِّر لنظام ديمقراطي يصلح للتطبيق». وتحقَّق جزء من طموحي وأنا على مشارف الأربعين، حدثت تغييرات مجتمعية داخل السعودية لم تكن متوقَّعة. أما بالنسبة إلى مصر فكتبت أمنية ضمن أمنيات عدة. وقلت: «حل الحزب الوطني الديمقراطي وإنشاء حزب جديد، مع إجراءات عنيفة ضد المنتفعين السابقين». تحقَّق ذلك بعد سنوات قليلة.

**

ومن المفاجآت، التي اكتشفتها لاحقًا، مقال كتبته في المُدوَّنة عن رثاء أستاذي في قسم التاريخ الدكتور رؤوف عباس. كنت ضمن آخر دفعة دراسات تمهيدية علَّمهم منهج البحث التاريخي. ووجدت مقالي بعد سنوات في موقع رؤوف عباس الذي تديره أسرته ضمن مقالات تناولت سيرة الأستاذ.

كان عامي الثامن والعشرون راكدًا، حتى بدأت في ختامه التعرُّف بمُدوِّنين. وبدأت أفكر في اقتحام عالم الصحافة بجدية، بعد نصيحة الصديقة الجديدة التي رأت أني أطلق عيارات نارية في الهواء عبر المدوَّنة. وأن هناك طاقة يجب أن تنظَّم في شكل محترف. قررت الاستسلام، فربما لن أكون مؤرخًا، لكن قد تتيح لي الصحافة فرصة ما لا أعرفها لتوثيق ما يدور حولنا.

فصل من كتاب “العودة إلى آخر الحارة: كيف تتذكر أعياد ميلادك في الأربعين” لـ عبدالرحمن مصطفى يصدر قريبا عن “مشروع وزيز للنشر”.

اقرأ أيضا

هل أنت مستعد لمشاهدة أبشع فيلم عن الحرب؟

الهوامش

[1] التقرير العام لنقابة الصحفيين (2008)، موقع نقابة الصحفيين المصريين: www.ejs.org.eg

[2] موقع اليوم السابع (2021): “الصحفيين” تتواصل مع هيئة قضايا الدولة للإشراف على انتخابات التجديد النصفى، 3/3/2021

[3]  المدونات المصرية: فضاء اجتماعي جديد، تقرير شهري، مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، السنة الثانية، العدد 17، مايو 2008

[4] أغلب ما نشرته في الصحف والمواقع، جمعته في مدونة أخرى تحمل اسم «أيام الصحافة»: abderrahmann.blogspot.com

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها
زر الذهاب إلى الأعلى