دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

ملف| الأشجار العتيقة في البحيرة.. اقتلاع التاريخ من جذوره

البحيرة، واحدة من أكبر المحافظات الزراعية في مصر، وأكثرها ثراءً بالمساحات الخضراء والأشجار العتيقة. وقد عرفت مدنها وميادينها منذ عقود طويلة بطابعها المتميز الذي يجمع بين الجمال والبعد التاريخي، حيث تنتشر الأشجار الكثيفة والنخيل الملكي في شوارعها الرئيسية وميادينها الشهيرة، حتى أصبحت هذه الأشجار جزءًا أصيلًا من الذاكرة البصرية لأبناء المحافظة، وارتبطت بهويتها. ويكشف المتأمل لتاريخ بعضها أن أعمار بعض هذه الأشجار تتجاوز مئة عام، وقد شهدت مراحل تاريخية متعددة عاشتها مدن البحيرة جيلًا بعد جيل.

قتل الذاكرة البصرية

في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح هذا المشهد الأخضر تتغير تدريجيًا، بعدما شهدت بعض ميادين وشوارع مدن المحافظة عمليات قطع وإزالة لأشجار عتيقة ارتبطت لسنوات طويلة بذاكرة المواطنين، وذلك تحت لافتات التطوير والتحديث وإعادة التخطيط العمراني.

وبينما يرى البعض أن أعمال التطوير ضرورة لمواكبة الشكل الحضاري الحديث، يتخوف آخرون من فقدان المدن لهويتها البيئية والبصرية، خاصة مع اختفاء أشجار ونخيل نادرة كانت تمثل علامة مميزة لعدد من الميادين التاريخية.

وقد شهدت بعض ميادين وشوارع المحافظة عمليات قطع وإزالة للأشجار، سواء بغرض تطوير الميادين أو بدعوى نقلها إلى أماكن أخرى، دون وضوح الوجهة النهائية لهذه الأشجار.

اقرأ أيضًا: ملف| «أشجار الأسمنت»

ميدان الساعة قبل قطع الأشجار منه.. تصوير: محمود دوير
ميدان الساعة قبل قطع الأشجار منه.. تصوير: محمود دوير

 

 اعتداء على الشجر والخضرة

يقول الدكتور زهدي الشامي، خبير اقتصادي وأحد سكان ميدان الساعة، إن مشهد خلع أشجار النخيل التي كانت موجودة بالميدان تم أمام عينيه، وقام بتصويره بهاتفه، مشيرًا إلى أنه شعر بحزن شديد.

ويضيف أنه فوجئ بقلع النخيل العتيق من جذوره باستخدام اللودر ونقله من وسط الميدان، رغم اعتراضات البعض، معتبرًا ما حدث “جريمة” على حد وصفه، للاعتداء على الشجر والخضرة.

ولفت إلى أن هذا النخيل الذي اقتُلع من جذوره كان مصيره الموت، متسائلًا عن جدوى زراعته من الأساس إذا كان سيتم اقتلاعه لاحقًا. ويشير كذلك إلى أنه تم استبدال المشهد بنصب مرتفع بتصميم مستورد من دبي، لا يتناسب مع مساحة الميدان ولا طرازه المعماري، ما أدى إلى حجب الرؤية وتشويه معالم المكان.

اقرأ أيضًا: قطع أشجار «الميريلاند».. وخبير: «تدخلات عشوائية» تفقد مصر الجديدة ذاكرتها الخضراء

غياب التنسيق الحضاري؟

يرى أشرف ربيع، أحد المهتمين بالشأن البيئي والثقافي، أن “اغتيال كل ما هو أخضر” بحجة التحديث والتطوير شيء محزن جدًا، مشيرًا إلى قطع عدد كبير من النخيل الملكي النادر الذي كان يزين ميدان الساعة بدمنهور، إلى جانب أشجار كثيفة أخرى.

ويضيف أن ميدان الساعة لم يكن الوحيد، إذ طالت عمليات التطوير ميادين ومناطق أخرى مثل ميدان محطة مصر وميدان مسجد فاطمة الزهراء، مطالبًا بضرورة الاستعانة بكليات الهندسة والفنون الجميلة والتنسيق الحضاري عند إعادة تخطيط أي ميدان، للحفاظ على الهوية البصرية للمدن.

اقرأ أيضًا: في أسوان.. توثيق الأشجار النادرة والمعمرة داخل الحدائق العامة

قطع الأشجار العتيقة.. تصوير: محمود دوير
قطع الأشجار العتيقة.. تصوير: محمود دوير
أشجار تمتد جذورها إلى عام 1938

يشير الدكتور شريف رشاد البسيوني، باحث زراعي، إلى أن ما حدث في مدينة كفر الدوار من إزالة للأشجار العتيقة والمسطح الأخضر الكبير على أرض شركة مصر سابقًا، والتي تمتد جذورها إلى عام 1938 منذ أسسها طلعت حرب باشا مع شركة برادفورد الإنجليزية، يعد أمرًا مؤلمًا لأبناء المدينة.

وتساءل: هل تم نقل تلك الأشجار إلى أماكن أخرى، أم تم إعدامها؟

ومن جانبه، يؤكد الدكتور علاء رشدي، أستاذ بكلية الزراعة في جامعة دمنهور، أن الإزالة العشوائية للأشجار داخل المدن تؤدي إلى أضرار جسيمة، منها ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ، وزيادة نسبة الغبار والملوثات الجوية، ما يؤثر سلبًا على الصحة العامة، كما أن قطعها يحرم البيئة الحضرية من حواجز طبيعية للرياح والأتربة.

وأوضح أن الأشجار داخل المدن هي “الرئة الطبيعية” التي تنقي الهواء من الملوثات، وتمتص غاز ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين بفاعلية. كما تسهم في خفض درجات الحرارة بفضل الظلال وعملية النتح، بما يقلل من ظاهرة “الجزر الحرارية” داخل المدن خلال فصل الصيف بما قد يصل إلى 8-10 درجات مئوية.

وأضاف رشدي أن الأشجار تعمل أيضًا كحواجز طبيعية للحد من الضوضاء الناتجة عن السيارات والازدحام، مما يوفر قدرًا أكبر من الهدوء للسكان، فضلًا عن دورها الجمالي والبيئي في تحسين جودة الحياة داخل المدن.

اقرأ أيضا: د. نبيل الهادي في ندوة «خرائط الأشجار»: الأشجار تصنع حياة كاملة وليست مجرد زينة

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.