«المدينة التي نحلم بها».. معرض يعيد رسم الإسكندرية بالحكايات
هل يمكن أن تُشيَّد المدينة كل يوم من جديد، لا بالحجارة والمباني، بل بحكايات الناس؟ في الإسكندرية، المدينة التي تراكمت عليها طبقات من الثقافات عبر قرون، لا يبدو هذا السؤال نظريًا بقدر ما هو تجربة يمكن رؤيتها. فهنا، لا تُقرأ الشوارع بأسمائها فقط، بل بما تحمله من قصصٍ تركها عابرون وسكان، بعضهم رحل وبقي أثره.
بمقر الجمعية اليونانية بالإسكندرية، نظمت مؤسسة راقودة للفن والتراث معرضها الختامي، نتاج ورشة بعنوان: «المدينة التي نحلم بها: رحلة عبر ماضيها وحاضرها ومستقبلها»، بالتعاون مع جمعية M55 اليونانية والجمعية اليونانية بالإسكندرية.
ظلال الحكايات السكندرية تعود من جديد
على الجدران، توزعت خرائط مطبوعة وُضعت عليها صور ورسومات ومعلومات، فضلا عن شاشة كبيرة تُعرض عليها أفلام تسجيلية قصيرة عن الإسكندرية. يقف الزوار أمام خريطة كبيرة، يقتربون منها، يشيرون إلى نقطة عليها، لتبدأ الحكاية.
“إحنا مش بنعرض أماكن، إحنا بنحاول نرجّع الحكايات اللي وراها”، تقول إحدى المشاركات وهي تشير إلى الخريطة. المعرض هو نتاج ورشة عمل استمرت أربعة أيام، شارك فيها 15 شابًا وشابة، قسموا إلى ثلاث مجموعات، عملوا على توثيق 27 موقعًا من أصول يونانية في المدينة، في محاولة لإعادة تتبع الإرث اليوناني المصري في الإسكندرية من خلال أنشطة تفاعلية مع المجتمع ومن خلاله. لم يكن الهدف مجرد الرصد، بل تعلّم كيفية قراءة المدينة، بالنزول إلى الشارع، وإجراء مقابلات مع أصحاب الأماكن وزائريها، بهدف تحويل هذه المادة إلى ثلاث خرائط تفاعلية، وثلاثة أفلام قصيرة، وعشرات الصورة الفوتوغرافية.

الأثر اليوناني يعانق تفاصيل الإسكندرية
في شوارع الإسكندرية، تمر أسماء مثل كفافيس، وأنطونيادس، وبسترودس، وشي جابي، وسفيانوبولو، وغيرها من الأسماء، دون أن نتوقف كثيرًا عند أصلها، لكنها تفتح أفقا لعدد من الأسئلة: لماذا لا يزال الأثر اليوناني حاضرًا بهذا الوضوح؟ وكيف استقبلته الإسكندرية بكل هذه المحبة؟
تقول الدكتورة روضة عبد الهادي، أخصائية ترميم الآثار ومديرة مؤسسة راقودة، لـ«باب مصر»: “الجالية اليونانية أكثر جالية استطاعت أن تدخل في النسيج المجتمعي الخاص بالإسكندرية، وكان لها تأثير اقتصادي واجتماعي وثقافي مستمر. ولم يكن التأثير سياسيا وعمرانيا ومعماريا فحسب، بل ترك أثرا ثقافيا وفنيا، وما يزال حاضرا”.
ولم يكن اختيار اليونانيين بسبب تاريخهم فقط، بل لأنهم يقدّمون مثالًا واضحًا على كيف يمكن لوجودٍ بشري أن يتراجع أو يتقلّص، بينما تبقى آثاره موزعة في أرجاء المدينة عبر المباني، والأعلام، والأسماء التي تركت حكاياتها، إضافة إلى العادات، والتقاليد وشذرات الحكايات التي تتردد على الألسنة، وتستقر في الذاكرة السكندرية.
حينما تقاوم الخرائط صمتها لتواصل الحكي
النتيجة الأبرز للورشة كانت الخرائط. لكنها ليست خرائط تقليدية تُستخدم للوصول من نقطة إلى أخرى، بل خرائط تُقرأ كطبقات: دينية، ترينا الكنائس والمقابر، مثل كنيسة سان سابا والمقابر اللاتينية، وثقافية، عبر معاينة مؤسسات تاريخية مثل الجمعية اليونانية، واقتصادية وترفيهية، مثل عدد من المقاهي والمطاعم، كـ”إيليت” و”سانتا لوتشيا”.
“الهدف من إننا نبين التراث الخاص بالأماكن دي، زي الأكل والذكريات”، تقول مريم منار، إحدى المشاركات. على هذه الخرائط، لا تظهر المواقع فقط، بل تظهر أيضًا المسافات بينها، وشهادات أصحابها، وقصص تأسيسها، وذكريات ارتبطت بها. في بعض النقاط، يمكن للزائر أن يضيف حكايته هو، لتصبح الخريطة مفتوحة، تتغير مع كل من يمر بها.
اقرأ أيضا: تاريخ الإسكندرية من نافذة الترام

أرواح يونانية تسكن المدينة
كيف يظل أثر من رحلوا حاضرًا في مدينة لم يعودوا يسكنونها؟ تجيب الخرائط، جزئيًا، عن هذا السؤال. في أحد المسارات، يظهر مستشفى تابع للجالية اليونانية بمنطقة محطة الرمل، وتتبع الخريطة تحوّلاته عبر الزمن واستخداماته المختلفة، وتروي قصة تحوله إلى نادي الأسطول للبحرية الملكية الإنجليزية، ثم استخدامه في أغراض متعددة، مثل صالة ألعاب رياضية وصالة أفراح. كما تروي الخرائط جزءا من تاريخ مستشفى جمال عبد الناصر، التي أسسها يونانيون أيضا، وكانت تعرف باسم “كوتسيكا”، والآن صارت مستشفى حكوميا.
وفي موقع آخر، توثّق كنيسة سانت سابا، حيث ما يزال رهبان من دول إفريقية يعتبرون الإسكندرية “وطنًهم الثاني”. لكن ما يربط هذه النماذج ليس المبنى ذاته، بل ما يدور حوله من روايات، “فالمبنى موجود على الأرض، لكن قصص الناس هي تمنحه الروح، وحكايات الناس هي التي تحدد قيمته “، كما تقول هدير النجار، إحدى المشاركات.
قهوة “خبيني”.. مكان للسياسيين ومخبأ أثناء الحروب
من الأمثلة التي وثّقتها إحدى الخرائط، قهوة “علي الهندي” الموجودة بالمنشية، والمشهورة باسم “خبيني”، نظرا لأن مساحتها صغيرة لا تُرى بسهولة عبر اتساع الشارع، لكنها تحمل طبقات متراكمة من الاستخدامات والذكريات.
فكما أوضح عدد من المشاركين في الورشة، تعود ملكية القهوة في الأصل إلى سيدة يونانية تُدعى ماريا خرتيوباس، شاركت علي الهندي قبل أن يشتريها منها لاحقًا، لتظل محتفظة باسمه حتى اليوم.
ثم عُرفت لاحقًا باسم “خبيني”، في إشارة إلى موقعها غير الظاهر، إذ تطل على الشارع عبر ثلاثة ممرات خفية لا ينتبه لها إلا من يعرف المكان. ومع مرور الوقت، تحولت القهوة إلى مساحة يرتادها سياسيون ونشطاء، بل واستُخدمت كمخبأ خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعلى الرغم من بساطة المكان وثبات شكله، تغيّر معناه مرارًا، ليعكس كيف يمكن لموقع واحد أن يحمل تاريخًا متنوعًا بقدر من مرّوا به وحكوا عنه.

كيف تحول بار “كاب دور” إلى “الشيخ علي”
لا يبتعد هذا المثال كثيرًا عما وثّقته الخريطة نفسها في موقع آخر قريب، حيث تتكرر الفكرة ذاتها بصيغة مختلفة؛ فقد تأسس بار “كاب دور” عام 1900 في زقاق ضيق قرب المنشية، وكان مملوكًا ليونانيين وفرنسي، قبل أن يشتريه لاحقًا رجل مصري يُدعى علي عقب موجات التأميم، ليحافظ على طابعه ويضيف إليه فقط قائمة طعام.
ومع اختلاف العادات، إذ كان الملاك الأجانب يغلقونه في أعيادهم، بينما أغلقه علي يوم الجمعة، أطلق عليه الزبائن لقب “الشيخ علي”، وظل الاسم ملازمًا له حتى اليوم. وعلى مدار عقود، جذب المكان نخبة متنوعة من التجار والباشوات وعشاق سباق الخيل، وشكّل مجتمعًا شبه مغلق من رواده. ورغم تغير المدينة من حوله، بقيت تفاصيله وديكوراته كما هي، محتفظًا بسحره القديم وطابعه الفريد، ليصبح بدوره أكثر من مجرد بار، بل مساحة حية تختزن ذاكرة المدينة وتحولاتها.
اقرأ أيضا: مدينة لا تكشف أسرارها بسهولة.. الإسكندرية كما تراها جولات «Footnotes»
مدينة يُعاد كتابتها
لا يبدو أن المعرض يقدّم إجابة نهائية، بقدر ما يفتح طريقة جديدة للنظر، ويطرح أسئلة حول التاريخ والحاضر. فالمباني تبقى جزءا مهما من التراث المادي، لكن هذا التراث لا يُفهم بمعزل عن الحكايات التي ارتبطت بها. هذه الحكايات لا تصنع تراثا من العدم، لكنها تمنحه معنى جديدا ممتدا، وتعيد ربطه بالحاضر.
لهذا، لا تُبنى المدينة مرة واحدة بالحجر، بل تُعاد قراءتها كل يوم، من خلال القصص التي يضيفها سكانها، والذكريات التي يتركونها، حتى بعد رحيلهم.
ومن هنا، لا تتوقف هذه التجربة عند جدران المعرض؛ إذ تخطط مؤسسة راقودة لإتاحة هذه الخرائط عبر موقعها الإلكتروني، في إطار سعيها إلى إتاحة المعرفة وعدم حصرها داخل المؤسسة.
اقرأ أيضا: «كمشة».. لعبة تعيد اكتشاف جنوب السودان على شواطئ الإسكندرية



