«أم الفقير».. سيرة مناضلة تلعب بكرات النار وتقتل بسلاح المطبخ في بورسعيد
لم يكن اسمها لقبا بقدر ما كان حكاية تمشى بين الناس، تتنقل بين الأزقة والشوارع كما تتناقل الريح رائحة البحر. وحين حاولت الاقتراب من هذه الحكاية، لم أكتف بما ترويه الذاكرة، بل ذهبت أبحث عن أصل الخيط، فكان المهندس محمد بيوض، مواليد 1965، أحد الباحثين الثقات في تاريخ بورسعيد، خاصة في الفترة التي تزامنت مع انتشار سيرة «أم الفقير» بين الطبقات الشعبية، هو دليلي الأول ومصدري الرئيسي فيما يقال بيقين داخل هذا النسيج الملتبس بين الحقيقة والرواية. وهو صاحب كتاب “صفحات من تاريخ بورسعيد” الصادر عام 2016، وله أعمال أخرى عن تاريخ المدينة، كما يقدم برنامجا بعنوان “ذاكرة بورسعيد” يذاع على القناة الرابعة، كأن الرجل نفسه يحرس ذاكرة المكان من التبدد.
مقهى سمارة.. مكان جلوس أبطال المقاومة
جلست إليه في مقهى “سمارة” بحي الشرق، ذلك المكان الذي يحتفظ بظل زمن كامل. حيث كان النائب الراحل البدري فرغلي يتخذه مقرا له لسنوات طويلة. وحيث جلس فيه أبطال من زمن المقاومة، السيد عسران الذي قتل ويليامز، ومحمد حمد الله الذي شارك مع خمسة آخرين في أسر مورهاوس. ومحمد مهران الذي شارك في المقاومة حتى اقتلعت عيناه على يد قوات الاحتلال، ولا يبعد منزله سوى أمتار عن المقهى. هناك، وسط هذا الهواء المشبع بالحكايات، بدأنا نعيد تفكيك سيرة أم الفقير.
اقرأ أيضا: الكنيسة الأرثوذكسية بدمياط.. سجل حي لتاريخ الجاليات الأجنبية وتحولات المدينة
أم الفقير تقتل المظليين الإنجليز
قال المهندس محمد إن الرجل الذي يكتب التاريخ لا بد أن يستند إلى وثيقة، وإن أم الفقير، رغم حضورها الطاغي في الذاكرة الشعبية، لم ترد في الوثائق إلا نادرا. ولم يجد لها أثرا واضحا إلا في كتاب واحد صدر عام 1958 بعنوان “معركة بورسعيد.. للتاريخ”، لمؤلفيه الدكتور مصطفى الشكعة، الأستاذ بكلية الآداب جامعة عين شمس، وفؤاد هدية، عضو بلدية بورسعيد والحاصل على بكالوريوس في الاقتصاد السياسي. وهو ما يعني أن الكتاب كتب تزامنا مع الحدث وتوثيقا له تحت رعاية المؤسسة الرسمية ومباركتها.
وفي هذا الكتاب، لم ترد سيرة أم الفقير إلا في صفحة واحدة، حيث جاء أن دفعة من المظليين الإنجليز هبطت قرب المساكن الشعبية. فهرعت إليهم النساء، وانهلن عليهم بالعصي والسكاكين والمدى. وكانت بينهن امرأة تدعى أم الفقير، قتلت بمفردها أكثر من جندي ممن تطلق عليهم الإمبراطورية اسم “الشياطين الحمر”. مستخدمة يد الهون، تهوي بها على رأس الجندي بمجرد هبوطه. ثم تنتقل إلى آخر حتى يسقطوا في دمائهم، ثم تعود لتجهز عليهم واحدا تلو الآخر. هكذا، في سطور قليلة، دون تضخيم، ودون تلك الطبقات التي أضافها الخيال لاحقا. ومن هذه النقطة تبدأ الحكاية في التمدد.

صراع الحقيقة مع الذاكرة الشعبية
يتداخل إبراهيم الشبراوي، مواليد 1958، موظف سابق بالشؤون الاجتماعية وشاعر شعبي. فيروي الحكاية بطريقته، لا بوصفها واقعة، بل ككائن حي خرج من رحم المكان. يقول إن بحيرة المنزلة لم تكن مجرد جغرافيا، بل موطنا للسحر والدهشة. وأن مثل هذه الشخصيات لا تولد من فراغ، بل من بيئة تسمح للواقع أن يختلط بالخيال، وأن تمتد الحكاية حتى تتجاوز صاحبها. عنده، لم تكن أم الفقير امرأة عادية، بل ابنة هذا المناخ الذي يصنع الأساطير دون قصد.
وفي الذاكرة الشعبية، كما تتردد على الألسنة، تظهر أم الفقير بشكل آخر: سيدة غجرية سليطة اللسان على نحو موهوب. تملك قاموسا من السباب بلا سقف، وتسكن “عشة” في حي المناخ على مشارف بحيرة المنزلة، وتبيع لسانها لمن يدفع. يستأجرها الناس في مشاجرات الحواري. وتستدعى لكسر هيبة مسؤول، ويستعان بها في مواسم الانتخابات لإهانة خصم انتخابي بطريقة لا يقدر عليها أفصح الخطباء.
اقرأ أيضا: «البيت الإيطالي» ببورسعيد.. من مجد روما إلى زمن الغياب
نموذج للسخرية من الخصوم ومواجهة الأعداء
من أشهر ما يُروى عنها، كما تتناقله الروايات، أنها استؤجرت في انتخابات مجلس النواب عام 1951 ضد عبد الرحمن باشا لطفي، الشهير بلطفي شبارة، فأعدت مشهدا ساخرا، صنعت “غابة” تتدلى منها سمكة شبار. وركبت حمارة بالمقلوب، وطافت شوارع بورسعيد تغني في عرض لاذع قيل إنه نجح في إسقاطه. رغم مكانته الكبيرة ومساهماته في بناء مسجد من أجمل مساجد المدينة، والمشاركة في مستشفى مبرة فوزية.
وتتسع الحكاية أكثر حين تصل إلى العدوان الثلاثي عام 1956. إذ يروى أنها كانت تسكن كوخا من البوص والصفيح في حي المناخ، وأن النابالم أحرق الحي حتى صار أرضا سوداء، بينما بقي بيتها. ثم هبطت مجموعة من المظليين أمام منزلها، فخرجت بلا سلاح. وأمسكت “يد الهون”، وضربت بها رؤوسهم، ثم عادت بحلة نحاس لتجهز عليهم. ويقال إن الأطباء الإنجليز عجزوا عن تفسير تلك الإصابات. وإن الصحف الأجنبية تحدثت عن “سلاح المطبخ” الذي واجه به أهل بورسعيد الاحتلال.
وحين ذهبت إلى المكان، على مشارف بحيرة المنزلة، لم أجد شيئا من ذلك. جفت البحيرة، وارتفعت البيوت والأبراج، واختفت العلامات، كأن المكان نفسه نسي الحكاية.

سمعنا حكاية أم الفقير لكننا لم نرها
هنا استعدت ما قاله السيد عبادي، مواليد 1950، مهندس زراعي وقاص وعضو اتحاد كتاب مصر، ويسكن قريبا من هذا الموضع. قال إن ما جرى لحي المناخ بعد العدوان لم يكن مجرد إعادة بناء، بل إعادة خلق كاملة. بعد حريق النابالم، أوفد جمال عبد الناصر الوزير عبد اللطيف البغدادي، وكلفه بالإقامة في بورسعيد حتى إعادة التعمير. وخلال ستة أشهر نشأت المناطق الثمانية. من شارع الأمين حتى شارع كسرى وامتداده إلى شارع عبد الهادي الحديدي عند معسكر الشباب الدولي.
ويشرح عبادي أن التخطيط جاء بنظام واضح، المناطق الفردية على اليمين، والزوجية على اليسار. ويفصل بينها ميدان ستالينجراد، إلى جانب مساكن ناصر والأمين والحرية، التي كانت بيوتا من دور واحد. لكل منها حديقة، كأن المدينة أعادت ترتيب نفسها فوق ذاكرة محترقة.
سألت من يسكنون هناك الآن، فلم يعرفها بعضهم، بينما ردد آخرون حكايات سمعوها من قبل، نفس ما يتردد في المقاهي والشوارع، ذاكرة تنتقل دون أن تتأكد.
كيف أحرقت ابنها الذي عاون الإنجليز
في النهاية، يأتي فارس التابعي، مواليد 2001، صانع الأفلام والراوي البصري، ليعيد طرح الحكاية بلغة أخرى. تخرج في The Jesuit Cairo Film School وLe CinéFabrique. وقدم أفلاما مثل “باسم الابن” و”الصورة غير الملتقطة”. وهو الآن يعد عملا عن أم الفقير، لا يعتمد فقط على الروايات الشائعة. بل على ذاكرة عائلية نقلها إليه جده المولود عام 1922، وجدته المولودة عام 1935. كأن الحكاية تعود لتروى من جديد، لكن هذه المرة بالصورة.
وتضيف الروايات أنها رفضت تكريما ماليا من الدولة. وأنها أحرقت ابنها “الفقير” حين قيل إنه أرشد الإنجليز إلى مخزن سلاح للمقاومة قرب مسجد علوان باشا. وهي حكاية يرويها الناس همسا، كوجه آخر لامرأة لا تشبه أحدا.
جمال عبد الناصر كان يعرفها ويصافحها
في أيامها العادية، كانت أم الفقير تقدم عروضا بالنار، تصنع كرات من القماش أو الكهنة، تشعلها وتديرها في الهواء، ثم تطفئها في فمها، فيصفق لها الناس ويلقون القروش، وكانت فقيرة إلى حد أن اسمها نفسه صار دليلا على حالها.
ويقال إن الرئيس جمال عبد الناصر كان يعرفها، وكان يلوح لها في زياراته لبورسعيد يوم 23 ديسمبر، وكانت تصر على مصافحته، وتظهر في الصور امرأة بجلباب أسود تقف قرب سيارته، وخلفها مساكن شعبية بنيت بعد العدوان لإيواء المتضررين بإيجار رمزي.
وهكذا، بين وثيقة يرويها بيوض، وخيال يفسره الشبراوي، وذاكرة مكان يعيدها عبادي، وصورة يحاول التقاطها فارس التابعي، يمكن أن نرى أم الفقير كما هي، لا كما نريدها تماما، امرأة ربما عاشت حياة بسيطة على الهامش، ثم التقطها الناس، ومنحوها ما يشبه الخلود، لا لأنها فعلت كل ما يروى، بل لأنها عبرت عن شيء عميق في روح المدينة.
هكذا بقيت أم الفقير في ذاكرة بورسعيد، بين سطر يتيم في كتاب، وصوت ممتد في الحكايات، وظل مكان لم يعد موجودا، امرأة باعت لسانها يوما، وربما رفعت يدها في وجه جندي، لكنها في النهاية صارت أسطورة شعبية، كلما أرادت المدينة أن تتذكر نفسها، استعادت اسمها، كأنها لم تغب أبدا.
اقرأ أيضا: «المنجأونة».. حكاية فطيرة تروي ذاكرة بورسعيد في شم النسيم



