دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«ابتكرها الفقير وسرقها الغني».. كيف أصبحت كرة القدم لعبة المليارات؟

«ابتكرها الفقير وسرقها الغني».. بهذه العبارة رفع مشجعو نادي الإفريقي التونسي لافتة خلال مواجهة فريقهم أمام باريس سان جيرمان عام 2017، في إشارة إلى الجدل القديم حول تحول كرة القدم من لعبة شعبية مارسها العامة في الشوارع والساحات إلى صناعة عالمية تدر مليارات الدولارات. وقد وثّق كتاب «تاريخ شعبي لكرة القدم» لهذه الفكرة.

ورغم أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم وضع أول قواعد موحدة للعبة عام 1863، لتولد كرة القدم الحديثة بصورتها المعروفة اليوم، فإن تاريخها يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فكيف انتقلت كرة القدم الشعبية من لعبة فوضوية كانت تُمارس في شوارع القرى والبلدات إلى ظاهرة عالمية توحد مليارات المشجعين؟ وما السياقات الاجتماعية والثقافية التي أسهمت في نشأة اللعبة وانتشارها في العالم؟

نشأة كرة القدم

كيف نشأت كرة القدم؟ تتعدد الآراء حول كيفية ظهور هذه الرياضة، التي تُعرف باسم كرة القدم في معظم أنحاء العالم، وأصبحت من أكثر الرياضات شعبية. وبحسب موقع “ذيس فوتبول تايمز”، فإنه رغم أن كرة القدم لم تتخذ شكلها الحديث إلا عام 1863 مع تأسيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ووضع أول قواعد موحدة للعبة، فإن جذورها تمتد إلى قرون سابقة.

وأرسى الاتحاد حينها أسسًا لا يزال كثير منها قائمًا حتى اليوم، مثل ركلة البداية بعد الهدف، وحظر استخدام اليدين، وقواعد التسلل الأولى التي تطورت لاحقًا إلى صورتها الحالية. وبذلك تُعد إنجلترا مهد كرة القدم المنظمة، لكن اللعبة لم تظهر من فراغ؛ إذ تطورت تدريجيًا من ألعاب الكرة التي عرفتها المجتمعات منذ العصور الوسطى، بل ومنذ العصور القديمة.

ورغم اختلاف تلك الألعاب عن كرة القدم الحديثة في التنظيم والقواعد، فإنها تعكس الغريزة الإنسانية في ركل كرة بالقدم.

اقرأ أيضًا: كرة القدم بين «الظواهر الأنثروبولوجية» و«الفرجة الشعبية»

متى نشأت كرة القدم؟

شارك البشر منذ العصور القديمة في ألعاب تتضمن كرة وأقدامًا، مثل اليونانيين والمصريين والصينيين، ويعود تاريخ بعضها إلى عام 2500 قبل الميلاد.

وعلى الرغم من عدم وجود أي دليل على وجود صلة مباشرة بين هذه الألعاب القديمة واللعبة الحديثة، إلا أن هذه الألعاب الترفيهية تُظهر ميل البشر إلى اللعب بالكرة، سواء كان ذلك للتفاعل الاجتماعي، أو الترفيه، أو التدريب العسكري، أو كجزء من احتفال طقسي.

تاريخ ما قبل كرة القدم

اتسمت ألعاب الكرة القديمة بطرق لعب متشابهة، باستخدام اليدين أو القدمين، أو العصي للتحكم بالكرة. ووفقًا لموقع “لايف أباوت”، كانت لعبة “هارباستوم” الرومانية تعتمد على الاستحواذ ومحاولة كل فريق الاحتفاظ بالكرة أطول فترة ممكنة.

فيما تنافس الإغريق القدماء في لعبة أخرى مشابهة تُسمى “إبيسكيروس”، وكانت كلتا اللعبتين أقرب في الشبه إلى لعبة “الرجبي”. ويستكشف كتاب “الأصول: تاريخ ما قبل كرة القدم” أربع ألعاب كرة مختلفة من عصور ومناطق جغرافية متباينة، ويركز في فصله الأول على لعبة “كيماري” اليابانية، وألعاب الكرة في أمريكا الوسطى، وألعاب الكرة في اليونان وروما القديمتين، ولعبة “كوجو” في الصين.

وبحسب موقع “ذيس فوتبول تايمز”، ففي نحو عام 400 قبل الميلاد، نُقش لوح رخامي يصور رجلًا يثني ساقه ويوازن كرة على فخذه. واستنتج الباحثون أنه كان يلعب لعبة “إبيسكيروس”، وهي لعبة يُسمح فيها باستخدام اليدين والقدمين بهدف إدخال الكرة إلى ما وراء خطوط ملعب الخصم.

ورغم أن أوجه التشابه مع كرة القدم الحديثة محدودة، إلا أن هذا النقش اللافت عزز اعتقاد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بأن “إبيسكيروس” تمثل شكلًا مبكرًا من اللعبة.

لعبة تسوتشو الصينية.. الصورة من ويكيبيديا
لعبة تسوتشو الصينية.. الصورة من ويكيبيديا
كرة القدم الصينية

أما أكثر الألعاب القديمة شبهًا بكرة القدم الحديثة فهي لعبة “تسوتشو” الصينية، والتي تعني “ركل الكرة”. وكان الهدف منها تدريب الجنود، وترجع إلى الفترة ما بين عامي 206 قبل الميلاد  و220 ميلاديًا، خلال عهد أسرة هان.

وبحسب “لايف أباوت”، تضمنت لعبة “تسوتشو” ركل كرة صغيرة نحو شبكة معلقة بين عمودين من الخيزران، من دون استخدام اليدين. وكان الفارق الوحيد تقريبًا بينها وبين كرة القدم الحديثة هو ارتفاع المرمى، إذ كان معلقًا على ارتفاع 30 قدمًا.

وانتشرت بعد ذلك العديد من الألعاب الشبيهة بكرة القدم في أنحاء العالم، والتي اعتمدت على استخدام القدمين في تحريك الكرة، مثل لعبة “كيماري” اليابانية التي لا تزال تُمارس حتى الآن. وتعد “كيماري” لعبة يابانية تقليدية ذات طقوس خاصة، تُمارس منذ أكثر من ألف عام، وهي واحدة من لعبتين قديمتين فقط ما زالتا مستمرتين حتى اليوم، إلى جانب لعبة “كوجو” الصينية.

كما كان لدى الأمريكيين الأصليين لعبة تُعرف باسم “باهساهرمان”، بينما مارس السكان الأصليون في أستراليا لعبة “مارن جروك”.

اقرأ أيضًا: بين الملعب والحارة.. رحلة «الكرة» في السينما والدراما المصرية

بريطانيا.. موطن كرة القدم الحديثة

بالانتقال إلى العصر الحديث، وقبل أن تتخذ كرة القدم شكلها المعروف، كانت تُمارَس في بريطانيا ألعاب شعبية متعددة تُشبه ما نعرفه اليوم باللعبة الأكثر شعبية في العالم.

وبدأت كرة القدم بالتطور في أوروبا الحديثة منذ العصور الوسطى. ففي القرن التاسع، انتشرت في إنجلترا لعبة تقوم على ركل مثانة خنزير، قبل أن تُحظر لاحقًا في مراحل مختلفة من تاريخ بريطانيا.

وكانت بعض المباريات تجمع أعدادًا كبيرة من المشاركين، حتى تبدو أقرب إلى حشود متنافسة منها إلى فريقين رياضيين، وكان يمتد التنافس عبر أطراف المدينة في محاولة لإيصال الكرة إلى منطقة الخصم.

كرة القدم الجماعية

رغم أن بريطانيا تُعد مهد كرة القدم الحديثة، فإنها لم تعرف ألعاب الكرة المنظمة في العصور القديمة. فقد جلب الرومان معهم لعبة “هارباستوم” خلال احتلالهم للجزيرة، لكن ألعاب الكرة المحلية لم تظهر إلا بعد رحيلهم في أوائل القرن الخامس.

وخلال العصور الوسطى، انتشرت ما عُرفت بـ”كرة القدم الجماعية”، وهي مباريات فوضوية بلا قواعد واضحة أو عدد محدد من اللاعبين، وغالبًا ما كانت تشارك فيها قرى بأكملها.

ومن أشهرها لعبة كانت تُقام في عيد الفصح، حيث يتنافس الأهالي على إيصال كرة مصنوعة من مثانة خنزير منفوخة إلى كنيسة القرية المنافسة. وبسبب ما كانت تسببه هذه المباريات من فوضى وعنف، حاول عدد من ملوك إنجلترا حظرها، لكن شعبيتها الواسعة بين السكان حالت دون القضاء عليها، لتظل جزءًا من الحياة الشعبية لقرون، قبل أن تتطور لاحقًا إلى كرة القدم الحديثة.

ولم تكن تلك المباريات تخضع لقواعد موحدة، واتسمت بالفوضى والعنف. كما كان تسجيل الأهداف أمرًا نادرًا بسبب طبيعة اللعب المفتوحة.

وبحسب “لايف أباوت”، كان يوم “الثلاثاء” يشهد أبرز هذه المواجهات السنوية، وتحولت تلك المباريات إلى مناسبة اجتماعية جذبت سكان المدن والقرى للمشاركة أو المشاهدة. ومع ازدياد التصنيع في البلاد، أدى ضيق المساحات داخل المدن وقلة وقت الفراغ المتاح للعمال إلى تراجع شعبية كرة القدم الشعبية.

تجريد الفقراء من ألعابهم

تطرق كتاب “تاريخ شعبي لكرة القدم” إلى السياق الاجتماعي لمنع لعبة كرة القدم الشعبية آنذاك، وجاء فيه: “كتب مراسل صحيفة التايمز في ليفربول عام 1842: لقد جُرِد الفقراء من كل ألعابهم، ومن كل احتفالاتهم، ومن كل ما يمكن أن يرفه عنهم”.

ويستكمل الكتاب: “جاء ذلك بالتوازي مع نص قانون الطريق السريعة الصادر عام 1835، الذي نص على أنه يُحظر لعب كرة القدم في شوارع المدن، ويجب أن تُماَرس في الحقول أو الأماكن المخصصة لذلك”.

كرة القدم الشعبية

في الوقت الذي كانت فيه كرة القدم الشعبية منتشرة بين الطبقات البسيطة في بريطانيا، عرفت إيطاليا خلال عصر النهضة لعبة أكثر تنظيمًا مارسها النبلاء، عُرفت باسم “كالتشيو”.

وبحسب موقع “ذيس فوتبول تايمز”، ورغم اعتمادها بشكل كبير على استخدام اليدين، فإنها لفتت انتباه الأرستقراطيين البريطانيين الذين رأوا فيها نموذجًا أكثر تنظيمًا لألعاب الكرة المتداولة آنذاك. ومع تزايد اهتمام الطبقات الثرية، وجدت كرة القدم مكانًا لها داخل المدارس والمؤسسات التعليمية الخاصة، وأخذت القواعد تتبلور تدريجيًا. وفي هذه المرحلة بدأت كرة القدم والرجبي تسلكان مسارين منفصلين، لتتشكل لكل منهما هوية مستقلة.

وبتطور القوانين وتنظيم أسلوب اللعب، أصبحت اللعبة مهيأة لوضع أول قواعد رسمية موحدة، وهو ما تحقق عام 1863 مع تأسيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم.

لعب كرة القدم قديما.. الصورة من جيتي إمجيز Duncan 1890
لعب كرة القدم قديما.. الصورة من جيتي إمجيز Duncan 1890
كرة القدم الحديثة

بعدما عُرفت كرة القدم الشعبية في بريطانيا، انتشرت في بلاد أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وعدد من الدول الأوروبية الأخرى. وبدأ التحول الحقيقي نحو كرة القدم الحديثة في المدارس البريطانية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، إذ شرعت المؤسسات التعليمية في وضع قواعد أكثر تنظيمًا للعبة.

وكانت كلمة “كرة القدم” تُطلق على ألعاب متنوعة، بعضها يسمح باستخدام اليدين والاشتباك البدني، بينما بدأت ملامح اللعبة الحالية تظهر تدريجيًا.

فيما أقيم لاحقًا مرميان في طرفي الملعب، وظهر دور حارس المرمى، واعتمدت الفرق خططًا وتكتيكات واضحة، وهو ما حد من التدخلات العنيفة التي ميزت النسخ الشعبية القديمة.

ورغم ذلك، لم تكن هناك قواعد موحدة؛ إذ مالت بعض المدارس إلى أسلوب قريب من لعبة “الرجبي”، بينما فضلت مدارس أخرى الاعتماد على الركل والمراوغة. كما أسهمت الملاعب داخل المدارس في تقليل الفوضى والعنف اللذين اتسمت بهما المباريات الشعبية في السابق.

تطور القوانين

مع استمرار تطوير القوانين في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، بدأت أندية كرة القدم المتخصصة في الظهور داخل المدارس وخارجها.

ورغم هذا التنظيم المتزايد، ظلت الحدود بين الرجبي وكرة القدم الحديثة غير واضحة لفترة من الزمن، وكان تعثر اللاعبين ببعضهم البعض أمرًا شائعًا، ولم يكن ركل ساق المنافس يُعد مخالفة في بعض القواعد، إلا إذا كان اللاعب ممسكًا بخصمه أثناء ذلك.

وبحسب مقال “البحث عن أصول كرة القدم في الصين”، وُضعت قواعد كامبريدج في جامعة كامبريدج عام 1848، وهو ما سمح للطلاب بالاستمرار في ممارسة اللعبة بعد تخرجهم، وأسهم في انتشار أندية كرة القدم للكبار. وكان مسموحًا حينها بلمس الكرة.

تأسيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم

اشتُقت كلمة “سوكر” (soccer) من اختصار كلمة “Association” التي تعني “الرابطة”، وكانت اللاحقة “-er” شائعة الاستخدام في مدرسة الرجبي وجامعة أكسفورد.

وكان الشباب يختصرون بها أنواعًا مختلفة من الأسماء، أما كلمة “”Association فقد ارتبطت بتأسيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (FA) في 26 أكتوبر عام 1863.

كرة القدم الاحترافية

في عام 1872، أقيمت أول بطولة لكأس الاتحاد الانجليزي لكرة القدم، وانضمت لاحقًا العديد من الأندية إلى الاتحاد الإنجليزي، حتى وصل عددها إلى 128 ناديًا عام 1887. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح هناك هيكل قواعد موحد تقريبًا.

وفي عام 1888، أقيم دوري كرة القدم في شمال ووسط البلاد. وكانت لوائح الاتحاد الانجليزي آنذاك تختلف عن الوقت الحالي، إذ نصت على أن يكون اللاعبون هواة وألا يتقاضون أجورًا. واستمرت هذه الضوابط حتى سبعينيات القرن التاسع عشر، إذ فرضت بعض الأندية رسوم دخول على المتفرجين. ولم يكن اللاعبون راضين عن جمع الأموال من الجماهير، لذلك طالبوا بتعويضات مقابل تدريباتهم والوقت الذي يقضونه في اللعب. ومع ازدياد شعبية اللعبة، ارتفع عدد المتفرجين والإيرادات، حتى قررت الأندية البدء في دفع الأجور، وتحولت كرة القدم إلى رياضة احترافية.

ولم يمض وقت طويل حتى تبنت دول أوروبية أخرى شغف البريطانيين بكرة القدم، وبدأت الدوريات في الظهور في أنحاء العالم، فظهرت في هولندا والدنمارك عام 1889، وفي الأرجنتين عام 1893، وتشيلي عام 1895، وسويسرا وبلجيكا عام 1895، وإيطاليا عام 1898، وألمانيا وأوروجواي عام 1900، والمجر عام 1901، وفنلندا عام 1907. ولم تُنشئ فرنسا دوريها إلا عام 1903، رغم أنها كانت قد تبنت هذه الرياضة البريطانية قبل ذلك بكثير.

الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”

تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في باريس عام 1904 بسبعة أعضاء، هم: بلجيكا، والدنمارك، وفرنسا، وهولندا، وإسبانيا، والسويد، وسويسرا. وفي اليوم نفسه، أعلنت ألمانيا نيتها الانضمام.

وفي عام 1930، أقيمت أول بطولة لكأس العالم لكرة القدم في أوروجواي. وكان عدد أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) آنذاك 41 عضوًا، ومنذ ذلك الحين ظلت البطولة تمثل قمة عالم كرة القدم.

 اقرأ أيضًا:  أبرزهم “الحريف” و”الدرجة الثالثة”.. سيرة كرة القدم في 48 فيلم مصري

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.