كرة القدم بين «الظواهر الأنثروبولوجية» و«الفرجة الشعبية»
لعبة مراوغة، لعبة يتطهر فيها المتفرجون من آلامهم، ويحلمون بانتصار يتحقق بأقدام غيرهم. يهربون بقلوب فرحة ومتشوقة للمشاركة الجماعية، وتفريغ شحنات كادت تنفجر في الجسد، لولا هذا الحماس الجماعي الفرحان، الذي يجد لنفسه فضاءً واسعًا للتعبير عن المشاركة.
ويبدو أن هذه المشاعر قديمة، تستمد خيوطها من جدودنا. وبالرغم من أنني لست من هواة عبادة الأسلاف، أو التجذير لكل واقعة أو حدث لجعله مصريًا، لكنني أؤكد في الوقت نفسه أنه لا يجب أن نحرم أنفسنا من مجدنا الحضاري وتاريخنا المصري العظيم، الذي صار نهبا للعالم كله. إنهم يغترفون من البئر، مرات بالحيلة و أخرى بالسرقة، وثالثة بالنسبة إلى تاريخهم المصنوع.
ولعلها فرصة للتأمل، والتريض في حدائقنا الحضارية، والتعرف إلى سبيكة القيم والفنون والحركة التي رسمت عالمًا لملامح المصرية، التي يجاهدون في تشويهها. فقط سنمر بأرواحنا على مقابر بني حسن، حيث عظمة الرسوم وحضورها الطاغي، وسنبث فيها الروح لنشاهد، بل لنجرب أن نلمس بأعيننا ألعاب الجدود.
نستعيد معهم لعبة “الحكشة” المصرية التي صارت لعبة عالمية، فالحكشة لعبة مصرية قديمة اخترعها الجدود، ومارسوا بها اللعب، وتوارثها المصريون منذ آلاف السنين، وظلت الكرة تجري بين أقدامهم وأمام عصيهم، ينقلون قواعدها وأدواتها ومهاراتها من جيل لآخر، ويلعبونها في القرى والأحياء الشعبية.
وكان أبناء هذه الأرض يمارسون هذه اللعبة حركةً ومشاهدةَ وجدلًا، في طقس شعبي يتفاعل فيه الجميع، والكرة هنا مجرد أيقونة للاجتماع والتسرية والرياضة وتأكيد المهارة. وهكذا ظلت راسخة على أرضنا، حتى شاهدها الإنجليز وأعجبوا بها أثناء احتلالهم مصر، فأخذوها ونقلوها لبلادهم، فصارت “الحُكشة” “هوكشه”، وتطورت المفردة حتى صارت “هوكي”.
الحكشة.. لعبة المصريين المنهوبة
كانت لعبة الحكشة لعبة أبناء الشعب، يلعبها الأطفال في الحواري والأزقة. ويمكننا أن نلخص بعض قواعدها، حيث توضع الكرة في منتصف أرض الملعب بين فريقين، ثم يقول عريف إحدى الفرقتين: “ترنيزة”، فيرد عريف الفريق الآخر، بقوله: “بحري الجيزة”.
ها هي الحكشة التي جذورها في مصر، وفروعها في كل بلاد العالم وأمام عصي شبابهم. ولا يقتصر الأمر على كرة الحكشة، لكن المتأمل لمقابر بني حسن بالمنيا سيجد عددًا وافرًا وثريًا من الألعاب الرياضية، لا مقام هنا لرصدها أو التدليل على شعبية بعضها وانتشاره على مدى المعمور المصري.
لكننا نود أن نشير هنا إلى لعبة كرة القدم، التي تؤكد بعض الإشارات التاريخية والرسوم الجدارية أنها تعود إلى المصريين القدماء، حیث اكتشف بعض الباحثين كرات مصنوعة من الكتان، وبعضها من جلود الحیوانات، في مقابر المصریین القدامى.
كذلك اعتمد البعض على الرسومات التاریخیة واستكشافات علماء الآثار ليؤكدوا أن المصریين لعبوا كرة القدم إلى جانب الحكشة، وهي لعبة من ألعاب الكرة. وقد رصد المؤرخ الإغریقي هیرودوت، بعد أن زار مصر عام 460 قبل المیلاد، مجموعات من الأطفال الصغار یلعبون بكرة مصنوعة من جلد الماعز أو القش، ویسعى كل واحد لتسجیل الأهداف عن طریق الوصول إلى خیط مربوط بین عمودیین.
أليست هذه كرة القدم التي مصدرها مصر؟ وإن راح البعض يردد أن كرة القدم بدأت ونشأت في مصر على ید الإنجلیز في وقت الاحتلال البریطاني، وماذا نفعل إذن في الرسوم القديمة والكرات المعثور عليها في المقابر؟ هل نكذب التاريخ من أجل عيون الإنجليز؟
إننا لا نملك يقينًا، لكن الإشارات والمعاينات تأخذنا إلى جذورنا التي استعادها الإنجليزـ ربما ـ وأخذوا يلعبونها في معسكراتهم، فساهموا في ردم الفجوة بين تاريخنا القديم المنسي وحب المصريين لكرة القدم.
وإذا تأملنا تاريخ هذه الكرة، سنجد أن البعض من أصحاب نظرية الأصل الواحد، التي يمكن من خلالها أن ينتشر العنصر الثقافي – والكرة هنا تمثل العنصر الثقافي- يرون أن مصر هي الأصل، بينما يتصارع آخرون ليجعلوا أصلها في الصين أو اليابان أو اليونان أو إنجلترا.
أما أصحاب نظرية تعدد مصادر النشأة، فقد يرون أن كل هذه الأماكن قد استقبلت الكرة في وقت واحد، لحاجة اجتماعية ونفسية وروحية، وما يزال التنافس قائمًا، لأن لعبة كرة القدم تقوم على التنافس، وتحقيق هدف المتعة وإحراز الأهداف، على مسرح من النجيل والجمهور حاضر ومتفاعل ومدرك لقوانين اللعبة، وكل شيء يتم بوضوح دون ماسكات، بما يجعلنا أمام دراما شعبية، يتحلق فيها الجمهور حول الملعب، ويمارس نوعًا من التطهر. فهل نعد كرة القدم، في هذا السياق فرجة شعبية؟
اقرأ أيضًا: بين الملعب والحارة.. رحلة «الكرة» في السينما والدراما المصرية
الفرجة الشعبية
هل الكرة فرجة؟ وهل هي جماهيرية أم شعبية؟ وهل يتحقق فيها إمكانات المهارة الفردية أم الجماعية؟ وهل يمكن قراءة تطورها وفق السياقات الفرجوية التي نراها في فنون الجماعة الشعبية؟ وما هو مفهوم الفرجة؟
إن الحديث عن التراث الثقافي للفرجة الشعبية، بوصفها فضاءً ثقافيًا رحبًا له امتداداته التاريخية والجغرافية العميقة الجذور، سيلقي بنا في عدد من الأشكال والصيغ التي تتجلى في شكل طقوس وشعائر أو احتفالات أو عادات، يمتزج فيها الرقص بالغناء والعزف.
كما تعتمد اللغات والوسائل المعبرة، بما فيها الكلمة، سواء كانت غناءً أو “دخلات” للمباريات، التي تكون أرضًا للإبداع والتنافس على المستوى الحركي والتشكيلي، إضافة إلى لغة الجسد عبر الإشارات والرقصات والحركات.
وتخضع الفرجة الشعبية عند جماهير الكرة لمجموعة من القواعد والقوانين المنضبطة المتفق عليها من قبل المشجعين، وهو ما يتمثل في التنظيم والدعم والنقل، وإعداد “الدخلات” للمباريات، وعمل السينوغرافيا الخاصة بشكل المدرجات.
وهو ما يظهر في مفردات وتراكيب النصوص المؤداة، وطرائق العرض ونوع الملابس، والتقنيات والوسائل، وكذلك الزمان والمكان.
وتجدر الإشارة إلى أن فنون الفرجة لا تخلو من التسلية والمرح، والجد والهزل أحيانًا وعناصر المعتقد، مما يجعل المدرجات احتفالية كبيرة ومسرحًا شعبيًا بعناصره كافة. فنرى كرنفالًا يشارك فيه معظم الحضور، ويتفرجون على ذواتهم وهي تبدأ رحلة التطهير النفسي والعلاج من الآلام التي تسكنهم، لتخرج من الأجساد، وتتم بالرقص والتفريج عن القواهر والمخاوف والمكبوتات والحلم بالنصر.
يلقي بنا مفهوم الفرجة، كما يقول د. أبو الحسن سلام، إلى معنى الانفراج؛ والانفراج عكس الكبت والتأزم، والفرجة هي الخلوص من الشدة، وعند المولدين اسم لما يُتفرج عليه من الغرائب، وهي المشاهدة. والانفراج، شأنه شأن الأزمة، وشأن الذروة عنصر من عناصر الحبكة في البناء الدرامي التقليدي، والانفراج هدفه الكشف والتنوير والحل بعد وصول الأزمة إلى ذروتها في أي حدث درامي تقليدي. فالانفراج شيء مريح للمتلقي، وهو نهاية لصراع ما يترتب عليه توتر وتشويق.
فهل لذلك علاقة بكرة القدم؟ وهل يمكن نتشوف الانفراج والأزمة وراحة المشاهد حين يفوز فريقه، أو حتى حين يحسن اللعب حتى لو لم يفز؟
تعالوا نتأمل معًا الفرحة التي تكون متنفسًا للجمهور بعد فوز فريقه. وليكن مثالنا مباراة مصر مع الكونغو وأحداثها الدرامية، حيث الفرحة العارمة بإحراز الهدف الأول في فريق هو أضعف فرق المجموعة، ثم تعادل الكونغو في الدقائق الأخيرة، لينقلب الملعب/ ساحة المشاهدة، إلى عيون زائغة ودموع تجري على الوجوه. ثم انفراجة الأزمة بحصول مصر على ضربة جزاء، يتوجه محمد صلاح للعبها وإحراز هدف الفوز، والقلوب كلها تتضرع لله في الملعب وأمام الشاشات.
وتتحول الأزمة إلى حالة من الهيستيريا الفرحة، لتكون عنوانًا لفيلم مييودرامي، بطله محمد صلاح، في لقطة الختام السعيدة التي جمعت الجمهور ليرقص ويخرج للشوارع معلنًا عن الانتصار بأصوات الكلاكسات والطبول والدفوف وإطلاق رصاصات الصوت فرحًا بالنصر.
وتناست مصر أزماتها، لتترك المجال ليتحدث الكرويون عن الخطط والآمال واللاعبين وأدوارهم وسيناريوهات النصر القادمة. ودخل المضمار رجال السياسة والإعلام، وأصحاب الأبواق الإعلامية الزاعقة، لكن يظل المشهد الحقيقي هو تحلق الجمهور حول الشاشة أو الملعب، ليتفاعل مع كل حركة ولمسة في المباراة.
مسرح من العشب الأخضر
نحن إذن نتحلق حول مسرح من العشب الأخضر، يتحرك عليه 22 لاعبًا، وفي قلب المشهد مدربون وآلاف المشاهدين، وكرة يتم ركلها وفق خطط وطرائق لإحراز هدف في المرمى.
إنه صراع، وتدريب بدني ونفسي وخططي، ومعلقون ومحللون ونقاد وصلوا، عبر ساعات من الجدل، إلى ما يمكن أن يطلق عليه سرديات كرة القدم وجمالياتها، من خلال اللوحات الشارحة، وتحريك العلامات، وضبط الزوايا، والوقوف عند كل لعبة ومشاهدتها لقطة لقطة، وإيضاح مهارات وإمكانات كل لاعب وكل مدرب.
كل هذه المدخلات جعلت لكرة القدم امتدادًا عند كل شعوب العالم تقريبًا.
اقرأ أيضًا:«ابتكرها الفقير وسرقها الغني».. كيف أصبحت كرة القدم لعبة المليارات؟
سلم القيم وأفكار الانتصار والهزيمة
إن كرة القدم صارت نوعًا من الفرجة، وراكمت تراثًا ثقافيًا من الأغاني والإشارات والرقصات والأعلام، وطرائق من الزي والألوان، وخلقت فضاءً رحبًا للصناعات والاقتصاد ـ ولسنا هنا في مجال مناقشة قيمته ـ كما أجدت جدلًا على صفحات التواصل الاجتماعي والشاشات والجرائد.
بل أدخلتنا في مناوشات سياسية، واستغل البعض حضور الجمهور فروج لفكرته السياسية، أو مارس العنف، أو أعلن عن انتمائه. كما لا تخلو اللعبة بتشكلها، من لغة الجسد في الملعب وبين الجمهور والمدربين، بما تحمل من إشارات الرفض والانحياز والفرح والغضب، وجميعها تحتاج لرصد يربطها بفكرة الفرجة والمخزون الثقافي والانفعالي للجمهور قبل وأثناء وبعد مشاهدة المباراة.
فالمباريات لم تعد مجرد مجموعة من اللاعبين يمارسون صراعًا على كرة منفوخة بالهواء ليحققوا الفوز فحسب، لكنها صارت فعلًا متسعًا لرصد جزء مهم من سلم القيم وتعالقه بأفكار النصر والهزيمة، وتحقيق الأهداف ووسائل تحقيقها، والانتماء وتحولاته، والتنفيس عن المكبوت، والملاسنات اللفظية، والنكات، والعبارات والصور الساخرة، والمتابعات التي يجرها البعض لأرض أوسع من كرة يتقاذفها اللاعبون.
وتصاحب هذه اللعبة أبعاد يمكن أن نطلق عليه الأبعاد “الأنثروبولوجية”، التي تتمظهر في الكلام حول السحر، والرقصات الطقوسية، والأزياء الشعبية الدالة على مناطق الشعوب الإفريقية والآسيوية… إلخ، أو حتى الإشارات الأنثروبولوجية التي تذهب بنا إلى تاريخ وتراث المنطقة وبعض عاداتها وتقاليدها وقبائلها، خاصة في البطولات الكبرى القارية أو بطولة كأس العالم.
إن المتأمل لهذه البطولات، التي تجتمع فيها الفرق وشعوبها، سيجد أن كل دولة تحمل تاريخها معها، وبعض عاداتها وتقاليدها وأطعمتها وألوان زيها. كما سنشاهد أشكالًا وصيغًا متنوعة تتمظهر في شكل طقوس ومظاهر احتفالية، يتعانق فيها الرقص بالغناء، والشعارات الشفاهية باللافتات الكتابية.
ويرسم الجمهور السيناريوهات، وتمتلئ الجعب بالحكايات، ولا تخلو هذه العناصر من مصاحبة للغة الجسد، التي قد تلقي بنا في الجغرافيا كعلامة ثقافية، أو تمتزج معها بعض العلامات التي صارت عامة بين جميع صنوف البشر، وقد تجاوزت الجغرافيا لتصبح لغة كونية.
اقرأ أيضًا: بين الملعب والحارة.. رحلة «الكرة» في السينما والدراما المصرية
فرجة شعبية للمهارات المدهشة والإبداعات الحركية
إن المسرح الكروي متاح لمشاهدة الجميع، أما مباشرة أو عبر وسيط. ولو صدقنا أنه بمثابة فرجة جماهيرية، أخشى من تأكيد مصطلح “الفرجة الشعبية” على جمهور ليس نوعيًا، لحين معاينة وقراءة هذه الظاهرة بشكل أعمق.
فهذه الفرجة معروفة سلفًا لجمهورها، ويسعى لحضورها أو مشاهدتها أو متابعتها استماعًا. كما أنها هذه الفرجة لا تتشكل في فوضى، لكنها يُعد لها ويحدد مكانها وزمانها، وتخضع لقواعد ولوائح وقوانين يمارسها الجميع.
وتحوطها أجواء أدائية بداية من دخول الملعب، وتحية الجمهور، وبداية الأحداث، والتعرف على قطبي الصراع. ولأن الفرجة تتوجه لإحداث التسرية والمرح، والمواقف الطريفة والحركات المدهشة والمهارات الجسمية الخاصة، ولحظات الصمت والاندهاش والصراخ والمشاركة، وجميعها تمتزج للخروج من حالة الكبت بالوصول إلى السعادة، الأمر الذي قد يتحقق في كرة القدم بمشاهدتها، وذلك حال انتصار الفريق الذي يشجعه الجمهور.
تسعون دقيقة صافية هي عمر المباراة الواحدة. تسعون دقيقة، لكنها تجمع الملايين، وتموج بالإثارة والتشويق، وبالصحبة واصطحاب الأحبة والحبيبات. تتوثق بالصورة والفيديو، وبلمسات الأيدي، وبالأحضان والقبل. تسعون دقيقة يمارس فيها الحضور الحياة ضحكًا وبكاءً، رهبةً وتشجيعًا، رقصًا وغناءً، انتظارًا ودعاءً، فرحةً وانتصارًا، تفاعلًا وصمتًا، وربما يصل الأمر حد موت بعض المشجعين.
نعم، هي لعبة لها قوانينها، لكن تتيح لمشاهدها مساحات من مفارقة القانون، إما باختراقه، أو القفز على مواده، أو بغفلة من يراقبون، أو بمهارات جديدة تقتضي إعادة النظر في القانون ذاته.
فلما لا تكتسب كرة القدم انتشارها، بل شعبيتها، وهي تمنح الأجساد حريتها، والألسنة طاقة للبوح وإخراج المكبوت؟ وكما تغني الجماعة مجتمعة، نرى كل فريق وهو يمارس جماعيته، ولأن الفرقة لا تعدم المغنى فارق الموهبة حين ينشد الموال، فإن الفريق لا يعدم اللاعب المهاري الذي يعبر الخصوم كموجة، ليحرز هدفه وفريقه، لتموج الجماهير نشوة وسعادة.
الجماعية ومنطق الصراع
هل الجماعية أحد أسرارها؟ وهل منطق الصراع على كرة لتذهب محققة الهدف وهل تحقيق النشوة والسعادة للجموع؟ ربما هذا، وربما خليط الألوان الذي يرسم عالمين بينهما يجري قضاة والجميع في الساحة يتعلقون بالأرجل كي يستمعون إليها، ويسمعون صفارة الحكم.
وهل لأنها لعبة لا تعرف عددًا حين تلعب في الحارات والشوارع، فيمكن أن تلعب بأي عدد، وبأي نوع من الكور، كرة بلاستيكية، أو كرة مصنوعة من الخيوط و”الكلة”، أو كرة يقال لها “الكَفَرْ”، ويبدو أن الاسم قد جاء من المفردة الإنجليزية “cover”؟
ويمكن أن تلعب بين الصغار والكبار، وبين الأصحاب ومن لا يعرفون بعضهم، وبين قصيري الطول، وأصحاب القامات الطويلة، وعلى الأرض الترابية أو الأسفلتية أو النجيل. إنها لعبة تتيح نفسها للجميع، من يملك المهارة وعديمها.
أطلق البعض عليها “لعبة الفقراء”، وكان كبار الموهوبين في مصر والعالم من أبناء الفقراء، لكن هل مازالت لعبة أبناء الفقراء؟ فبعد أن صارت لها اقتصادها، وصارت تسعى وراءها شركات الدعاية والإعلانات، وصار اللاعب نجمًا، وصارت قيمة العقود بملايين الدولارات، وصار السماسرة رجال أعمال، وصارت الكرة في غير طريقها لتنادي أبناء الأغنياء، حتى لو لم يملكوا الموهبة.
فالأكاديميات الرياضية فتحت أبوابها، وصارت بابًا جديدًا للأحلام بالوصول إلى مكانة اجتماعية ينهزم أمامها الشعر والنثر والكتابة المفارقة، كما تتضاءل في وجودها المهن والوظائف التي كانت تحتل المكانة الأرقى في المجتمع، كالطب والهندسة والقضاء.
إلى الدرجة التي يمكن أن تقرأ علامات الفخار بحلم الصعود على درجات السلم الاجتماعي في أعين بعض المثقفين. ولا ضير، فسلم القيم ومعاييره قد اختلف. فبعد أن كان الأهل يمنعون الأبناء من لعب الكرة بوصفها مضيعة للوقت والعائق أمام التفوق وأن من ينشغل بها هو من لا يملك أحلامًا في العلم، الآن يسعى معظم الناس لصعود درجات السلم الاجتماعي قفزًا على كرة القدم.
أعظم فرجة جماهيرية في تاريخ البشرية
إن العالم كله بانتظار كأس العالم، بل بانتظار أعظم فرجة في تاريخ البشرية وأكثرها انتشارًا، حيث يتجسد الصراع، وتتكاثر الإيماءات (الفرح – الغضب – الحزن – الاندهاش – الاستنكار- الرفض… إلخ).
وتتعدد الاحتفالات في الشوارع والملاعب وأمام أماكن إقامة الفرق، وتجتمع الجاليات لتستعيد أوطانها في الغربة، تستدعيها حين ترتدي الزي التقليدي، وتحمل آلاتها الموسيقية الشعبية من طبول وآلات نفخ مصنوعة من الخشب أو الغاب أو النحاس، وتحمل البيارق، وتجأر بالأغاني.
إنه كرنفال يعرض لملامح الهوية، لغة وزيًا وموسيقى، كما يصاحب كل ذلك رقصات شعبية تنتمي للأرض، ففي الشوارع وفي المدرجات يرى العالم مباريات لا تقل سخونة ولا حيوية عن المباريات التي تجري في الملاعب. ولأن الفرجة تتسم بالشمول، فإنها لن تخلو من الألوان والبيارق، والأدعية، وصنوف المعتقدات التي يتوسل بها الجمهور لتحقيق الانتصار.
ولأننا أمام فرجة، فالمتفرج أصبح جزءًا من الحالة التي يشاهدها المشاهدون أمام الشاشات، ولأن كل فرجة تتعلق بالحواس وإثارتها وتنوع المشاعر فيها، فإن كل مباراة تعد ساحة لا استدعاءات كلامية وتاريخية، بل قد تستدعي سياقات سياسية واجتماعية وثقافية يمكن أن نقرأها قراءة أنثروبولوجية.
اقرأ أيضًا: أبرزهم “الحريف” و”الدرجة الثالثة”.. سيرة كرة القدم في 48 فيلم مصري



