بلا ميزانية أو قاعات أو كوادر.. كيف يستعيد المسرح المدرسي تأثيره؟!

في عام 1879 أسس عبدالله النديم، المسرح المدرسي في مصر، إذ قام بتدريب الأطفال على الخطابة والأدب والتمثيل وتناول الموضوعات التي تنتقد عيوب المجتمع، على مسرح الجمعية الخيرية الإسلامية، وكان أول مسرح تابع للمدارس المصرية في مدرسة الخديوية عام 1922، وتوالت بعدها الأنشطة المسرحية بالمدارس إلا أن الوضع تغير حاليا.. «باب مصر» يستعرض مشكلات المسرح المدرسي.

بداية المسرح المدرسي

شكل ظهور المسرح المدرسي في ثلاثينيات القرن الماضي، علامة مميزة للنهوض بفن التمثيل وتخريج جيل من المواهب الذين أصبحوا فيما بعد نجومًا كبار، وهو ما ذكره العديد من الفنانين في أحاديثهم، وقد اعترفت به وزارة المعارف في حينها وتأسس بها قسم خاص عُرف بـ”تفتيش التمثيل”، ويرجع الفضل في تأسيسه إلي فنان المسرحي الكبير ” زكي طليمات” الذي كان عائدًا من دراسته في الخارج، وتم تعيين طليمات كأول مفتش للتمثيل بوزارة المعارف عام 1939،  ثم قامت وزارة المعارف في عام 1957 بإنشاء المسرح المدرسي للبنات، والذي حددت هدفه على أن يكون مخصصًا لخدمة المنهاج المدرسية، وأن يتماشى مع السلوك التربوي، وكان أول تدريب لمسرح البنات المدرسي في عام 1957 وشاركت فيه 50 مدرسة من المدارس الابتدائية، وفي السابع والعشرين من يوليو عام 1971 صدر القرار رقم 196 الذي نص على إنشاء إدارة خاصة للتربية المسرحية بديوان وزارة التربية والتعليم، وتعميمه على باقي الإدارات بالتابعة بالمحافظات المختلفة، ويمارس التوجيه المسرحي إلى الآن نشاطه في كافة مدارس الجمهورية.

مشاكل ومعوقات

يقول مجدي مرعي، مؤلف ومخرج مسرحي للأطفال وموجه عام التربية المسرحية بمحافظة الإسماعيلية: من خلال تجربتي في المسرح المدرسي بصورته الحالية، أجد أنه إطار كبير وكيان ضعيف، حيث التعارض بين النظرية والتطبيق، لدرجة أن البعض يطلق على أي تجربة مسرحية متدنية أنها مسرح مدرسي.

وعن معوقات المسرح المدرسي يقول مرعي: يفتقر المسرح المدرسي إلى القيادات الفنية المتخصصة، حيث اكتفت وزارة التربية والتعليم بإسناد إدارة التربية المسرحية إلى غير المتخصصين، تلك الإدارة التي تولاها من قبل صلاح منصور، وعدلي كاسب، و سيد الملاح، وغيرهم، حيث يتم في المدارس إسناد النشاط المسرحي إلي أي معلم أغلب هؤلاء ليس لديهم خبرة بالمسرح أو حتى ثقافة مسرحية، بل أن البعض لا يرون ضرورة للفن من الأساس، ويذهب بعض المعلمين للعمل كموجهي نشاط مسرحي طلبا للراحة حيث يقضون سنوات حياتهم المهنية المتبقية بعيداً عن مشاكل ومعاناة العمل بالمدارس.

ويضف مرعي، وتم بالتالي اختزال النشاط المسرحي بالمدارس، وأصبح عبارة عن حفلة تقيمها المدرسة آخر العام، يضاف إلى ذلك عدم وجود نصوص مسرحية مناسبة، وغياب الكتاب الذين يكتبون للمسرح المدرسي، كما أن تصميم الأبنية التعليمة لأغلب المدارس يخلو من مكان عرض مسرحي تتوفر فيه أدنى مواصفات المسرح، إذ أن المسرح يكون عبارة عن قاعة تستغلها أغلب المدارس كمكان لعقد الاجتماعات أو الورش وحفلات التكريم، وتستخدم في بعض المدارس كمخزن للكتب بالرغم من تحذيرات الوزارة، أما خطة مسرحة المناهج الدراسية فلا تنفذ ويتحقق منها سوى أقل القليل في تجارب متفرقة لبعض المدارس، وبعضها ينفذ بطريقة ساذجة لا تمت للفن المسرحي بأي صلة.

بوابة إصلاح المسرح

“إذا كانت مصر مهددة من الإرهاب من قبل تيارات دينية إرهابية متطرفة فالمسرح المدرسي كفيل بالقضاء على الإرهاب”، هكذا يرى الممثل والمخرج المسرحي عزت زين، الذي عمل أيضًا موجهًا عامًا للمسرح المدرسي حتى تقاعده منذ بضعة سنوات، ويقول: لا توجد قرية الآن في مصر ليس بها مدرسة، ومن خلال ما يتلقاه الطالب في المدرسة يمكن أن يتغير تكوينه ونظرته للحياة.

وعن مشاكل المسرح المدرسي يقول زين: لا توجد ميزانيات لعمل نشاط مسرحي حقيقي بالمدارس، حيث يتم تمويل هذا النشاط من جزء يقتطع من الرسوم المدرسية التي يدفعها الطلاب، والتي حددها قرار وزاري أطلق عليه (قرار مقابل الخدمات التعليمية) وهو قرار خاص بالرسوم والمصروفات الدراسية، ويخصص القرار مبلغًا للنشاط الفني من مصروفات كل طالب مسدد للمصروفات بالفعل، وتبلغ قيمة المبلغ المخصص للنشاط الفني في رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية جنيها واحدا، يزيد ليصل إلى جنيه ونصف عن كل طالب في المرحلة الإعدادية، وجنيهان في المرحلة الثانوية، ويتم خصم 15% من هذه القيم لصالح الوزارة والمديرية والإدارة، وتقسم الـ85% المتبقية على الأنشطة التالية: المسرح، الصحافة والإذاعة، التربية الفنية، التربية الموسيقية، نصاب النشاط المسرحي منها 21% من حصة النشاط الفني، وهذا مع الوضع في الاعتبار أن أقل من نصف الطلاب في كثير من الصفوف الدراسية غير مسددين للمصروفات، فكيف يمكن تنفيذ نشاط مسرحي بهذه القروش الهزيلة.

وتابع: يضاف إلى ذلك وأعتقد أنها المشكلة الأخطر، وجود أفكار متطرفة في مدارسنا، وقد كانت لي تجربة بالمدارس لمسرح الجرن مع وزارة الثقافة، اكتشفت خلالها انتشار أفكار التطرف داخل المدارس، فعندما دخلنا المدرسة يوجد فصل بين الأولاد والبنات، وكان لدى أغلبهم أفكار متطرفة ترى أن الغناء والتمثيل حرام، رسم صور الأشخاص حرام، لكن بعد نهاية التجربة قدم الطلاب عرضًا مسرحيًا ومعرضًا مدرسيًا، ولازالت رسومهم إلى الآن تزين أسوار مدرستهم.

ويوضح زين، أن المسرح المدرسي هو بوابة إصلاح المسرح في مصر بشكل عام، فهو البداية و أولى حلقات تعليم الأطفال المسرح وفنونه، التي تستمر معه في المراحل اللاحقة إلى أن يصل للمسرح الجامعي أو مسرح الثقافة الجماهيرية أو المسرح الاحترافي والبيت الفني للمسرح، وقديما كان الفنان زكي طليمات هو مسؤول المسرح المدرسي وهو ما يدل على اهتمام الدولة بهذا النشاط والعمل على نهوضه، وهو الشيء الذي لم يعد موجودًا الآن، حيث لم يعد هناك تدريب للكوادر التعليمية التي تقوم على إصلاح حال المسرح المدرسي، لافتا إلى دور المسرح والفنون بشكل عام في تكوين شخصية الطفل وخلق شخصية متوازنة قادرة على التعامل مع الحياة فيما بعد بكل جوانبها.

قلة المخصصات المالية

ويقول مصطفى حسين، مدرس ثانوي ومسؤول النشاط المسرحي بمدرسته: علاقتي بتوجيه المسرح علاقة ضعيفة، حيث إن زيارات موجه النشاط المسرحي للمدرسة ومتابعة النشاط ليست إلا زيارة روتينية يسجل خلالها فقط أنه قام بزيارة المدرسة، ولكون أغلب موجهي النشاط المسرحي مدرسون زملاء ليس لدى أغلبهم علاقة بالمسرح، لا يستفاد من هذا “الموجه” بأي توجيه.

ويضيف حسين، كما أن ميزانية النشاط المسرحي في المدارس الحكومية ميزانية متدنية للغاية لا تمكن من تنفيذ النشاط، فهل يصح أن تكون ميزانية المسرح بمدرسة ثانوية 150 جنيها فقط في العام، وبالرغم من ذلك وعلى المستوى الشخصي لإيماني بأهمية النشاط المسرحي من غالبًا من أنفق على النشاط من مالي الخاص، لكن لا أجد من يهتم في سواء إدارة المدرسة أو توجيه التربية المسرحية.

ويقول ياسر محمد، مشرف نشاط مسرحي بمدرسة ابتدائية: لا تقتصر المشكلات والمعوقات التي يواجهها النشاط المسرحي عليه وحده، حيث يواجه نشاط التربية الموسيقية أسوأ من ذلك، إذ لا يوجد نشاط من الأساس في أغلب المدارس، وإن وجد فلا يتعدى النشاط موسيقى طابور الصباح، أما بالنسبة للنشاط المسرحي الذي اختزل في أغلب مدارس الجمهورية على مسابقة الإلقاء الشعري، فهذا النشاط في غيبوبة وإن لم يتدخل أحد سيكون مصير هذا النشاط إلى زوال مثل النشاط الموسيقى.

وتابع: الجنيهات القليلة التي تخصص لميزانية النشاط المسرحي لا يمكن أن يتم من خلالها تنفيذ أي عمل مسرحي، حيث لا يمكن أن تنفذ بها ملابس أو بعض قطع الديكور البسيطة أو الإكسسوارات اللازمة لأي عمل وغيرها من المتطلبات الضرورية لعمل مسرحي حقيقي وجاد، لذلك وإيثارًا للسلامة يتم اختزال هذا النشاط في تدريب بعض الطلاب والطالبات على إلقاء قصيدة من الشعر العمودي تلتزم بمعايير غير مكتوبة يحددها توجيه المسرح، وغالبًا ما تكون في موضوعات معينة، إضافة إلى ذلك لا يصرف لمشرف النشاط بالمدرسة بدل انتقال من المدرسة التي يعمل بها إلى مكان المسابقة التي يشترك بها، ويضاف لذلك أن النشاط المسرحي ليس له وقت محدد تتم خلاله التدريبات أو البروفات، فلا يكون أمام المشرف سوى عشرة دقائق من زمن الفسحة.

ويقول إن وضع الأنشطة في المدارس مخزي جدًا، ولا يقتصر على الأنشطة الفنية فقط، بل يصل التقصير وعدم الاهتمام بالأنشطة العلمية والعملية، والتي تعتبر جميعها البدايات الحقيقية التي يمكن من خلالها أن يظهر الجانب الإبداعي عند الطالب، فضلاً عما يحققه النشاط المدرسي من فوائد كثيرة للطالب.

اقرأ أيضا

«صنايعية مصر».. ورش مجانية وحوافز مالية للشباب

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى