دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

الراب المصري: حكاية جيل بنى مجده «بدون واسطة»

عقد مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالقاهرة ندوة نقاشية موسعة لاستعراض مسودة بحثية بعنوان: «أصحاب الطبقة الوسطى بدون واسطة أخدوا المواقع.. الأغنية السياسية في الراب المصري». قدم العرض الباحث عمرو عبدالرحيم، طالب الدكتوراه في معهد الدراسات السياسية بباريس Sciences Po، حيث كشف عن جوانب من رسالته للدكتوراه التي لا تزال قيد الإعداد، والتي تسعى لتقديم قراءة سوسيولوجية مغايرة لتاريخ الراب المصري وتحولاته الهيكلية والمهنية.

افتتح الندوة الباحث أحمد السروجي، الذي لم يكتفِ بالتقديم البروتوكولي، بل عمد إلى تحويل محاور الدراسة إلى إشكاليات بحثية حادة وجهها للباحث. ركز السروجي في استهلاله على ضرورة تجاوز القراءات السطحية التي تكتفي بوصف موسيقى الراب بأنها مجرد «ساوند تراك» عفوي لثورة يناير، مطالباً بضرورة فهم الآليات المهنية والاجتماعية المعقدة التي جعلت هذا الفن يشتبك مع السياسة في لحظة زمنية معينة، وكيف استطاع فنانوه، الذين عانوا من تهميش مزدوج، أن يقدموا أنفسهم كممثلين لشرائح واسعة من الشعب.

من الأندرجروند إلى المركز.. 2018 كنقطة تحول

استهل الباحث عمرو عبدالرحيم حديثه بتحديد نقطة الانطلاق الجوهرية لبحثه، وهي عاما 2018 و2019، اللذان يعتبرهما نقطة البداية للجيل الحالي المتصدر للسوق. في هذه المرحلة، أصبح الراب نوعا موسيقيا ثابتا ومهيمنا في المشهد الإعلامي المصري، وليس مجرد ظاهرة هامشية كما كان من قبل، محققاً نجاحاً تجارياً غير مسبوق أخرجه من دائرة التساؤل حول هويته أو “مصريته”.

بمنهجية مستلهمة من علم الاجتماع الأمريكي، يحلل عبدالرحيم الراب كنشاط جماعي (Collective Activity) وشبكة علاقات اجتماعية معقدة، وليس مجرد نصوص مغناة.

يرصد البحث كيف غير النجاح التجاري علاقات العمل، وكيف دخلت شركات الإنتاج والتوزيع والوكالات الإعلانية الكبرى لإعادة صياغة ممارسات الفاعلين في المشهد (Scene). كما توقف الباحث عند تحول تصورات الفنانين لأنفسهم، وظهور معايير أخلاقية ومهنية جديدة تحكم المشهد، مثل أخلاقيات المشاركة في الإعلانات، وتحول الراب من هواية كان لا بد من التخلي عنها في مرحلة ما، إلى مسار احترافي ووسيلة للترقي الاجتماعي والمادي.

لماذا نعود للثورة؟ فك اللغز السوسيولوجي

طرح عبد الرحيم سؤالاً محوريا: لماذا نعود للحقبة الثورية رغم أن البحث يركز على الراب المعاصر؟ وجاءت إجابته لتؤكد على ضرورة سد الفجوة التوثيقية في تاريخ هذا الفن. ويجادل الباحث بأن المشهد لم يُكتب عنه الكثير من الداخل، وأن القاعدة الاجتماعية للراب في بداية الألفينات هي التي شكلت هويته الحالية.

إن فهم ممارسات وتصورات الراب وقت الثورة هو المفتاح لحل ما يصفه بـ”اللغز السوسيولوجي”: كيف تحول شباب كانوا أبعد ما يكون عن الميدان والنشاط السياسي إلى فنانين ملتزمين في غضون فترة وجيزة؟ ويؤكد أن هذا التحول ليس قدريا، بل كان مشروطاً بعوامل تاريخية وهيكلية سبقت لحظة الميدان بسنوات.

اقرأ أيضا: فائض الأساطير: كيف نتحرر من وهم «المخلص الوحيد» في الموسيقى العربية؟

سوسيولوجيا النشأة.. راب من زمن نخبة الشعب

في تحليل سوسيولوجي لافت لتركيبة المشهد في منتصف الألفينات، يوضح عبدالرحيم أن الراب لم يخرج من أحياء القاهرة الفقيرة كما هو شائع في السرديات الغربية عن الهيب هوب، بل خرج من صلب الطبقتين الوسطى والعليا، من الذين نشأوا في دول الخليج (عمان، قطر، الإمارات) لأسر حققت صعوداً اجتماعياً عبر الهجرة.

هذا الانتماء الطبقي وفر لهؤلاء الشباب الالتحاق بمدارس دولية واستيعاب الراب الأمريكي في التسعينات، إلى جانب إتقان اللغة الإنجليزية وإدراك مصطلحاته وتقنياته. كما امتلكوا القدرة المالية على شراء معدات الإنتاج مبكرة، مثل أجهزة الكاسيت “الدبل تيب”، مما أتاح لهم تسجيل موسيقاهم في غرف نومهم قبل سنوات من انتشار الاستوديوهات الاحترافية. هذه “الجعبة الفنية” Artistic Toolkit التي تشكلت في المهجر والمدارس الدولية كانت حجر الأساس الذي بُني عليه المشهد لاحقاً.

التهميش المزدوج.. معركة الاعتراف والشرعية

يرصد البحث كيف تبلور المشهد الحقيقي في منتصف الألفينات حول شبكة من العلاقات الاجتماعية العابرة للحدود والمحافظات، ومع ذلك، عانى الراب من تهميش مزدوج. فعلى صعيد المجال الفني العام، حُرم الراب من موارد الثقافة الشرعية للدولة، إذ كان من المستحيل على هؤلاء الشباب استخدام قصور الثقافة، كما عجزوا عن دخول استوديوهات شارع الهرم التجارية أو التعاقد مع شركات الإنتاج الكبرى، باستثناء تجربة فرقة (MTM) عام 2003 التي ظلت حالة فردية لم تغير بنية المشهد.

وعلى صعيد مشهد الموسيقى البديلة، وحتى داخل المساحات التي احتضنت الفن المستقل مثل ساقية الصاوي في القاهرة أو الجيزويت في الإسكندرية، ظل الراب هامشياً. وتشير الإحصائيات التي جمعها الباحث إلى أن مكتبة الإسكندرية بين عامي 2005 و2012 استضافت ثلاث حفلات راب فقط مقابل عشرات الحفلات للروك والميتال.

وكان يُنظر للرابرز باستخفاف من قِبل أقرانهم في الموسيقى البديلة، باعتبارهم شباباً يتكلمون بسرعة ولا يجيدون عزف الآلات أو الغناء الطربي، بل ووصفت ممارساتهم أحياناً بـ”الهبل”.

استراتيجية الأصلنة والشرعنة.. صناعة أغنية التوبيك

لمواجهة هذا التهميش، لجأ مغنو الراب إلى استراتيجية أطلق عليها الباحث مصطلح “الأصلنة والشرعنة”، أي محاولة إثبات أن موسيقاهم أصلية وغير متأمركة، وشرعية وفق معايير الفن الهادف. ومن هنا ولدت “أغنية التوبيك” Topic، وهي الأغنية التي تعالج مشكلة اجتماعية عامة بدلاً من الهموم الفردية.

ويربط عبد الرحيم بين الانفراجة المؤقتة في المجال العام المصري بين عامي 2005 و2010 وبين تشكيل الوعي السياسي للرابرز. فالمناخ الذي اتسم بالحراك، كفترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية وحرب العراق، وفر مادة خاما للأغاني. ويؤكد أن الرابرز لم يكونوا نشطاء سياسيين بالمعنى التنظيمي، لكنهم كانوا منغمسين في بيئة مسيسة، غير متابعة قناة الجزيرة في المقاهي وقراءة جريدة “الدستور”.

وظهرت إرهاصات هذا الاشتباك في أغان مثل “الهلالي” عام 2007 التي تناولت المظاهرات، وأغنية “فرقة أسفلت” عام 2006 عن كارثة العبارة. لم تكن هذه الأغاني ثورية بالمعنى الراديكالي، لكنها كانت محاولة لإثبات شرعية عبر التفاعل مع قضايا الرأي العام.

الراب والثورة.. تفكيك الفرضية الاستشراقية

ينتقد الباحث عمرو عبد الرحيم بشدة السرديات التي سيطرت على التغطية الصحفية والبحثية في عام 2011، والتي صوّرت الراب كتعبير عفوي لسخط الشباب. ويرى عمرو أن هذه النظرة استشراقية تختزل الشاب العربي في صورة المنتفض فقط، وتتجاهل العوامل الهيكلية والمهنية.

يؤكد البحث أن مغني الراب لم ينخرطوا في السياسة بالفطرة، بل نجحوا في إعادة استخدام عناصر فنية وبصرية كانت موجودة لديهم مسبقًا. فقد أعادوا توظيف أغنية عن السجناء الفلسطينيين لتركيبها على صور إخبارية للثورة. وهنا لم تخلق الثورة الراب السياسي من العدم، بل جعلته مرئيًا ومنحته منصة كبرى لتطبيق استراتيجيات التمثيل والشرعية التي تدرب عليها الرابرز لسنوات في ساقية الصاوي.

اقرأ أيضا: «ناجي باسيليوس»: نحن لا نرى الأشياء بل تجليات الضوء عليها.. والحقيقة تسكن في المناطق الوسطى

 المؤسسات والتمويل.. الراب في مأزق المانح والرقابة

كشف عبد الرحيم عن الدور المعقد للمؤسسات الثقافية الدولية مثل المركز الفرنسي، ومعهد جوته، والبريتيش كونسل، ومؤسسات مثل “أناليند”. وأوضح الباحث أن دعم هذه الجهات للراب كان يندرج ضمن سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه جنوب المتوسط، بهدف نشر الديمقراطية والحد من الراديكالية.

وهنا وجد الرابر نفسه في مأزق مزدوج: فهو مطالب بتقديم صورة “الشاب العربي المنتفض” لإرضاء المانحين والحصول على المنح والسفر إلى الخارج، وفي الوقت نفسه مطالب بالالتزام بشروط المؤسسات المحلية مثل الساقية، التي كانت تمارس رقابة لحظية وتمنع الطرح السياسي الصريح أو الألفاظ الخارجة.

وقد خلق هذا الوضع ما يمكن تسميته بـ«المنطق المهني للسياسة»، حيث أصبحت الأغنية السياسية وظيفة توفر سبل العيش والسفر والاعتراف الدولي.

الرابر.. من لسان الشعب إلى التلفزيون المصري وبراون

استعرض الباحث تحوّل هوية الرابر بصريًا، ففي عام 2009 ظهر مغنٍ راب على التلفزيون المصري ليعلن بوضوح: “أنا بتكلم بلسان الناس”، وهو الادعاء الذي تعاظم بعد عام 2011.

ووصل هذا المنطق المهني ذروته مع سفر الرابرز لإلقاء محاضرات في جامعات مرموقة مثل ندوة “ديب” بجامعة براون، وحصول فرق إسكندرانية على منح دنماركية، إلى جانب افتتاح أول استوديو راب متخصص. حتى الشركات التجارية انخرطت في هذا الزخم، كما في حملة “موبينيل: عام 2012 التي شاركت فيها فرقة “أسفلت”.

هنا لم تعد السياسة مجرد احتجاج، بل أصبحت مسارًا احترافيًا دفع البعض إلى ترك وظائفهم المرموقة للتفرغ للفن.

نهاية الحقبة.. الانكسار والعودة إلى الواقع

اختتم عمرو عبد الرحيم عرضه بتفسير الاختفاء التدريجي للمحتوى السياسي بين عامي 2013 و2017، مرجعًا ذلك إلى ثلاثة عوامل مترابطة:

  • فشل النموذج المهني: اكتشف مغنو الراب أن الرهان على الأغنية السياسية كمصدر دخل دائم رهان خاسر، مع تراجع اهتمام المؤسسات المانحة وتغير المزاج العام.
  • الانكسار الشخصي والرقابة: أدت الضغوط السياسية والرقابة الذاتية، إلى جانب الحاجة المادية، إلى انهيار سردية “الفنان الملتزم”، فعاد كثيرون إلى وظائفهم التقليدية أو اضطروا للهجرة إلى الخليج مجددًا لتأمين مستقبلهم.
  • ظهور جيل جديد: تلاشت أغنية التوبيك ذات الطابع الاجتماعي، ليظهر جيل جديد ما بعد 2018 بممارسات اقتصادية مختلفة تمامًا، تعتمد على السوق التجاري المباشر، بعيدًا عن إرث 2011 ومطالبه السياسية.

اقرأ أيضا:«أدب الاشتباك».. الكلمة التي لا تستطيع المستعمر احتلالها

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.