بعد أن صارت أطلالًا.. حكاية «كبائن الميناتل» في زمن الاتصالات العمومية
10 سنوات قضتها كبائن الميناتل في رحاب الشوارع وأروقة الحارات، بين انتشار واسع واختفاء مفاجئ على غير ما كان متوقعًا. بين زمن كان فيه الصوت يخرج من كابينة صغيرة ليصل إلى أبعد مدى، وزمن صار فيه كل شيء في غرف سرية محكمة.
كانت البداية امتدادًا لحاجة الناس إلى الكلام، فغدت كروت الميناتل لغة يومية، وصارت كبائنها ذات اللونين الأخضر والأصفر ركنًا ثابتًا في ملامح المدن والقرى على امتداد ربوع مصر. بلغ عدد كبائنها 33400 كابينة، انتشرت كأنها شرايين صوت تمتد في جسد البلاد، وتصدرت سوق الكبائن العامة في مصر، متقدمة على شركات منافسة مثل النيل ورينجو ومرحبًا، التي حاولت بدورها أن تكتب حضورها في الشارع العام لخدمة الاتصالات العمومية.
حكاية تزيد على ربع قرن
تعود قصة شركة الميناتل إلى مارس 1998، حين حصلت على ترخيص مزاولة نشاط تركيب وإدارة شبكة الهواتف العمومية في عهد وزارة الدكتور كمال الجنزوري الأولى (1996 – 1999). وتأسست الشركة بمساهمات ضمت البنك الأهلي المصري، وشركات إيجي تل والأهلي للاتصالات وأتكوم، إلى جانب صناديق استثمار محلية وأجنبية وعدد من المساهمين الأفراد.
وما إن استقرت كبائنها في الشوارع حتى امتلأت المدن بحكايات لا تنتهي. تحولت كل كابينة إلى غرفة “شات” مكشوفة على الرصيف، تكشف من يقترب منها أكثر مما يخفيه، وتفضح في صمتها العابرين: العشاق والمترددين، المغمورين والمشاهير، الباحثين عن حب أو الهاربين منه، وحتى أولئك الذين تغيرت مصائرهم من مكالمة واحدة.
كانت الكابينة مرآة صغيرة لخرائط البشر، يتجاور فيها الحوار الساكن مع الحوار العاصف، والمكالمة العابرة مع المكالمة المصيرية، حتى بدا وكأن كل مكالمة قادرة على أن تقلب حياة كاملة من النقيض إلى النقيض. هكذا تحولت الميناتل إلى خريطة إنسانية حية، يمكن من خلالها قراءة المصريين بلا عناء.
لكن دوام الحال من المحال، وما ثبت في الدنيا إلا التغيير. شيئًا فشيئا تراجعت الكبائن، حتى صارت أطلالًا متناثرة في ذاكرة المدينة، مثل أطلال قديمة يقف عندها الشاعر يستعيد وجوهًا غابت وأصواتًا انطفأت، ويستحضر لحظة كانت فيها الحياة أكثر قربًا، وأكثر وجعًا أيضًا.

علاقات عاطفية بدأت وانتهت عبرها
أحمد البدري، 52 عامًا، متزوج وله ثلاثة أبناء، يحكي بصوت يختلط فيه الشجن بالدهشة تاريخًا خاصًا لا يشبه إلا نفسه. يقول إن تاريخ الميناتل هو تاريخ علاقاته العاطفية، ثلاث علاقات سبقت زواجه، كلها مرت عبر أسلاك تلك الكبائن.
يروي: “كان بيني وبين بعض الكبائن علاقة خاصة. كابينة أنتظرها في هدأة الليل الأخير، أدخلها كأنني عاشق سري لا يراه أحد. وكابينة أخرى كانت تودعني بصمت بارد بعد مكالمة طويلة تنتهي دائمًا بشيء يشبه الاعتذار. أحببت بعض الكبائن وكرهت أخرى بحسب ما كان يمر في قلبي من حب أو انكسار”.
كانت الكبائن، كما يقول، تتنفس معه، تنتظره في ليالي الشتاء الباردة، وتمنحه إحساسًا غامضًا بأن هناك من يصغي خلف الجدران المعدنية الصغيرة. كان الكلام يتدفق داخلها كأنه سر لا يعرفه إلا اثنان فقط. واليوم، حين ينظر إلى ما تبقى منها، يشعر بأن جزءًا من ذاكرته الشخصية قد انطفأ مع اختفائها، وكأن المدينة اقتطعت فصلًا كاملًا من سيرته دون أن تترك له حق الاعتراض أو الرفض.
اقرأ أيضا: أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة
وسيلة لإيذاء البشر وهدم الأسر
وائل حزين، بالمعاش، كان مديرًا في إحدى الشركات الخاصة، يفتح بابًا آخر من الحكاية، أكثر قسوة. يقول إن كبائن الميناتل لم تكن دائمًا مساحة بريئة، بل تحولت أحيانًا إلى أداة لإيذاء البشر. يروي كيف استغلها بعض العاملين معه للنيل منه، فكانت المكالمات تتحول إلى قذائف تهدد حياته الأسرية وتمتد إلى زوجته وأبنائه، حتى وصلت التهديدات إلى حدود قاسية. كانت الكبائن، في نظره، ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يختبئ خلف صوت مجهول.
بدأ البحث عن مصدر تلك المعاكسات، إلى أن نصحه أحد الأصدقاء بالذهاب إلى الشركة. هناك بدأ تتبع الأرقام وتحديد أماكن الكبائن التي تخرج منها الاتصالات، ومع تفريغ تفاصيل المكالمات انكشف الخيط الذي قاده إلى من حاولوا إلحاق الأذى به. وبالتحقيق الداخلي ثبتت الاتصالات وانتهت القصة إلى ساحات القضاء.
ويؤكد أن سر كشف الحقيقة كان في أن البعض لم يدرك أن مكالمات الكروت كانت مرصودة ومؤرشفة، فتركوا خلفهم أثرًا واضحًا قاد إلى فضحهم.

كمائن لضبط المتهمين والقبض عليهم
تتكرر القصة نفسها مع منال فكري، التي تعرضت لمضايقات مماثلة، فقام زوجها بتتبع مصدر المكالمات، وحدد الكابينة، وأعد كمينًا انتهى بضبط المتهم وتسليمه إلى الشرطة ثم النيابة والقضاء.
أما أحمد عبدالله، 49 عامًا، موظف سابق في الميناتل وحاليًا في الشركة المصرية للاتصالات، فيعود إلى لحظة الازدهار. التحق بالشركة عام 2000، حين كانت في أوج انتشارها، وكانت الرواتب فيها من الأعلى مقارنة بالشركات الأخرى، بل وحتى المصرية للاتصالات نفسها.
يشرح كيف كانت تكلفة الدقيقة للمحمول آنذاك تصل إلى 175 قرشًا، بينما كان سعر الخط يقارب 700 جنيه. لكن الزمن لم يثبت على حاله، فانخفضت أسعار المكالمات كثيرًا، وتبدلت معاملات السوق، وتراجعت قدرة الشركة على المنافسة، لتتراكم الديون حتى قاربت 50 مليون جنيه، وينتهي الأمر ببيع الشركة إلى المصرية للاتصالات مقابل مديونيتها.
كان عدد العاملين 450 موظفًا، ثم تقلص بعد التعويضات إلى 252 موظفًا. ثم خُيّروا بين الانضمام إلى الشركة الجديدة أو الحصول على مكافآت نهاية الخدمة، فاختار معظمهم البقاء حفاظا على استقرارهم الاجتماعي.
عجائب الدنيا السبع
بكر يونس، 50 عامًا، يعيش حياته بين الأشياء القديمة، يجمع العملات والطوابع والتحف وأدوات الزمن الغابر، ومن بينها كروت الميناتل. يحتفظ بمجموعات كاملة داخل ألبومات خاصة، وكأنه يحاول أن يمنع الزمن من الانسحاب تمامًا.
يقول إن الميناتل تميزت بإصدار كروت متعددة، على غرار الشركات الأوروبية والأمريكية، فكانت هناك مجموعات عجائب الدنيا السبع، والتقاويم المختلفة، وأجهزة الاتصال، والرموز الفرعونية، والخرائط السياحية، والإصدارات التذكارية المرتبطة بالمترو والبطولات الرياضية وغيرها.
لم تكن الميناتل مجرد كبائن في الشارع، بل كانت ثقافة اتصالات كاملة دخلت الحياة المصرية، وفرضت إيقاعها على الناس، وصارت مرآة دقيقة لطبائعهم وتفاصيلهم اليومية. ثم جاء الهاتف المحمول، وتغير المشهد كله. تراجعت الكبائن بهدوء، كأنها تنسحب من مسرحها دون ضجيج، حتى تحولت إلى ذكرى بعيدة، ملأت حياتنا ذات يوم، ثم اختفت فجأة، وكأنها لم تكن إلا حلما عابرا في شوارع المدينة.
اقرأ أيضًا: «السيد الخميسي».. وداعًا لأحزان البشروش الأخيرة