القاهرتان (5): الخديو إسماعيل…مشروع طموح ونهاية درامية

تُعد السياسات التي اتبعها الخديو إسماعيل استكمالًا لمشروع الحداثة المصرية التي ابتدأها جده محمد علي باشا كما أسلفنا. وبالرغم من اجهاض طموحات هذا الأخير التوسعية ومن السياسات الرجعية التي اتبعها كلًا من عباس وسعيد على اختلاف درجة تعاطفهما مع المشروع الحداثي. فإنه تجدر الإشارة إلى أن الواقع المصري في بداية عهد إسماعيل كان يتمتع بدرجة من الاتزان الاقتصادي كما كانت القيم المجتمعية تمر بمرحلة تحول مهمة ومتسارعة.

تسلم إسماعيل الحكم سنة 1863 فضاعف المساحة الزراعية التي كانت قد تضاعفت ما بين 1820 و1840 على يد محمد علي، ساعد نشوب الحرب الأهلية الأمريكية – حرب الاستقلال- على تحقيق طفرة في تجارة القطن ومن ثم تحقق دخلت الدولة المصرية في مرحلة ازدهار كان من المفترض ان تكتمل بافتتاح قناة السويس 1869. لكن هذا الازدهار بدا لإسماعيل أبديًا فراح يستغله في سبيل تحقيق سياسات اختلنواياها على المؤرخين: أكانت ضرورة في سبيل برنامجه الحداثي أم كانت لأغراض شخصية أراد بها الخديو تمجيد نفسه وتوطيد نظامه؟

من هذه السياسات الملتبسة مغامرة إسماعيل بغزو أثيوبيا بغرض توسيع مملكته والرشاوي الضخمة التي دفع بها إلى الباب العالي في سبيل الحصول على لقب خديو وتغيير نظام وراثة العرش ليكون في أكبر أبناءه في محاولة لتوطيد حكمه المطلق. في نهاية المطاف لم ينجح إسماعيل في ضم أثيوبيا ومُنيت جيوشه بهزائم ساحقة و لم يستفد من لقب الخديو وفرمان الوراثة سوى ابنه محمد توفيق – الذي كان حكمه “وبالًا على البلاد” على رأي عبد الرحمن الرافعي – ثم حفيده عباس حلمي (الثاني) الذي خلعه الإنجليز لميوله العثمانية في مطلع الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى) فألغوا بذلك اللقب والفرمان اللذان لم يعمرا سوى مدة تقل بقليل عن النصف قرن وهي مدة تمثل دورة حياة لرجل قصير العمر. راحت بالتالي أموال الدولة على يد إسماعيل سدى.

**

على أن المشروع الحداثي في عهد إسماعيل ارتبط بفكرة تحويل العاصمة المصرية من مدينة عثمانية “تحمل الخصائص الاسلامية التقليدية” بحسب تعبير المؤرخ جان لوك أرنو إلى حاضرة تطاول أكبر مدن أوروبا. ومن ثم استطاع إسماعيل أن يكرس كل الجهود لتحقيق هذا الغرض حتى تحولت القاهرة بالفعل إلى “عاصمة لمصر أقل تبعية للباب العالي”. بالرغم من ذلك فإن خزانة الدولة لم تكن لتتحمل تكاليف المجهودات التي قام بها إسماعيل في سبيل تحقيق مشروعات ناجحة أو تلك التي باءت بالفشل الذريع. ومن ثم سقط إسماعيل في نفس الفخ الذي تورط فيه سلفه سعيد باشا: الاقتراض. توحشت الديون في عصر إسماعيل ولاح في الأفق شبح الافلاس فلم يجد هذا الأخير بدًا من بيع أسهم مصر في قناة السويس إلى إنجلترا وهو تصرف موسوم بعدم الوطنية لأنه بذلك اخضع القناة التي حفرها المصريون بدمائهم للسيطرة الإنجليزية.

تمثال الخديو إسماعيل في الاسكندرية- رسوم احمد علي توفيق
تمثال الخديو إسماعيل في الاسكندرية- رسوم احمد علي توفيق

صحيح أنه يبدو مضحكًا الحديث عن مسئولية الحفاظ الوطنية لدى حاكم أجنبي لاسيما أن لعنة التفريط في ممتلكات الدولة الأصيلة سبق أن لحقت بأسلاف إسماعيل: محمد علي باشا وعباس باشا. اقتلع الأول مسلة فرعونية بارتفاع 75 قدم من أمام معبد الأقصر ليهديها لملك فرنسا لويس فيليب – هي مسلة ميدان الكونكورد الشهيرة – وفي المقابل حصل على “ساعة دقاقة” وصلت معطلة سنة 1845 ونصبها محمد علي في برج حجري أعلى مسجده الشهير بالقلعة. ظلت الساعة معطلة وفشلت محاولات تشغيلها على مدار 175 عام تألقت خلالها مسلة الكونوكورد لتصبح أشهر مآثر باريس حتى اليوم. أما عباس باشا فقد تحركت عاطفته عندما أًعجب دوق مكسيميليان ولي عهد النمسا بمتحف الأثار الفرعونية بالقلعة لدى زيارته مصر أواخر سنة 1848 – وكان المتحف نواة لمشروع كبير لحفظ الأثار المصرية القديمة – عز على عباس أن يرجع الدوق إلى بلده فارغ اليدين فأهداه مقتنيات المتحف كاملةً!

**

إذن بيعت أسهم مصر في شركة قناة السويس سنة 1875 وليت البيع أدى لتسوية الديون بل أن الموقف تفاقم بإنشاء صندوق الدين في السنة التالية. كانت مهمة صندوق الدين هو الاشراف على سداد ما يزيد على 94 مليونًا من الجنيهات الاسترلينية تدفعها الحكومة المصرية للدائنين بفائدة 7 في المائة على مدار 65 عامًا!

 افتتاح قناة السويس- لوحة الفنان محمود سعيد
افتتاح قناة السويس- لوحة الفنان محمود سعيد

استحالة السداد وصعوبة الموقف السياسي في مصر شجع إنجلترا وفرنسا بمباشرة أطماعهما في البلاد فتم إعلان الرقابة الثنائية في نفس السنة من البلدين اللذان فرضا على الحكومة المصرية تعيين وزير فرنسي وآخر إنجليزي للمالية والاشغال تحت رئاسة الأرمني نوبار باشا. لم يقبل الوطنيون المصريون التدخل الأجنبي وقرر إسماعيل أن “يلعب الكارت الأخير” فأجبر نوبار على الاستقالة تاركًا لشريف باشا صاحب الميول الوطنية أن يشكل وزارة قوامها من المصريين وهنا أدركت الدول الدائنة خطورة بقاء إسماعيل في الحكم فأوعزت إلى الباب العالي بعزله في سابقة لم تحدث منذ عزل خورشيد باشا سلف محمد علي قبل 65 عامًا كما لم تحدث إطلاقًا في أسرة محمد علي.

وفي ظهر يوم الخميس 26 يونية 1879 وصل تلغراف “الإرادة السنية” إلى سراي عابدين ونصه بالعربية كالتالي:

“إلى سمو إسماعيل باشا خديوي مصر السابق

إن الصعوبات الداخلية والخارجية التي وقعت أخيراً في مصر قد بلغت من خطورة الشأن حداً يؤدي استمراره إلي ايجاد المشاكل والمخاطر لمصر والسلطنة العثمانية ؛ ولما كان الباب العالي يرى أن توفير أسباب الراحة والطمأنينة للأهالي من أهم واجباته ومما يقضيبه الفرمان الذي خولكم حكم مصر، ولما تبين أن بقائكم في الحكم يزيد المصاعب الحالية، فقد أصدر جلالة السلطان إرادته بناء على قرار مجلس الوزراء بأسناد منصب الخديوية المصرية إلي صاحب السمو الأمير توفيق باشا وأرسلت الإرادة السنية في تلغراف أخر إلي سموه بتنصيبه خديوي لمصر، وعليه ادعو سموكم عند تسلمكم هذه الرسالة إلي التخلي عن حكم مصر احتراماً للفرمان السلطاني”.

**

وجاء يوم الاثنين 30 يونية ليشهد خروج “الخديو السابق” من سراي عابدين للمرة الأخيرة متوكئا على نجله توفيق في موكب حزين. ودع إسماعيل ابنه ورجال دولته في محطة القطار ولم يفته أن ينصح الحاكم الجديد:

“لقد اقتضت إرادة سلطاننا المعظم أن تكون يا اعز البنين خديوي مصر، فأوصيك بأخوتك وسائر الآل براً، واعلم أني مسافر وبودي لو استطعت قبل ذلك أن ازيل بعض المصاعب التي أخاف أن توجب لك الارتباك، على أني وأثق بحزمك وعزمك، فتبع رأي ذوي شوراك، وكن أسعد حال من ابيك ”

اثبتت الحوادث فيما بعد أن نصائح إسماعيل كانت بالنسبة لتوفيق مجرد “فض مجالس” فلم يستمع للشورى ولم يجنب البلاد مغبة الاحتلال ثم تركها في أضعف ما يمكن أن تصل إليه الأمم من أحوال فلم يكن كما تمنى أبوه أوفر حظًا ولا أسعد حالًا. ذهبت إذن نصائح إسماعيل الأخيرة أدراج الرياح كما ذهب هو نفسه على متن الباخرة “المحروسة” إلى نابولي حيث أعد له صديقه ملك إيطاليا قصرًا اتسع لزوجاته ولأبنائه ثم بعد تسع سنوات انتقل منها إلى الآستانة وحلم العودة المستحيلة للحكم لا يفارقه حتى سنة 1895 وفيها عاد أخيرًا إلى مصر جسدًا بلا روح ليدفن في جامع الرفاعي إلى جوار والدته خوشيار قادين في عهد حفيده الخديو عباس حلمي.

قاهرة إسماعيل وأسطورة الحداثة

تناولنا في أول الحلقات الظروف السياسية والعمرانية التي نشأت فيها قاهرة إسماعيل وقلنا إن الخديو وجد ضالته في مشروع هوسمان في إعادة تخطيط العاصمة الفرنسية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولكن يحق لنا أن نسأل هنا لماذا مشروع هوسمان تحديدًا؟ ربما نجد الإجابة في رؤية عالم الانثروبولوجيا والجغرافيا البريطاني ديفيد هارفي عن المشروع وهي التي شرحها تفصيلًا في كتابه “باريس عاصمة الحداثة”. يرى هارفي أن فكرة القطيعة الجذرية مع الماضي هي الفكرة الرئيسة وراء مشروع هاوسمان. إذن تطبيق سياسة “الصفحة البيضاء” كان لزامًا لتأسيس مجتمع فرنسي جديد مقطوع من تاريخه ومن ماضيه. من ثم يظهر مفهوم “النسف الخلاقً” بحسب هارفي وراء تجربة هوسمان الحداثية. ويقطع هارفي بأن تأصيل مفهوم النسف الخلاق للماضي في الوعي الجمعي الفرنسي قد تم بهدف خلق أسطورة مرجعية تخدم أغراض الحكم الامبراطوري المطلق حيث تعمل الأسطورة على تسويقه للجماهير على أنه “البديل الوحيد” لبناء الحاضر والمستقبل.

أذا اسقطنا ما سبق على حالة قاهرة إسماعيل نتبين أن الخديو ربما قد تأثر بنتائج عملية النسف الخلاق لماضي باريس فرأى وجوب تطبيقها على القاهرة.  وهي بالمناسبة تشبه عملية “الصفحة البيضاء” التي ابتدأها بونابرت واستكملها محمد علي (راجع الحلقة الثالثة من السلسلة) – طمح إسماعيل في تكرار الحالة الفرنسية لخدمة أغراض نظام حكمه وربما أغراضه الشخصية أيضًا. غير أن تكرار التجربة لم يكن ليخلو من المغامرة ويحضرنا هنا تعبير أرنو عن إدارة التجربة في القاهرة “رغم كونه مدير يتسم بالحذر لكنه (إسماعيل) ليس أقل من مُضارب”. تقتضي الأمانة العلمية أن نتحقق من كلام أرنو وليس في سبيل ذلك أفضل من وضع شخصية إسماعيل تحت المجهر وفي ميزان التاريخ…وهو موضوع الحلقة القادمة.

اقرأ أيضا:

القاهرتان (4): ولكن أين كان الشعب؟

مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى