دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الكليم والجوبلان في فوة.. تراث يواجه ضعف التسويق وحصار الضرائب

عندما تتجول في مدينة «فوة» التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تختلط رائحة النيل بروائح الخيوط والأقمشة، وصوت المصابغ العتيقة ونغمات الآلات، وضحكات صُناع النسيج اليدوي والكليم والجوبلان.

تأخذك شوارع المدينة الضيقة إلى عالم سحري، ويأسرك نيلها فتغوص في عمق التاريخ وجماليات الإبداع. وتشدك الحركة الدائبة في المكان، فتقترب أكثر من أصحاب مهنة تمثل الفن في روعته، والدقة في انضباطه، وبشاشة صناعه، وأملهم في غدٍ أفضل لمهنتهم التي تحافظ على الهوية وتحمي التراث الثقافي للوطن، وتشكل مصدر رزقهم.

هذه المهنة العريقة تعاني من مخاطر الانقراض بسبب ضعف التسويق وتراجع الاهتمام الرسمي، مما يهدد أحد أهم مكوناتنا الثقافية بالاندثار.

لوحات فنية لكبار رسامي العالم

في البداية، يقول السيد المزاتي، فني نسيج وجوبلان: “أعمل في هذه المهنة منذ 14 عامًا، وورثتها أبًا عن جد. وقد تعلمتها خطوة خطوة حتى أصبحت محترفًا. تبدأ مراحل العمل بالصوف الذي يتحول إلى خيوط، ثم يتم صباغته في مصابغ متخصصة”.

وعن أنواع السجاد اليدوي، أوضح أن منها السجاد السادة، وهو الذي يخلو من أي تشكيلات فنية. بينما النوع الثاني يعرف بـ”المستشرقين”، وهو عبارة عن لوحات فنية لرسامين عالميين أو مصريين. يتم رسمها بالقلم والمسطرة على النول، ثم تنسج خيوطها حتى تظهر اللوحة الفنية كما هي في الأصل.

أما عن الأسعار، فتتراوح أسعار المتر في السجاد السادة بين 200 إلى 300 جنيه حسب المساحة. بينما تصل قيمة المتر في سجاد “المستشرقين” (شغل ويصا) إلى نحو 3000 جنيه.

اقرأ أيضا: رائحته تعلن قدوم العيد.. «سوق الفسيخ» ذاكرة العيد المتجددة في دمنهور

سجاد وجوبلان فوة.. تصوير: محمود دوير
سجاد وجوبلان فوة.. تصوير: محمود دوير 
 ضعف التسويق وقلة الترويج

يقول عزيز دربالة، فني نسيج وجوبلان آخر، إن هذه المهنة التي عرفت بها “فوة” منذ آلاف السنين مهددة بالانقراض بسبب ضعف التسويق، الذي يعد أساس استمراريتها. وأشار إلى أن معظم الحرفيين توقفوا عن تعليم أبنائهم. بعد أن أصبحت المهنة تعاني من كساد شديد. لافتا إلى إغلاق عدد كبير من ورش النسيج والكليم اليدوي نتيجة الخسائر.

وأضاف أن حل هذه الأزمة يتمثل في الترويج للصناعة ومنتجات فوة النسيجية من خلال السياحة. معربًا عن حزنه لغياب الاهتمام بمدينة تمتلك هذه الكنوز الحرفية. مؤكدا أن فوة لا تقل أهمية عن مناطق مثل الحرانية وساقية أو شعرة التي يتم الترويج لها سياحيا. بينما لا تحظى بأي دعم كاف من الجهات الرسمية.

وأوضح دربالة أنه حتى عند قدوم السياح لا يسمح لهم غالبا بالتعرف على ورش النسيج والكليم. وتقتصر زيارتهم على بعض الأماكن الأثرية. كما أن المشاركة في المعارض الخارجية مكلفة للغاية بسبب ارتفاع إيجار المساحات. وطالب بدعم من المحافظة ووزارتي الثقافة والسياحة لهذه الصناعة. مشيرا إلى أن دخل الحرفي اليومي لا يتجاوز 300 جنيه.

وحول عملية “تبكير” الغزل التي تحول الخيوط، قال ياسر، صاحب ورشة لتحويل الخيوط من شلة إلى بكرة، إنه يعمل في هذه المهنة منذ نحو نصف قرن، أبا عن جد. بناء على طلب أصحاب ورش النسيج

كيف نميز بين الكليم والسجاد؟

يقول عادل سبعاوي، 67 عامًا، إنه يعمل في صناعة السجاد والكليم منذ أن كان في الخامسة من عمره. موضحا أن الفرق بين الكليم والسجاد أن الكليم مصنوع من صوف خالص. ولذلك فهو أعلى سعرا وقيمة من السجاد الذي لا يكون من الصوف بالكامل.

وأشار إلى أنه توقف عن تعليم أبنائه بسبب تدهور أوضاع المهنة وركودها نتيجة غياب التسويق. مؤكدا أنه قد يأتي يوم وتختفي فيه هذه الحرفة إذا لم يتم دعمها. موضحا أن عدد الورش تراجع بشكل كبير، فكان شارع الفتح يعج بأصوات الصنايعية كأنها موسيقى لا تتوقف. أما الآن فقد أغلقت معظم الورش.

وتابع: “نحن من علمنا صناعة الكليم اليدوي في مختلف أنحاء مصر. ولذلك يتميز منتج فوة بمهارة الصنايعي الذي يتقن عمله أبا عن جد”. وقال منير إن هذه المهنة تواجه خطرا كبيرا نتيجة عجز التوريد. مشيرا إلى معاناة العاملين بها بسبب تراجعها وسوء أوضاعها.

اقرأ أيضا: من وهج الثقافة إلى صمت الجدران.. «مقهى المسيري» بدمنهور ذاكرة تتحدى النسيان

فني نسيج يعمل في صناعة السجاد اليدوي بفوة.. تصوير: محمود دوير
فني نسيج يعمل في صناعة السجاد اليدوي بفوة.. تصوير: محمود دوير
وحدة الحرف التقليدية بثقافة كفر الشيخ

في محاولة للحفاظ على التراث الثقافي المميز لمدينة فوة، والمتمثل في صناعة السجاد اليدوي والكليم والجوبلان. تم إنشاء وحدة الحرف البيئية داخل قصر ثقافة فوة لتعليم الشباب فنون النسيج اليدوي.

وقال محمد الغرباوي، مدير قصر ثقافة فوة، إن الوحدة تقدم دورات تدريبية. وقد أنشئت عام 2005، وكان بها عدد من الموظفين الذين خرجوا على المعاش. وأضاف أنه تم الاستعانة بعدد من الشباب بنظام التعاقد. ويستهدف البرنامج تدريب شباب المدينة وطلاب المدارس الفنية. من خلال دورات تجمع بين الجانب النظري والعملي، مع التعريف بتاريخ المهنة وخطواتها.

وأكد السعي إلى ترسيخ هذه الصناعة في وعي الشباب لحمايتها من الاندثار. دون أي مقابل مادي من المتدربين، مع التعاون مع جامعة كفر الشيخ وكلية التربية النوعية وأساتذة الفنون التشكيلية في إقامة المعرض.

وأوضح الغرباوي أن هذه المنتجات تعرض في معارض تابعة للهيئة العامة لوزارة الثقافة. ويتم تسعيرها من قبل الوزارة، وغالبا ما تكون أسعارها أقل من مثيلاتها في القطاع الخاص. كما أشار إلى أن المدربين من الحرفيين المتعاقد معهم بنظام اليومية منذ نحو ثماني سنوات. وأن بعضهم يطلب دعما لإنشاء مشروعات خاصة بعد انتهاء التدريب.

تقاعد العمالة الماهرة

تقول الدكتورة جاكلين بشرى، أستاذة بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا ومديرة فرع ثقافة كفر الشيخ السابق، إنها أعادت تشغيل وحدة الحرف البيئية عام 2019 بعد توقفها بسبب تقاعد بعض الموظفين. وقامت بالتعاقد مع شباب من الحرفيين. وأوضحت أن طبيعة التعاقد الحالية غير مستقرة. معربة عن أملها في تثبيتهم بوزارة الثقافة لضمان استمرار الوحدة في أداء دورها.

وأكدت أن أزمة فوة الأساسية تكمن في غياب التسويق. مشيرة إلى أن المدينة تعمل في ثلاثة أنواع من المنتجات، وهي: الكليم، والجوبلان الذي يعتمد على الرسوم التلقائية. و”المستشرقين” وهي لوحات لفنانين عرب وأجانب. بالإضافة إلى الكليم، فضلا عن “شغل القصاقيص القماش” وهو منتج ذو طابع سوقي.

سجاد وجوبلان فوة.. تصوير: محمود دوير
سجاد وجوبلان فوة.. تصوير: محمود دوير
فوة أصل الحرفة

تضيف الدكتورة بشرى أن فوة هي التي علمت مصر هذه الحرفة، إلا أن قرية “الحرانية” نجحت في الحفاظ عليها من حيث جودة الخامات والتصميمات، وساهم المعماري ويصا واصف في دعم وتسويق منتجات النسيج اليدوي هناك. وشددت على أن المهنة في فوة معرضة للاندثار بسبب ضعف التسويق، رغم أن معظم سكان المدينة من الحرفيين المهرة، إلا أن كثيرين تركوا المهنة بسبب ضعف العائد، ولم يتبق سوى مصبغة واحدة.

وأشارت إلى أنها طالبت مرارًا، من خلال المجلس الأعلى للثقافة، بدور أكبر للدولة في تسويق منتجات فوة، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن. كما دعت إلى “صون عاجل” لصناعة الجوبلان والكليم والسجاد اليدوي، مؤكدة أن ذلك سيسهم في الحفاظ على هذا التراث النادر والمهم.

وطالبت الدكتورة جاكلين أيضا بإعفاء الحرفيين من الضرائب، وتقديم الدعم اللازم لهم في عمليات التسويق، حفاظا على الهوية الثقافية والتراث الحضاري، وفيما يتعلق بعلاقة فناني كفر الشيخ بالوحدة، أوضحت أنه تم تنفيذ أعمال ولوحات لفنانين تشكيليين من بينهم الدكتور عبد الوهاب محسن وآخرين.

اقرأ أيضا:«كنيسة البشارة».. ترنيمة قديمة في قلب دمنهور

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.