«السيد الخميسي».. وداعًا لأحزان البشروش الأخيرة
منذ رأيته أول مرة متصدرًا منصة مؤتمر الأدباء بقصر ثقافة بورسعيد، شعرت أن حضوره لا يشبه حضور الآخرين. كان ممتلئًا بذلك البريق الغامض الذي يجعل من حوله ينتبهون إليه حتى وهو صامت. لم أكن أدري لماذا كنت مدفوعًا نحوه، رغم ما قيل لي عن عناده وصعوبة مراسه، لكنني أدركت لاحقًا أن السر لم يكن في شخصه وحده، بل في تلك الطاقة السحرية التي جعلته يعيش دائمًا على حافة المغامرة، كأن الخطر بالنسبة له ليس عدوًا بل دليلًا يقوده إلى الحياة.
كان يعيش الحياة كما لو أنه يعرف أنها أقصر من أن تُعاش بهدوء. يقترب منها حد التلظي بنارها، ويبتعد عنها حد التنعم بعزلتها، عاشقًا لها كما لم يحبها أحد. كنت أفتقد تلك الجسارة وذلك الشبق بالحياة، بينما كان هو يتحرك داخل الأيام بخفة طائر لا يعرف الاستقرار.
***
سافرت معه أكثر من مرة برفقة صديقه الأقرب الشاعر والكاتب عبد الفتاح البيه، وكنت أشعر في صحبتهما أنني خرجت من العالم المألوف إلى عالم آخر أكثر رحابة ودهشة. الاثنان معًا كانا يشبهان روحين تتكاملان، كأن كلًا منهما مرآة خفية للآخر، والسفر معهما كان رحلة خالصة من البهجة، إذا عرفت كيف تصمت وتتركهما يعيدان تشكيل العالم بالكلمات والضحكات والذكريات والجنون الجميل.
لم يكن الوقت يعنيه، صباحًا أم مساءً، فهو ابن الخطر ونزق الحياة، عاشها كما لم يعشها أحد، وسافر عبر البلاد كما لو أن الأرض كلها مجرد محطة عابرة في رحلته الطويلة.
كان دائم الصراع والعراك، بينما كنت أميل أكثر إلى العزلة والانزواء. فسألته مرة في لحظة صفاء بيننا: لماذا كل هذا الصراع؟ فابتسم بتلك النظرة التي تجمع الحكمة بالسخرية وقال: “الصراع يشعرني بالحياة ويخبرني بمدى قوة قلبي”. وقتها فقط فهمته، وغفرت له معاركه الكثيرة حتى مع أصدقاء لي، لأنني أدركت أن الرجل لم يكن يخوض معاركه بدافع الكراهية، بل خوفًا من أن يفقد إحساسه بالحياة. كان يحتاج دائمًا إلى ما يوقظ قلبه ويؤكد له أنه ما زال حيًا.

***
لم يرتبط أحد بأمه كما ارتبط السيد الخميسي. ومن حسن حظي أنني رأيتها. كانت تسكنه بطريقة غامضة، يغيب فيها وتغيب فيه، حتى شعرت أن جزءًا كبيرًا من اعتزازه بنفسه خرج من روحها هي. تلك المرأة المصرية القادمة من ضفاف بحيرة المنزلة، التي ورث عنها صلابتها وكبرياءها الفطري.
وربما لهذا السبب تحول اعتزازه بنفسه أحيانًا إلى ما يشبه نرجسية مفردة لا تشبه إلا صاحبها. والشعر يحب المعتزين بذواتهم، أولئك الذين يمشون في الحياة بطاوسية خفية، ولهذا لم يكن غريبًا أن يتلاقى وجدانيًا مع المتنبي، فكلاهما يحمل روح الطاووس الأزرق المتعالي والحالم الذي لا يرى في العالم سواه.
كان الخميسي ابنًا أصيلًا لبورسعيد، لكنه لم يكن بورسعيديًا عاديًا. كان يشعر أنه جزء من الميلاد الأول للمدينة، كأنه كان مع الأوائل الذين شقوا الطريق بين البحرين الأبيض والأحمر. لذلك كان يتعامل مع أي وافد على المدينة باعتباره غريبًا عن روح المكان التي يعرفها وحده.
***
كان يرى أن بورسعيد لم تستمد عراقتها من الزمن، بل من ناسها الأوائل؛ من الصعايدة الذين نقلوا الفحم للبواخر، ومن الدمايطة الحرفيين، ومن صيادي بحيرة المنزلة، ومن كل أولئك الذين صنعوا المدينة بعرقهم وحكاياتهم.
ولد من لقاء فقير بفقيرة كما كان يقول دائمًا. أب دمياطي جاء مع الموجات الأولى للمدينة الجديدة، عمل حلوانيًا في محل “ديليسبس” للحلويات الإفرنجية، وأم ابنة صياد تحمل ملامح المصريات القديمات وصلابتهن. كانت الحياة بالنسبة للأسرة الصغيرة جهادًا يوميًا في سبيل لقمة العيش، وهي الحياة التي منحته صلابة المصريين القدماء، وتحولت لاحقًا إلى المادة الخام لروايته الأهم “البشروش”. لم يكتب فيها المدينة فقط، بل كتب البحر المختبئ داخل أرواح أهلها، والحزن الساكن خلف ضحكاتهم، وأحلام البسطاء التي تذوب مثل الملح على الشطآن.
ولم يكن غريبًا أن يختار “البشروش”عنوانًا لروايته التي استنزفت روحه قطرة قطرة. فالبشروش واحد من أجمل الطيور المهاجرة التي تأتي إلى بورسعيد، والخميسي نفسه كان يشبه هذا الطائر، عاشقًا للهجرة، باحثًا دائمًا عن سماء أوسع ومعنى أبعد.
لقد أعاد اكتشاف بورسعيد على مساحة روحه النزقة والمغامرة، لم يكتب شوارعها فقط، بل كتب أرواح المغامرين الذين جاؤوا إليها ووضعوا أحلامها الأولى فوق الماء.
***
وكان السيد الخميسي ابنًا شرعيًا لثورة يوليو. وُلد في زمن الملك فاروق، وتشكل وجدانه في زمن جمال عبد الناصر، وعاش انتصارات المشروع الوطني وانكساراته، وشهد كيف تحولت مصر في سنوات قليلة إلى مسرح هائل للتحولات الدرامية.
وحين التحق بجامعة القاهرة عام 1965، وجد نفسه وسط زمن استثنائي تتجاور فيه السياسة بالشعر، والهزيمة بالأمل، والحلم الوطني بأسئلة الحرية. تتلمذ على أيدي كبار أساتذة التنوير، وعاش الجامعة باعتبارها فضاء للحياة لا مجرد قاعات دراسة. ثم جاءت هزيمة 67، فترك الجامعة والتحق بالفدائيين في الترسانة البحرية ببورفؤاد، مؤمنًا أن حب مصر أكبر من أي شيء.
لكن الشعر ظل دائمًا طوق النجاة. بدأ مبكرًا وهو طفل يكتب أول بيت شعر في المدرسة الإعدادية، ثم صار شاعر المدرسة، قبل أن يأخذه مدرس اللغة العربية إلى البلاسي، شيخ الشعراء والعطارين ببورسعيد، الذي دهش أن يكون كاتب القصائد طفلًا صغيرًا. ومنذ تلك اللحظة بدأت الرحلة الطويلة. فاز في مسابقات الشعر، ووقف يلقى قصائده إلى جوار أسماء كبيرة، ثم صار في الجامعة واحدًا من أبرز أصواتها الشعرية، لكنه لم يتعامل مع الشعر باعتباره مهنة أو وسيلة للشهرة، بل باعتباره طريقة لفهم العالم.

***
لهذا لم يكن الشعر عنده مجرد قصيدة، بل كان يراه كامنًا في الموسيقى، في الرسم، في المرأة الجميلة، في الصمت، وفى الحياة نفسها. كتب “الرقص الغجري” كصرخة حرية، ثم خرج من ذاته إلى الكون في “مقامات الرحيل”، وكتب “طرح الحروف” بروح مختلفة لم تنل ما تستحقه من الاحتفاء، ثم اقترب من روح المتنبي في “سيف المتنبي” حتى بدا العمل كأنه لقاء بين شاعرين يفصل بينهما ألف عام ويجمعهما الكبرياء نفسه.
قال لي مرة في صومعته، ذلك البيت الذي عاش فيه وحيدًا في سنواته الأخيرة، إنه إذا اقتربت نهايته فلا بد أن يموت بعيدًا، مثل زعماء القبائل في إفريقيا حين يذهبون وحدهم في لحظات ضعفهم حتى لا يراهم أحد منكسرين. قالها وهو يضحك، لكنني شعرت يومها أنه يرى نهايته القادمة. ثم رأيته بعد ذلك في مرضه، وحزنت بطريقة لم أعرفها من قبل، لأن من يعرفه يعرف جيدًا أنه كان في الأصل طائرًا وافق مرغمًا أن يمكث على الأرض.
***
كان يخاف دائمًا من المصير الذي انتهت إليه أمه بعد كسر مفصلها، وكأنه كان يحدس قدره الخاص. وحين كُسر مفصله بالفعل بدأت الرحلة القاسية، خرجت الأمراض المختبئة داخله دفعة واحدة، وكأن الجسد انتظر فقط أن يتوقف الطائر عن الطيران حتى ينهار. فحين كف عن التحليق أثقلته الجراح والعلل، وليس للطائر إلا أن يطير.
كلما مر الوقت وهو راقد كنت أشعر أن الموت يرفرف حوله بهدوء، وأن البشروش يوشك أن يحط رحاله بعد رحلة طويلة من التحليق فوق بحر الحياة. الرجل الذي عاش صاخبًا، عاشقًا، مقاتلًا، ومثخنًا بالشعر والحلم، صار يبتعد تدريجيًا عن العالم الذي أحبه حد الاحتراق. وكان ذلك هو الحزن الحقيقي، حزن الطائر الذي أدرك أخيرًا أن الرحلة انتهت، وأن عليه أن يعود وحيدًا إلى السماء التي جاء منها أول مرة.
اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة



