دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

ملف| قطع أشجار «الميريلاند».. وخبير: «تدخلات عشوائية» تفقد مصر الجديدة ذاكرتها الخضراء

أثارت صور ومقاطع متداولة لقطع أشجار داخل سور «حديقة الميريلاند» في حي مصر الجديدة حالة من الجدل والغضب بين السكان وخبراء التخطيط العمراني، وسط تساؤلات حول مصير الأشجار التاريخية والمعمرة في القاهرة، ومدى تأثير أعمال التطوير على الهوية البصرية والتراثية للمدينة، فضلًا عن التساؤل بشأن قيمة الأشجار التاريخية داخل المدينة، وارتباطها بالذاكرة الجمعية للمكان وعلاقتها بالشخصية العمرانية، وكيفية التخطيط والتطوير مع مراعاة وجود الأشجار باعتبارها بصمة خاصة للمكان.

قطع أشجار بسور حديقة الميريلاند

تفاجأت شاهدة عيان، في مطلع مايو الجاري، بقطع مفاجئ لأشجار بسور حديقة الميريلاند، التي تقع على مساحة 22 فدانًا. هرعت إلى الشارع وسألت عن سبب إزالة الأشجار، قائلة: “سألناهم وقالوا إنهم من الحي، عشان الشجرة بيتجمع حواليها شباب”.

ووصفت شاهدة العيان ما حدث لـ«باب مصر» بأنه يمثل امتدادًا لتشويه الهوية العمرانية والتاريخية للحي، الذي عُرف لعقود بمساحاته الخضراء وتخطيطه المميز.

وباعتبارها واحدة من أبناء الحي، ترى أن الأشجار والحدائق داخل المدن “ليست رفاهية”، بل تمثل عنصرًا أساسيًا للصحة العامة وجودة الحياة، مشيرة إلى أن حي مصر الجديدة فقد، خلال السنوات الأخيرة، نسبة كبيرة من أشجاره القديمة، بما في ذلك أشجار تاريخية تعود إلى عصر البارون إمبان.

اقرأ أيضًا: ملف| «أشجار الأسمنت»

إزالة الأشجار

أضافت شاهدة العيان أن حدائق الميادين والحدائق الصغيرة التي كانت تميز شوارع الحي، مثل شارعي الحجاز وعبد العزيز فهمي، أزيلت لصالح المشروعات والتوسعات المرورية.

وأكدت أن حديقة الميريلاند، التي يرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1949، شهدت إزالة عدد كبير من الأشجار المعمرة، كما تعرضت الشوارع المحيطة بها، مثل شارعي ”السباق” و”شهاب الدين خفاجة”، لإزالة الأشجار والحدائق، وما تزال شوارع أخرى، مثل نهرو وسور الحديقة، تتعرض لمحاولات إزالة واجه بعضها اعتراضات من السكان، ما أدى إلى وقفها مؤقتًا.

وتابعت أن شارع شهاب الدين خفاجة شهد بالفعل إزالة إحدى الحدائق، كما اختفت أجزاء تاريخية مرتبطة بمنطقة “غرناطة”، وكذلك شارع السباق الذي ارتبط اسمه قديمًا بسباقات الخيل والمساحات المفتوحة المحيطة به. إذ أنشئ في عهد الملك فاروق، تحت اسم نادي “سباق الخيل”.

وأشارت إلى أن السكان تقدموا ببلاغات إلى الحي والجهات المختصة بشأن إزالة الأشجار القديمة المحيطة بسور الميريلاند، لافتة إلى أن العديد من الأهالي تواصلوا مع النجدة.

وأوضحت أن التأثير السلبي للإزالة لا يقتصر على الضرر الصحي والإحساس الشديد بارتفاع درجات الحرارة وزيادة التلوث البيئي، بل يمتد أيضًا إلى تجريد الحي من تاريخه وطبيعته التراثية، فضلًا عن آثاره الاجتماعية السلبية على المنطقة وسكانها، الذين يعانون من الضوضاء المستمرة وتجمعات الشباب في أماكن الكافيهات والجراجات التي حلت محل الأشجار التي تمت إزالتها.

اقرأ أيضًا: في أسوان.. توثيق الأشجار النادرة والمعمرة داخل الحدائق العامة

حقيقة قطع الأشجار

تواصل «باب مصر» مع الدكتور محمد أبو سعدة، رئيس جهاز التنسيق الحضاري التابع لوزارة الثقافي، بشأن صور قطع الأشجار، وما إذا كانت ضمن خطة تطوير جديدة أو تفاصيل أخرى لم يتم الإعلان عنها رسميًا، وكذلك لمعرفة ما إذا كانت الأشجار التي تمت إزالتها نادرة أو ذات أهمية تاريخية.

ولم يتم الرد على هذه التساؤلات، لكن في تصريحات سابقة لـ«باب مصر»، أوضح الدكتور محمد أبو سعدة أنه يجري العمل على مشروع لتوثيق الأشجار النادرة والمعمرة في مصر، من خلال إعداد أرشيف خاص بها، يشمل حدائق الأزبكية والأسماك والنباتات والقناطر والأورمان، إلى جانب باقي الحدائق التراثية وأي أشجار أخرى نادرة أو معمرة.

الأشجار المعمرة بالقاهرة

لا تفارق حديقة الميريلاند ذهن دكتور محمود غيث، أستاذ هندسة التخطيط العمراني ورئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، إذ التقى زوجته للمرة الأولى داخل الحديقة، ما جعلها ترتبط لديه بذكريات شخصية وإنسانية.

وقال لـ«باب مصر»: “حين أزورها الآن أشعر بالحزن بسبب اختفاء أجزاء كبيرة منها وتغير ملامحها، بما في ذلك البحيرة”. وتطرق للحديث عن الأشجار وأثر إزالة بعضها على الذاكرة الجماعية للمدينة، بعد تداول صور لقطع أشجار من حديقتي الميريلاند بحي مصر الجديدة و”الحرية” بحي الزمالك.

وأشار في تصريحات خاصة لـ«باب مصر» إلى أهمية الأشجار المعمرة في القاهرة، التي شهدت منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين موجات واسعة من التشجير الحضري، خاصة خلال عهود الخديوي إسماعيل والملك فؤاد والملك فاروق، حيث ارتبط التخطيط العمراني بإنشاء الحدائق العامة والمحاور الخضراء.

اقرأ أيضًا: د. نبيل الهادي في ندوة «خرائط الأشجار»: الأشجار تصنع حياة كاملة وليست مجرد زينة

أنواع الأشجار المعمرة

كان البارون إمبان مالك الأرض، وبحسب البيان الرسمي لخريطة مشروعات مصر، صدر قرار التأميم عقب قيام ثورة يوليو، وعلى إثره  نُقل نادي سباق الخيل إلى منطقة نادي الشمس، ثم سُمي لاحقًا بنادي الفروسية. وفي عام 1958 جرى تخطيط الموقع لإنشاء حديقة مكان النادي، وأطلق عليها اسم “الميريلاند”.

ومن أبرز أنواع الأشجار المعمرة والنادرة في القاهرة: النخيل الملكي، الجميز، واللبخ، والتين البنغالي، والكافور، والبونسيانا، والأكاسيا، والجاكرندا. وتتميز هذه الأشجار بدورها في تقليل درجات الحرارة، وامتصاص الغبار، وتوفير الظل، وتحسين جودة الهواء، ودعم التنوع البيولوجي.

وتطرق في حديثه إلى حديقة الميريلاند كنموذج للتراث الأخضر، موضحًا أنها تعد من أشهر حدائق حي مصر الجديدة، وترجع جذورها إلى بدايات القرن العشرين ضمن مشروع تطوير حي هليوبوليس، واشتهرت بتنوعها النباتي واحتوائها على أشجار ضخمة ومعمرة تشكل جزءًا من المشهد العمراني التاريخي للمنطقة.

جدل متكرر

أشار الدكتور محمود غيث إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تكرار حالات الجدل المرتبطة بأعمال تطوير حديقة الميريلاند، إذ أثارت صور ومقاطع مصورة تظهر إزالة أو تقليم بعض الأشجار حالة من الجدل الواسع.  وفي هذا السياق، أصدرت وزارة البيئة المصرية بيانات أكدت فيها عدم وجود إزالة جائرة للأشجار، مع التشديد على وقف أي أعمال تقليم دون تنسيق مع الجهات المختصة.

كما أثيرت انتقادات مجتمعية بشأن غياب الشفافية والحوار المجتمعي في بعض مراحل التطوير، وسط تخوفات من فقدان الحديقة لطابعها التاريخي والبيئي.

الأشجار والذاكرة الجماعية للمدينة

بحسب الدراسات العمرانية والثقافية، فإن العناصر الطبيعية داخل المدن – خاصة الأشجار المعمرة – تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الذاكرة الجمعية أو المكانية، وترتبط بالخبرات اليومية والطفولة والمشاهد المتكررة في حياة السكان.

وكما أوضح الدكتور محمود غيث، أستاذ هندسة التخطيط العمراني، فإن إزالة الأشجار التاريخية تدفع السكان إلى الشعور بأن جزءًا من هوية المكان قد اختفى، وهو ما ظهر بوضوح في ردود الفعل الشعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف: “يؤدي ذلك أيضًا إلى تراجع القيمة الجمالية للمشهد الحضري، وزيادة الإحساس بالاغتراب داخل المدينة، وفقدان عناصر التوجيه البصري والرمزية الخاصة بالمكان، إلى جانب ضعف الترابط العاطفي بين السكان والمكان”.

الأشجار وهوية المدينة

استكمل الدكتور محمود غيث حديثه موضحًا أن الأشجار المعمرة والنادرة ذات الطابع التاريخي تمثل جزءًا أساسيًا من التراث الثقافي والهوية البصرية لمدينة القاهرة، إذ ارتبط بها الإنسان باعتبارها من التفاصيل الصغيرة التي تترك أثرًا عميقا في الذاكرة.

وأوضح أنه خلال سنوات سفره الطويلة خارج مصر، كان يتساءل دائما: “هل يكون الحنين للأشخاص أم للأماكن أم للتفاصيل التي صنعت جمال المكان وتفرده؟”، مشيرًا إلى أن الأشجار المعمرة تحمل ذكريات متراكمة عبر الزمن، وتترك بصمة قوية في وعي السكان وإحساسهم بالمكان.

وأضاف أن الإنسان عندما ينظر إلى المدينة لا يرى المباني فقط، رغم أنها تحتل مساحة كبيرة في الذاكرة بحكم حجمها، لكن التفاصيل البصرية المعمرة – مثل الأشجار والتماثيل – قد تكون أكثر تأثيرًا. وأشار إلى أن القاهرة، ومصر الجديدة تحديدًا، كانت تتميز قديمًا بأشكال متنوعة وجميلة من الأشجار، إلا أن المدينة فقدت جزءًا كبيرًا منها خلال السنوات الأخيرة.

وقال غيث لـ«باب مصر»، متحدثًا عن التغيرات التي شهدها حي مصر الجديدة، إنه كان يُعد من أجمل أحياء القاهرة، إلا أن اختفاء العديد من معالمه البصرية القديمة أثر على طابعه العمراني بشكل واضح. وأضاف: “رغم أنني أحفظ شوارع مصر الجديدة جيدًا، فإنني أجد نفسي أحيانًا تائهًا أثناء القيادة، لأن معالم كثيرة اختفت”.

الأشجار والتوجيه البصري

أشار الدكتور محمود غيث إلى أن الأشجار القديمة كانت تؤدي دورًا مهمًا في توجيه السكان بصريًا داخل الحي، موضحًا أن المدن الأوروبية تحرص على الحفاظ على العناصر البصرية المميزة، سواء من خلال المباني أو الألوان أو الأشجار، لأنها تساعد الإنسان على إدراك المكان والتفاعل معه.

واستشهد بأفكار عالم التخطيط العمراني “كيفن لينش”، صاحب كتاب “صورة المدينة”، موضحًا أن تكوين المدن لا يعتمد فقط على المباني، بل على عناصر بصرية متعددة مثل الفراغات والحدود والممرات والتشكيلات العمرانية والطبيعية التي تساعد الإنسان على إدراك المكان والتفاعل معه.

وقال إن الكتل الشجرية والمساحات الخضراء تؤدي دورًا مهمًا في “التوجيه البصري” داخل المدينة، إذ تمنح الإنسان إحساسًا بالمكان وتخلق ارتباطًا وجدانيًا به، مشيرًا إلى أن دخول أي مدينة يرتبط عادة بمعالم مميزة، سواء كانت مبنى شهيرًا أو كتلة خضراء أو مزيجًا من العناصر التي تُكون ذاكرة بصرية ومشاعر داخل الإنسان.

وأضاف أن إزالة هذه المعالم، خاصة الأشجار القديمة، تقطع ما وصفه بـ”التسلسل البصري والإحساس بالمكان”، موضحًا أن الفراغ العمراني يفقد جزءًا من معناه عندما تُمحى العناصر التي كانت تولد لدى السكان مشاعر معينة وترتبط بذكريات ممتدة عبر الزمن.

وأوضح أن العمارة والتخطيط يرتبطان بشكل مباشر بالحالة النفسية للإنسان، قائلًا إن كل مساحة عمرانية تولد إحساسًا مختلفًا؛ فالمسجد مثلًا يمنح شعورًا بالخشوع والسكينة من خلال تصميمه وتكوينه البصري، وإذا تغير هذا التكوين تنعكس المشاعر المصاحبة له. وكذلك الحال في الأماكن الضيقة أو المظلمة، مثل الأنفاق، التي تفرض بدورها إحساسًا معينًا على الإنسان.

اقرأ أيضًا: الأشجار العتيقة في البحيرة.. اقتلاع التاريخ من جذوره

حديقة الميريلاند عام 2022
حديقة الميريلاند عام 2022
تأثير بصري ونفسي

يقول الدكتور محمود غيث إن الأشجار القديمة تمتلك أحيانًا تأثيرًا بصريًا ونفسيًا يفوق تأثير المباني نفسها، مستشهدًا بمنطقة المعادي القديمة، التي ذكر أنها لا تزال تحتفظ بإحساس خاص بسبب كثافة أشجارها القديمة وألوانها، والتي تعيد للإنسان ذكريات ومشاعر جميلة مرتبطة بالمكان.

وفي المقابل، أكد أن مصر الجديدة فقدت جزءًا كبيرًا من هذا الإحساس بعد اختفاء عدد من معالمها الطبيعية والبصرية، لدرجة أنه أصبح يشعر أحيانًا بأن بعض المناطق التي عاش فيها طويلًا باتت غريبة وغير مألوفة بالنسبة له.

وأضاف أن المدينة، بكل عناصرها، تولد لدى الإنسان مشاعر مختلفة؛ فالمرور أمام مستشفى نظيف ومنظم يمنح إحساسًا بالأمان والطمأنينة، بينما تمنح الأشجار القديمة شعورًا بالجمال والراحة والحنين، وهو ما يفسر – بحسب قوله – ارتباط الناس بفكرة “الزمن الجميل”.

وتساءل غيث: “حين نتحدث عن الزمن الجميل، هل نقصد الناس فقط، أم الأشجار القديمة، أم التماثيل، أم السلوكيات والتفاصيل التي شكلت وجداننا؟”، مؤكدًا أن الإنسان يختزن كل هذه العناصر داخله، بغض النظر عن ثقافته أو خلفيته الاجتماعية.

التصميم العمراني ومشاعر الإنسان

واصل الدكتور محمود غيث، أستاذ التخطيط العمراني، حديثه عن تأثير التصميم العمراني و”اللاندسكيب” على مشاعر الإنسان، مستشهدًا بما تناوله كيفن لينش بالتفصيل حول كيفية إسهام كل مفردة بصرية داخل المدينة في تشكيل الإحساس بالمكان، مؤكدًا أن “التصميم الناجح هو الذي يمنح الإنسان الإحساس المناسب”.

وأوضح أن عناصر اللاندسكيب، مثل النباتات والأشجار القديمة والتاريخية، تمتلك بصمة قوية في تشكيل شخصية المكان. وانتقد غيث ما وصفه بـ”التدخلات العشوائية” التي شهدتها بعض الحدائق التاريخية، معتبرًا أن ما حدث في حديقة الحرية نُفذ بعيدًا عن أي رؤية ثقافية أو حضارية.

وأوضح أن الحديقة كانت تضم في السابق عناصر ترفيهية متكاملة، مثل السينما الصيفية وأماكن الألعاب وحمام السباحة وعروض الدلافين، لكن هذه العناصر اختفت تدريجيًا، بالتزامن مع تراجع المساحات المفتوحة داخل الحديقة.

وعن تأثير تقليص الفراغات العامة نفسيًا على الزائر، قال: “كلما قلت الفراغات، يشعر الإنسان وكأنه داخل سجن، كما أن إحاطة حمام السباحة بهياكل حديدية متشابهة، إلى جانب تصميم النافورة الراقصة وتوزيع الإضاءة بشكل غير مدروس، أفقد المكان قيمته البصرية والجمالية”.

وانتقد طريقة تنفيذ النافورة والإضاءة، معتبرًا أنها تفتقر إلى أسس التصميم البصري السليم، سواء في توزيع الألوان أو الحركة أو إبراز العناصر المهمة داخل المشهد العمراني. وقال إن القواعد الأساسية للتصميم تقتضي إبراز العنصر الرئيسي ومنحه قيمة بصرية من خلال ما يحيط به، لا أن يختفي وسط عناصر متنافرة.

المقياس البصري

أضاف الدكتور محمود غيث أن بعض التماثيل والعناصر الجمالية داخل الحديقة فقدت حضورها بسبب اختلال “المقياس البصري”، موضحًا أن التمثال الذي كان يمثل علامة مميزة أصبح يبدو “كقلم رصاص صغير” وسط الكتل المحيطة به، بعدما فقد التوازن البصري الذي كان يمنحه قوته وهيبته داخل الفراغ العام.

وأكد أن الأشجار القديمة كانت تمثل علامات بصرية مميزة، لأنها تختلف عن محيطها وتمنح المشهد قوة ووضوحًا، فضلًا عن دورها في التوجيه داخل المكان. وانتقد أيضًا توزيع الإضاءة والعناصر المعدنية ذات اللون الرمادي داخل بعض المساحات، قائلًا إن بعض المشاهد أصبحت تمنحه إحساسًا “يشبه المقابر الكبيرة”.

وتطرق أستاذ التخطيط العمراني إلى فكرة “المدخل الفراغي” في التخطيط العمراني، موضحًا أن المداخل الرئيسية للحدائق والأماكن العامة يجب أن تمنح الزائر إحساسًا واضحًا بالمكان من خلال تشكيل بصري قوي ومميز. لكنه رأى أن الوضع الحالي لحديقة الميريلاند يجعل الزائر يشعر وكأنه يدخل “سوقًا شعبيًا”، بسبب انتشار المحال التجارية وغياب التوجيه البصري الواضح.

وأشار إلى أن الممرات القديمة داخل الحديقة كانت واضحة ومنظمة، بينما أُغلقت معظم الفتحات والمداخل الواسعة، وتحولت إلى ممرات ضيقة تفتقد الإحساس بالانفتاح.

التعامل مع الأشجار التاريخية والمعمرة

عن التعامل مع الأشجار التاريخية والمعمرة داخل الحدائق العامة، أوضح الدكتور محمود غيث، أنه لا يجب أن يتم بصورة عشوائية، مؤكدًا أن لكل شجرة طبيعة خاصة وتاريخًا وأساليب محددة في الرعاية والصيانة.

وقال إن مدير الحدائق أو المتخصص المسؤول عن هذه المساحات يجب أن يكون على دراية كاملة بكل شجرة داخل الموقع، من حيث نوعها وطبيعة نموها وطرق تهذيبها ومواعيد تقليم الأغصان الزائدة والتعامل مع عمليات التهجين والرعاية النباتية، معتبرًا أن ما جرى في بعض الحدائق يعكس غياب التخصص والتعامل العلمي مع المكان.

وأضاف أن إزالة الأشجار أو إعادة تشكيل الفراغات بهدف توفير مساحات إضافية يمثل تصرفًا يفتقر إلى الرؤية المهنية والثقافية، ويُعد إساءة لقيمة المكان وتاريخه، مشيرًا إلى أن أي تدخل في الحدائق التاريخية حول العالم يخضع لإجراءات واضحة وموافقات متعددة قبل التنفيذ.

الشراكة المجتمعية

فيما شدد الدكتور محمود غيث على أهمية “الشراكة المجتمعية” في مشروعات التطوير العمراني، مؤكدًا أن القضية تتعلق بالحفاظ على الثقافة والذوق العام وحق السكان في المشاركة في تشكيل مدينتهم.

وأوضح أن المعايير الحديثة في التخطيط العمراني تفرض عقد جلسات استماع مجتمعية قبل تنفيذ أي مشروع يتعلق بتطوير الشوارع أو الميادين أو الحدائق أو الفراغات العامة، بحيث تُعرض المقترحات على السكان المستهدفين ويتم الاستماع إلى آرائهم واحتياجاتهم قبل اعتماد التصميم النهائي.

وأضاف: “المتخصص الحقيقي لا يفرض رؤيته الخاصة على الناس، بل يطوع التصميم لخدمة احتياجاتهم ورغباتهم”، مؤكدًا أن التخطيط العمراني لا يعتمد فقط على الأسس العلمية، وإنما يجب أن يراعي أيضًا العلاقة النفسية والوجدانية بين السكان والمكان.

تحديات تواجه الأشجار التاريخية بالقاهرة

عن التحديات التي تواجه الأشجار التاريخية في القاهرة، أوضح أستاذ التخطيط العمراني، أن أبرزها يتمثل في التوسع العمراني ومشروعات الطرق والمحاور، وضعف برامج الصيانة والرعاية النباتية، ونقص قواعد البيانات الدقيقة للأشجار التراثية، وغياب الحماية القانونية الكافية للأشجار النادرة، فضلًا عن تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.

ونوه بأن بعض الجهات الرسمية دافعت عن إزالة بعض الأشجار باعتبارات تتعلق بالأمان أو تنفيذ المشروعات القومية، مع التأكيد على نقل بعض الأشجار بدلًا من إزالتها بالكامل.

وعن حديقة الحرية ودورها الثقافي، أوضح أنها تمثل إحدى أهم الحدائق المركزية في القاهرة وتقع بالقرب من دار الأوبرا المصرية ونهر النيل، وتضم تماثيل لشخصيات تاريخية عالمية، ومسطحات خضراء وأشجارًا قديمة تشكل مُتنفسًا بصريًا بيئيًا في قلب العاصمة. كما ارتبطت في الوعي الجمعي للمصريين بمظاهر التنزه العائلي والأنشطة الثقافية والتصوير الفوتوغرافي.

توثيق الأشجار النادرة

على صعيد آخر، أُطلق جهاز التنسيق الحضاري، في مايو 2025، مشروع توثيق الأشجار النادرة. ومنذ ذلك الوقت تم توثيق 1043 شجرة نادرة وتاريخية.

وبحسب الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من بينها 43 شجرة نادرة في حديقة الأسماك، و28 في حديقة الأزبكية، و99 شجرة نادرة في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، و62 شجرة في حديقة فريال، و102 شجرة نادرة وتاريخية في قصر محمد علي بشبرا. ولفت البيان إلى أن أكبر عدد من الأشجار الموثقة يوجد في أسوان، خاصة في حديقة النباتات، التي تضم 575 شجرة نادرة وتاريخية.

اقرأ أيضًا: ملف| د.«نبيل الهادي»: توثيق الأشجار ساعد في فهم الأنواع المناسبة لبيئتنا

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.