استيقظت بورسعيد على هدمها.. «البوسطة الفرنسية» آخر حكايات المدينة الأولى
سنوات طويلة تجاوزت الثلاثين عامًا، وربما أكثر، وقف مبنى «البوسطة الفرنسية» في بورسعيد وحيدًا على ناصية الزمن. يمر النا بجواره كل يوم، يلمحون جدرانه الصامتة ونوافذه المغلقة، ثم يمضون. تحوّل في الذاكرة العامة إلى مجرد طلل قديم، جزء من المشهد المعتاد الذي لا يثير الانتباه.
موت بطيء دون أي التفاتة لتاريخ المبنى
لعل المفارقة أن مصيره كان قد حُسم على الورق قبل سنوات من سقوطه الفعلي. ففي الثامن والعشرين من إبريل سنة 2020 صدر قرار بإزالته، ونُشر في الوقائع المصرية بالعدد رقم 98 لسنة 2020. ومع ذلك ظل المبنى قائمًا في مكانه، كأنه يؤجل موعده الأخير، أو يمنح المدينة فرصة أخيرة كي تستعيد شيئًا من ذاكرتها قبل أن يغيب.
حتى جاء صباح الجمعة الماضية، فاستيقظت بورسعيد على هدمه. وكأن المفاجأة لم تكن في الهدم ذاته، بل في أن الجميع تذكر فجأة أن هذا المبنى كان موجودًا طوال تلك السنوات، ينتظر من يلتفت إليه، أو ينتشله من موته البطيء، ويعيد إليه شيئًا من الحياة.
غير أن هذا المبنى لم يكن مجرد بناء قديم انتهى عمره الافتراضي، بل كان واحدًا من الشهود القلائل الذين عاصروا المدينة منذ طفولتها الأولى. فالمكان الذي أقيم عليه يعود إلى الأيام التي كانت فيها بورسعيد نفسها تتشكل خارج البحر.
حين انحسر البحر شمالًا تاركًا ما عُرف بأراضي طرح البحر، نشأت هناك شوارع المدينة الأولى. وعلى أحدها قامت الحكاية. كان الشارع يُعرف عند نشأة المدينة باسم “رصيف أوجيني”، نسبة إلى الإمبراطورة أوجيني، زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، التي ارتبط اسمها بافتتاح قناة السويس سنة 1869، حين جاءت إلى مصر وسط احتفالات أسطورية جعلت العالم كله يتطلع إلى المدينة الوليدة.
تبدلت الأسماء بعد ذلك، وتغيرت الخرائط، لكن اسم أوجيني ظل يذكًر بزمن كانت فيه بورسعيد نافذة مفتوحة على البحر والمتوسط وأوروبا في آن واحد.
ويخبرنا المؤرخ اليوناني ديمتريوس خالدوبيس في كتابه «أحداث وذكريات عن بورسعيد»، أن الموقع لم يبدأ حياته كمكتب بريد ولا كمرفق حكومي، بل شهد عام 1868 إنشاء أول كباريه في بورسعيد للسياح، حمل اسم «لا سيجال» أو «الخنفسة». وكان وجوده تعبيرًا عن طبيعة المدينة الجديدة التي اجتمع فيها عمال الحفر والمهندسون والتجار والمغامرون القادمون من عشرات الجنسيات.

ملهى ليلى للتسرية عن العمال
في تلك السنوات الأولى، كانت الموسيقى إحدى لغات المدينة الأساسية. عرف الناس فرقًا أجنبية شهيرة مثل «الإنترناسيونال» و«الإفترا» و«الليرا»، وكانت تعزف في الساحات والأماكن العامة والمحال المخصصة للسهر.
وكانت الاحتفالات تُقام في كل مناسبة، من أعياد الجمهورية الفرنسية إلى أعياد الميلاد الإمبراطورية، ومن استقبال الخديو إسماعيل إلى الاحتفالات الخاصة بشركة القناة. وكانت الأعلام العثمانية والفرنسية ترتفع معًا فوق المدينة، بينما تملأ الألعاب النارية السماء، وتختلط الموسيقى بأصوات البحر.
وربما كانت المفارقة الأكثر دلالة أن المبنى الذي بدأ حياته كملهى ليلى صاخب، يستقبل الموسيقى والرقص ورواد السهر من مختلف الجنسيات، لم يكن يبعد سوى أمتار قليلة عن أول خلوة أو زاوية للصلاة عرفها حي الإفرنج. هناك أنشأ عميد عائلة القصيفي زاوية صغيرة قريبة من الميناء، ليصلى فيها العمال والبحارة.
وكأن المدينة الوليدة كانت تجمع في رقعة واحدة بين عالمين متباعدين؛ ضجيج الموسيقى من ناحية، وهمس الدعاء من ناحية أخرى. ولم ترّ في ذلك تناقضًا، بل جزءًا من طبيعتها المركبة التي ولدت من اختلاط الشعوب والثقافات واللغات.
لكن الوجه الآخر لهذه الحياة الصاخبة لم يكن بعيدًا. فخالدوبيس يحدثنا أيضًا عن المشاجرات المتكررة التي كانت تقع بين بعض الأجانب، وعن الاعتداءات التي ارتبطت بمحلات اللهو والبغاء، وعن الشكاوى التي لم تنقطع من مظاهر الانفلات التي صاحبت تلك السنوات.
ومع اتساع الظاهرة وتزايد مشكلاتها، بدا أن المدينة تبحث عن قدر أكبر من الاستقرار والنظام.
ومن هنا جاءت إحدى التحولات اللافتة في سيرة المكان. فالموقع الذي عرفه الناس بوصفه أول كباريه في بورسعيد، تحول مع الزمن إلى مقر للبوسطة الفرنسية. وكأن المدينة استبدلت ضجيج الساهرين بحركة الرسائل، واللهو العابر بإيقاع الحياة اليومية المنتظم. فلم يعد المكان يستقبل الموسيقى والرقص، بل صار يستقبل الخطابات والطرود والأخبار القادمة من وراء البحار.
بوسطة لتأمين مراسلات الدول الأوروبية
من خلال خالدوبيس أيضًا، نعرف أن البريد الأجنبي كان جزءًا من عالم الامتيازات الأجنبية الذي حكم مصر في القرن التاسع عشر. فقبل أن تنشئ الدولة المصرية شبكتها البريدية الحديثة، أقامت الدول الأوروبية مكاتبها الخاصة لتأمين مراسلاتها.
ويذكر المؤرخ أن آخر مكتبين للبوستة الفرنسية في مصر كانا في الإسكندرية وبورسعيد، وأنهما ألغيا سنة 1919، لتنتهي بذلك صفحة طويلة من تاريخ البريد الأجنبي في البلاد.
أما صورة المبنى في أوج حضوره، فتأتي من صفحات المؤرخ اليوناني جورج سلطناكي في كتابه عن مدن القناة. هناك يبدو المبنى الحجري الكلاسيكي بلون الحجر الجيري، بطابق أرضي يعلوه طابق واحد، ونوافذ مستطيلة تتجاور مع عقود أنيقة في الطابق الأرضي، وأعمدة ضخمة تتصدر الواجهة المطلة على الشارع.
وإذا تجاوز الزائر البوابة الرئيسية، وجد نفسه أمام فناء داخلي مفتوح على السماء، تتوزع حوله نوافذ تقديم الخدمات البريدية، من بيع الطوابع، وتسليم الرسائل والطرود، واستلامها. وكان للمبنى حضور خاص في وجدان أبناء المدينة، حتى إن الشارع كله ظل زمنًا طويلًا يُعرف باسم «شارع البوستة».
ولم يكن المبنى منفصلًا عن محيطه. فقد كان جزءًا من المشهد الفرنسي الذي تشكل في بورسعيد إلى جوار فيلات شركة القناة، والفنار القديم، ومستشفى الدلفراند، وغيرها من الأبنية التي حملت الطابع الفرنسي. وكانت المدينة كلها أشبه بمتحف معماري مفتوح، تتجاور فيه الطرز المختلفة دون أن تتصادم.
اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة
مبنى البوسطة واحد من المباني الفريدة
كانت عمائر تلك الحقبة تقوم على البواكي الطويلة التي تظلل المارة وتحميهم من الشمس والمطر، وعلى الشرفات الخشبية التي عرفها أهل المدينة باسم «التراسينات»، وعلى الهياكل الخشبية المتينة والجدران المشيدة من الحجر الجيري والطوب المحروق. ولم يكن مبنى البوسطة الفرنسية سوى واحد من أجمل أبناء تلك المدرسة المعمارية التي منحت بورسعيد شخصيتها الفريدة.
وتأتي محاضر مجلس بلدية بورسعيد القديمة لتمنح المبنى حياة أخرى أكثر قربًا من الناس. ففي جلسة الثالث عشر من مايو سنة 1916، أثار أحد الأعضاء شكوى ضد غسال ملابس كان ينشر ثيابًا متسخة أمام البوستة الفرنساوية. تبدو الواقعة صغيرة وعابرة، لكنها تكشف كيف تحول المبنى إلى علامة يومية يعرفها الجميع ويهتدون بها في وصف الأماكن، حتى دخل اسمه سجلات المناقشات البلدية نفسها.
أصبحت مقرًا لشركة النصر للتلفزيون
مثلما تبدلت المدينة، تبدلت وظيفة المبنى مرة أخرى. فمنذ عام 1960 أصبح مقرًا لشركة النصر للتليفزيون، إحدى ثمار المشروع الصناعي الكبير الذي عرفته مصر خلال سنوات التصنيع. وانتقل المكان من استقبال الرسائل القادمة عبر البحار إلى إنتاج أجهزة تنقل الصورة والصوت إلى البيوت.
وظل المبنى يؤدى دوره الجديد لعقود طويلة، إلى أن بدأت رحلة الأفول في أواخر التسعينيات. فتوقفت خطوط الإنتاج تدريجيًا، وفُتح باب المعاش المبكر للعاملين سنة 1998 نتيجة عدم قدرة الشركة على منافسة التلفزيونات والشاشات الحديثة المستوردة. ثم صدر قرار التصفية، وطُرحت المعدات للبيع في مزادات علنية لسداد الديون المتراكمة التي بلغت نحو 280 مليون جنيه.
ومع رحيل الشركة، رحل آخر سكان المبنى، ليبدأ فصل طويل من الصمت والنسيان.
اقرأ أيضًا: «السيد الخميسي».. وداعًا لأحزان البشروش الأخيرة
سيرة بورسعيدية تحولت إلى طلل مهجور
هكذا تبدو سيرة البوسطة الفرنسية أقرب إلى سيرة بورسعيد نفسها. مبنى بدأ كملهى ليلي في مدينة وليدة، ثم صار مركزا للبريد الدولي، ثم تحوّل إلى منشأة صناعية، قبل أن ينتهي إلى طلل مهجور ينتظر مصيره. وفي كل مرة كان يخلع جلدًا ويرتدي آخر، بينما تواصل المدينة من حوله تبديل وجوهها وأسمائها وأحلامها.
وربما لم يكن سقوط الجدران في يونيو 2026 سوى التنفيذ المتأخر لقرار صدر قبل ذلك بست سنوات. لكن ما هدمته الجرافات لم يكن مجرد بناء فقد وظيفته، بل طبقة كاملة من ذاكرة المدينة، وواحدًا من الشهود النادرين الذين رافقوا بورسعيد منذ أيامها الأولى.
وحين سقطت جدرانه أخيرًا، لم يكن الذي ينهار مجرد حجر وخشب. بل فصل كامل من كتاب المدينة، صفحة كتبتها أجيال متعاقبة بلغات ولهجات وأحلام مختلفة، وتركتها مفتوحة على الريح والملح والبحر، حتى جاء اليوم الذي أغلقت فيه إلى الأبد.
اقرأ أيضًا:الكلوباتي الأخير في بورسعيد.. حارس الضوء الذي هزمه الزمن





