دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

«المدينة ستطاردك».. لماذا نحتفل بالإسكندرية؟

من أمام المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية، انطلقت احتفالية «الإسكندرية: مولد مدينة عالمية»، الأسبوع الماضي، حيث علت الموسيقى العسكرية في شارع طريق الحرية (فؤاد سابقًا) معلنة عن إحياء احتفال قديم بتأسيس المدينة. هذا الاحتفال كان يُقام قديمًا في 25 طوبة، الموافق السابع من إبريل في التقويم الميلادي، قبل أن يتغير التقويم ليوافق 25 يناير.

مشهد يبدو احتفاليًا مهيبًا، لكن عدد الحاضرين من أبناء المدينة كان محدودًا على نحو لافت، بين مجموعات منظمة من طلاب ووفود، وقلة من المارة الذين توقفوا للمشاهدة. هنا يفرض السؤال نفسه: لماذا نحتفل بالإسكندرية؟هل نحتفل بتاريخ مدينة عظيمة؟ أم بفكرة مدينة وُلدت لتكون عالمية؟

ربما كانت الإجابة أقرب مما نتصور. فكما تقول قصيدة المدينة للشاعر السكندري قسطنطين كفافيس: «لم أجد بحرًا جديدًا، لم أجد بلدًا جديدًا، فالمدينة ستطاردك أينما ذهبت». هكذا اختتم أندرياس فافياديس، رئيس الجمعية اليونانية بالإسكندرية، كلمته الافتتاحية بهذا الاقتباس، في إشارة إلى أن الإسكندرية فكرة تلاحقنا: مدينة مفتوحة ومتعددة الوجوه.

بداية المسيرة: شارع لا يزال حيًا

انطلقت المسيرة من أمام المتحف، سيرًا على الأقدام في شارع فؤاد، الشارع الذي تصفه الدكتورة منى حجاج، رئيسة جمعية الآثار بالإسكندرية، بأنه ليس فقط أقدم شارع في تاريخ المدن، بل ما زال يُستخدم لنفس الغرض الذي أُنشئ من أجله، على عكس شوارع تاريخية أخرى تحوّلت إلى مجرد شوارع سياحية فقط.

هذا الشارع، المعروف قديمًا بالطريق الكانوبي، ظل الشريان الرئيسي للإسكندرية، بطول يصل إلى خمسة كيلومترات، وعرض يبلغ ثلاثين مترًا، وهو ضعف عرض الشوارع الرئيسية في مدن العالم القديم، ما جعله في زمانه أحد أعظم الشوارع المعروفة.

اقرأ أيضا: «المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات

مدينة لم تُبنَ صدفة

نواصل السير صوب تمثال الإسكندر الأكبر، الذي يقف شامخًأ مطلًا على مدينته التي لم تنشأ بمحض المصادفة، بل كان تخطيطًا ومشروعًا واعيًأ. ومع الوصول إلى التمثال، بدت هذه الفكرة أكثر وضوحًا، على وقع الموسيقى واستمرار المسيرة رغم قلة الحضور. هنا يطرح السؤال نفسه: لماذا بُنيت المدينة بهذا الشكل؟

إحدى الإجابات التي طُرحت في الندوة الختامية للأحتفال تشير إلى أن الإسكندر ربما استلهم تخطيطها من مدينته الأصلية بيلا اليونانية، حيث تتصل كتلة أرضية بأخرى عبر جسر، في صورة تشبه ما حدث عند ربط جزيرة فاروس بالمدينة عبر “الهيبتاستاديون”.

وسواء صحّ هذا التفسير أم لا، فالثابت أن الإسكندرية لم تُترك للصدفة، بل صُممت لتكون مركزًا مفتوحًا على البحر والعالم.

المهندس الأول: دينوقراط

إذا استكملنا السير من تمثال الإسكندر الأكبر في اتجاه مكتبة الإسكندرية، فمن المحتمل أن نمرّ بشارع يُعرف باسم دينوقراط، القريب من مكتبة الإسكندرية، وهو اسم يعود إلى المهندس المعماري الذي وضع تخطيط المدينة، كما أشار الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية.

وتوضح الدكتورة منى حجاج أن الإسكندرية تُعد واحدة من المدن القليلة في تاريخ الإنسانية التي خُطِّطت على الورق قبل أن تُنفَّذ على الأرض، وفق نظام شبكي من الشوارع المتعامدة والمتوازية. ولعل هذا الوعي المبكر بالتخطيط قبل البناء هو أحد الملامح الأساسية التي تفسر لماذا لا يزال يُحتفى بالإسكندرية حتى اليوم.

ميدان الخرطوم: صناعة فن جديد

بمرورنا بجانب ميدان الخرطوم، يظهر عمود أثري بزخارف على الطراز الكورنثي. هنا يتوقف المشهد قليلًا، ليس فقط لجمال التفاصيل، بل لما يحمله من دلالة. تشير منى حجاج إلى أن هذا الطراز لم يكن مجرد زخرفة منقولة، بل نشأ وتطور في الإسكندرية نفسها، قبل أن ينتقل إلى مدن العالم، حيث جاء المعماريون ليتعلموا ويقتبسوا من ابتكاراتها. لم يعد العمود مجرد عنصر معماري، بل شاهدًا على مدينة لم تكتفِ بالبناء، بل ساهمت في تطوير لغة الفن نفسها. وربما لهذا السبب أيضًا نحتفل بميلادها.

اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

الإسكندرية مركزًا للعلم والمعرفة

أخيرا نصل إلى ساحة الحضارات بمكتبة الإسكندرية، بصحبة الموسيقى العسكرية التي أضفت على المشهد روحا من البهجة. ثم تتوقف الموسيقى تدريجيًا لتفسح المجال للاستمتاع بعرضين استعراضيين لراقصات يونانية ومصرية، تمهيدًا لعرض الدور العلمي للمدينة بوصفها مركزا لصناعة المعرفة والتقاء الثقافات.

وهنا عادت المدينة لتظهر كمساحة معرفة، فكما أوضح الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، فإن إقليدس وضع أسس علم الفلسفة هنا، وفي قاعاتها أثبت إراتوستينس كروية الأرض وقاس محيطها بدقة مزهلة، ومن ضيائها استلهم أرشميدس قوانينه، كما وُضعت بها أسس علم التشريح لأول مرة. لكن ربما كان الأهم هو التحول في نظرة الفن.

الفن والإنسان: حين أصبح العادي جديرًا بأن يُرى

وفق ما أوضحته الدكتورة منى حجاج، فإن الفنان السكندري في الماضي أصبح يهتم ويعكس ما يشاهده في الشارع. فبينما ركزت الحضارة المصرية القديمة على تصوير الآلهة والملوك، قدّم الفن السكندري مشاهد من الحياة اليومية، مثل امرأة عجوز، طفل، وعبد يحمل مصباحًا ينتظر سيده وقد غلبه النوم.

هذه الشخصيات، التي لم تكن ذات شأن كبير في المجتمع، أصبحت ذات قيمة في نظر الفنان السكندري. وكما أضافت، فقد قدم المصريون القدماء أشكالًا هزلية وأقزامًا، لكن الإسكندرية قدمت فنًا جديدًا هو الكاريكاتير وتصوير الشارع والناس العاديين.

وهذا التحول يعكس إدراكًا جديدًا لقيمة الفرد داخل المدينة. ومن هنا قدمت الإسكندرية للعالم فكرة أن الإنسان العادي يستحق أن يُرى، وأن يُخلَّد حتى في تماثيل رخامية باهظة. وفي هذا السياق، تفردت الإسكندرية أيضًا كمركز علمي وتعليمي.

كما لفتت الدكتورة منى النظر إلى أن كثيرا من المدن عرفت التعليم، لكن الإسكندرية تميزت بوجود ما يشبه “المنظومة التعليمية” المتكاملة، بقاعات دراسية واسعة، مثل المسرح الروماني في كوم الدكة، وهو عبارة عن قاعة محاضرات كبرى. كما تُعد من المدن القليلة التي تركت شواهد على تعليم الإناث بشكل نظامي، في دلالة أخرى على خصوصية تجربتها الحضارية.

مفارقة الاحتفال

رغم كل هذا التاريخ العظيم للإسكندرية، ظل مشهد الحضور المحدود يفرض نفسه على الرغم من امتلاء القاعة. فاحتفال يتحدث عن مدينة عالمية، لكن حضوره بدا أقرب إلى طابع مؤسسي منظم، أكثر منه تعبيرًا عفويًا عن سكان المدينة أنفسهم. وهنا تظهر المفارقة: مدينة صُممت منذ البداية لتكون مفتوحة على العالم، متعددة وحية، لكن الاحتفاء بها اليوم يبدو في لحظات أضيق من هذه الفكرة.

فهل نحتفل بالإسكندرية كما كانت؟ أم كما نريد أن نتذكرها؟ وربما الأهم: إذا كانت هذه المدينة قد وُلدت على فكرة واضحة ومتكاملة، فهل لا تزال تُدار اليوم بنفس الرؤية… أم أن التخطيط صار مُجزأً؟

اقرأ أيضا: «كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.