«أغاني الحجيج».. موروثات غنائية حفظها الجمهور وتغنّى بها الصعايدة
«رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة.. رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة»، أغنية شعبية موروثة يتغنى بها المطربون والمنشدون وحتى الحجاج أثناء توديعهم إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، وقد غنّى بها العديد من المطربين، أبرزهم فاطمة عيد، وتغنّى بها كثير من مطربي الصعيد، وأضافوا لها أبياتًا جديدة تتناسب مع الوزن والقافية. وحظيت محافظة الأقصر بالنصيب الأكبر في الغناء الشعبي وأغاني الحجيج أثناء الذهاب والعودة. وفي هذا التقرير نتعرف على بعض مطربي الصعيد الشهيرين الذين رافقوا الحجيج في فرحتهم بهذه المناسبة.
أغنية «فاطمة يا فاطمة.. يا بنت التهامي»
من أبرز ما قدمته الأقصر في مجال الغناء الشعبي الفنان ربيع بركة، أحد أشهر مطربي الكف في الصعيد حيث عمل مهندسًا زراعيًا بجانب الغناء الشعبي، وتوفي العام الماضي. ومن أشهر أغانيه التي لا تزال تُغنى حتى اليوم “زفة الحجاج”، وكذلك أغنية “زمزم” التي تُردد في المناسبات الدينية، وتقول كلماتها: “زمزم.. زمزم، يا اللي على طه ناوي.. بلغه مني السلام، وقل له مشتاق محبك. حرم عينه المنام، عن قصة مية زمزم.. اسمع مني الكلام”.
كما قدمت المحافظة مطربين آخرين، أبرزهم الفنان جابر العزب، ابن مركز إسنا، الذي قدم عدة أغنيات يتم سماعها أثناء توديع الحجيج، منها أغنية “فاطمة يا فاطمة”، وجاءت كلماتها: “فاطمة يا فاطمة يا بنت التهامي، افتحي البوابة يا فاطمة أبوكي دعاني، فاطمة يا فاطمة يا بنت الرسول.. افتحي البوابة حبايبك دعوني”.
اقرأ أيضًا:أغاني الحجيج: البوابات الباطنية وسر «القناوي»

12 أغنية عن الحج بطابع شعبي صعيدي
يُعد المطرب محمود جمعة أحد أبرز مطربي الصعيد خلال السنوات الماضية، ورغم نشأته وإقامته بمحافظة الأقصر، فإنه حقق نجاحًا كبيرًا في مختلف محافظات مصر، حيث قدم العديد من الحفلات الغنائية الدينية والشعبية في الأفراح، كما شارك في مهرجان فاس بالمملكة المغربية.
واحترف جمعة الغناء منذ قرابة ثلاثة عقود، حيث بدأ الغناء في الأفراح عندما كان يبلغ من العمر 18عامًا، ويبلغ عمره الآن 46عامًا. كما قدم العديد من الأغاني الشعبية والدينية على شرائط الكاسيت، بلغ عددها 12 شريطًا، ونال بعضها شهرة واسعة في محافظات الصعيد.
وأوضح لـ«باب مصر» أنه قدم 12 أغنية عن الحج والعمرة في شريط واحد، بعضها من الموروث الشعبي، وبعضها الآخر من كلمات أبو أميرة الأسواني، كما أضاف كلمات جديدة إلى أغنية “رايحة فين يا حاجة”. مشيرًا إلى أن سبب شهرة أغاني الحج التي قدمها للحجيج يرجع إلى اختياره للطابع الصعيدي في الأداء واللغة، إلى جانب بساطة الكلمات التي لامست مشاعر الحجيج وأضافت أجواء من البهجة أثناء سفرهم إلى بيت الله الحرام.
«مبروك يا حاج هنيالك”.. و«رايحة فين يا حاجة»
استكمل جمعة حديثه قائلًا: “من أشهر أغنياتي عن الحج أغنية “مبروك يا حاج هنيالك”، وجاءت كلماتها: “مبروك يا حاج هنيالك.. حجة هنية ربي أدالك، مبروك عليك حجة هنية.. رايح الأراضي الحجازية، ومعاك في الروحة والجاية.. كل الحبايب جيالك”.
كما قدم أغنية أخرى تقول كلماتها: “على الشط استني يا سفينة.. أنا رايح أزور طه نبينا، وأملي العين بزيارة الزين.. بسلام على أرضه تودينا”.
وأشار إلى أن أغنية “رايحة فين يا حاجة يا أم الشال قطيفة” التراثية حظيت بالشهرة الأوسع، حيث غنى بعض مقاطعها القديمة وأضاف إليها مقاطع جديدة، وجاءت كلماتها: “رايحة فين يا حاجة يا أم الشال ليموني.. رايحة أزور النبي يا ولدي وأملىّ عيوني، رايحة فين يا حاجة يا أم الشال السماوي.. رايحة أزور النبي يا ولدي وأرجع على القناوي”.
اقرأ أيضا: أغاني الحج.. تراث لا يندثر في الصعيد
المنشد أحمد حسن.. لون حديث ممزوج بالقديم
ظهر على الساحة الغنائية بمحافظة الأقصر المنشد الشاب أحمد حسن، الذي حقق نجاحًا كبيرًا في الإنشاد الديني وتميز بتقديم لون غنائي جديد، ربط فيه بين اللون الغنائي القديم والحديث.
وقال: “اعتدت الاستماع إلى الأغاني الدينية سواء في الصعيد أو مصر بشكل عام، أو حتى لمنشدين من الوطن العربي، فضلًا عن التواشيح الدينية للنقشبندي”، لافتًا إلى أن محافظات الصعيد كان لها الحظ الأوفر في ظهور العديد من المنشدين والمغنيين الذين قدموا أشكالًا وألوانًا غنائية متنوعة.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ«باب مصر» أنه قدم أربعة أعمال غنائية عن الحج والعمرة، إلى جانب أناشيد وأغانٍ أخرى عن شهر رمضان الكريم، وجميعها من تأليفه وألحانه، مشيرًا إلى أنه يستطيع إنهاء كلمات الأغنية الواحدة خلال يومين فقط، وأضاف أن أغلب هذه الأغاني حققت شهرة واسعة داخل مصر وخارجها في السعودية والأردن والإمارات.
العمة والجلباب.. أغاني حققت ملايين المشاهدات
عن سبب اختياره لهذا اللون الغنائي، قال المنشد أحمد حسن إنه لا يفضل التقليد، وسعى إلى المزج بين الغناء التراثي والحداثة، لينتج لونًا غنائيًا جديدًا يضم كلمات هادفة وبسيطة يمكن سماعها بسهولة والتفاعل معها.
كما أشار إلى اختياره زيه الخاص للظهور، حيث يرتدي العمة اليمنية والجلباب، موضحًا أن أول أغانيه حققت 22 مليون مشاهدة، كما قدم العديد من الأغاني المتنوعة، من أبرزها أغاني الحجيج التي نشرها عبر منصة يوتيوب وحققت ملايين المشاهدات. وتابع: من هذه الأغنيات “مبروك يا حج هنيالك”، ومن كلماتها: “يا جد الغلابة وأنا منهم.. هزورك غصبًا عنهم، يا رايح للنبي الهادي.. بلغ سلامي النوبادي.
كما قدم أغنية “يا اللي رايح للحبيب”، ومن كلماتها: “يا اللي نلت الحج هنيالك.. فضل ربك وأمك دعيالك، يا اللي رايح للحبيب.. خذ لي روحي معك تطيب”. وأغنية “ربي استجيب لدعايا” التي تقول كلماتها: “ربي استجيب لدعايا.. حقق أملي ومنايا، أزور خير البرايا.. وأشوف مقامه كده كفاية”.
وحقق فيديو كليب مصور برفقة طفلين نجاحًا كبيرًا بعنوان “أبشر”، وتقول كلماتها: “أبشر يا رايح لرسول الله.. يا أبو قلب أبيض وأهو نالها مناه، وما تنسى سلامي وأنتَ معاه.. يا أخي خذني إليه دانا قلبي معاه”.

انتشار الأغاني ليس مقياسًا لجودتها
يقول الشاعر والباحث في التراث عادل صابر: “لا نزال نحتفظ بأغاني الحج لكونها موروثات عاشت لسنوات طويلة وتناقلتها الأجيال، لذا فهي قائمة حتى اليوم ولم تندثر مثل بعض الأغاني الجديدة العابرة المؤقتة”. وبالرغم من أن انتشار الأغاني ليس مقياسًا لجودتها إطلاقًا، لفت صابر إلى أن هناك أغاني صوفية موروثة لم تُغن بعد، وبعضها لا يمكن غناؤه بشكل شعبي.
وأكد في تصريحات لـ«باب مصر» ضعف الأغاني التي تُقدم حاليًا، موضحًا أن الجمهور متعطش لهذا النوع من الأغاني، لكنه لا يستطيع التفرقة بين الأغاني القوية والضعيفة. واعتبر أن جميع من يقومون بالغناء حاليًا هم مؤدون وليسوا مطربين، في ظل التأثير الطاغي للموسيقى على الصوت، وهو ما يجعل الأغنية تخرج في صورة مؤثرات صوتية. كما أشار إلى أن الشباب في الوقت الحالي لا يحفظون الأغاني القديمة، ويبحثون عن الإيقاع السريع والموسيقى والرقص بالعصا.
الصعيد الأكثر احتفاظًا بالموروثات الشعبية
يضيف عادل صابر، الباحث في التراث، أن من الموروثات الغنائية القديمة ما كان يُعرف بـ”السلسلة الغنائية”، التي تصف رحلة الحجاج منذ خروجهم من المنزل، مرورًا بلحظات المغادرة والوداع، وصولًا إلى حمام مكة وبئر زمزم، وكذلك فاطمة الزهراء ابنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتصف حديثها معه، أو حتى تصف الباخرة والحرم النبوي وبيت النبي. وكان الفنانون يتعاقبون على غنائها، ومن أشهر المؤدين لها جابر العزب، وجهلان أبو المجد، ومحمد كمال القناوي.
وانتقد تقديم بعض المطربين لموروثات غنائية دون الإشارة إلى كونها موروثًا شعبيًا، وكأنها من تأليفهم.
أغاني الحجيج في الصعيد لها مكانة خاصة
يقول الشاعر والباحث عبد الستار سليم إن أغاني الحجيج في صعيد مصر لها مكانة خاصة، ولا تزال تعيش في وجداننا وضمائرنا، كما أن الزمن لم يستطع بكل جبروته محوها، وظلت تُردد حتى اليوم. فللحج والعمرة ثقافتهما المتجذرة في الذاكرة والفنون الشعبية، وربما تحمل تلك الثقافة لونًا خاصًا يصل إلى حد التفرد في صعيد مصر.
وأوضح سبب تفرد الصعيد بهذه الأغاني، أنه يعود إلى القرب الجغرافي من القبائل الإفريقية، فضلًا عن تأثر أهل الصعيد بالثقافات والفنون المتعددة لتلك القبائل، سواء في الغناء أو إيقاعات الطبول أو الرقص أو التزين بريش الطيور.
كما أشار إلى منطقة صعيد مصر كانت تستقبل الحجاج والمعتمرين القادمين من المغرب العربي، سالكين ما كان يُعرف بطريق الحج المصري عبر سفاجا وقوص والقصير في طريقهم إلى بلاد الحجاز. وخلال هذه الرحلات كانوا يستمعون إلى الأهازيج المرتبطة بمواسم الحج والعمرة، ويشاهدون الرسوم التي توثق رحلة الحجاج إلى بلاد الحجاز على واجهات المنازل، أو يتناقلون ذكريات الحج قديمًا عبر روايات الجدات والأجداد والأعمام والأخوال من الحجاج والمعتمرين أنفسهم.
وأكد تنوع الثقافة الشعبية المرتبطة بالحج والعمرة، حيث تتلون بطبيعة كل منطقة، لكن يبقى العامل المشترك دائما هو تلك الروح السائدة في كل قرية ومدينة ومحافظة، والمتمثلة في تعلق الجميع بمواسم الحج والعمرة وترقبهم لها وانتظارها بشوق بالغ. وحتى وإن غابت بعض تلك المظاهر، تظل الأرواح والقلوب تهفو وتتطلع إلى هذه المواسم التي تسكن تفاصيلها القلوب.
اقرأ أيضًا:«بدِّي أزورك يا نبي.. ياللي بلادك بعيدة».. أغاني حنون الحجاج وطقس العبور



