دليل الفعاليات الثقافية فى مصر

الدليل - تعالى نخرج

أيوب البحر.. حكاية «فوزي الدبوسي» من الكامب الإنجليزي إلى أمواج الحياة

على حافة البحر، وعند شواطئه، تلتقي بأبنائه الذين منحهم قبسا من صموده، وبعضا من تجدده وبقائه، وأهدتهم الشمس رغبة لا تنطفئ في التنفس حتى آخر رمق. أول ما لفت انتباهي إليه أنه ينعت بـ«أيوب»، لما بدا عليه من صبر عميق وتمسك بالحياة، رغم السنوات الثقيلة التي ترتسم على ملامحه وتحط على كتفيه.

من قسوة زوجة الأب إلى «كامب الإنجليزي»

ولد فوزي الدبوسي عام 1934، واسمه الكامل فوزي ياسين الدبوسي، ويعتز أيما اعتزاز باسم والده، ويصر على إضافته إليه، رغم أنه فر صغيرا من بيت أسرته بالإسماعيلية عام 1944. ترك بيت أسرته في سن العاشرة، ناجيا بنفسه من قسوة زوجة أبيه، دون أن يتلقى أي قدر من التعليم. إذ لم يمكث في دراسة منتظمة سوى أسبوع واحد داخل أحد الكتاتيب الخاصة بحفظ القرآن الكريم.

عمل منذ نعومة أظافره “كنادل” داخل المعسكرات الإنجليزية، أو بلغة المصريين وقتها “الكامب الإنجليزي”. والتي كانت تمتد على طول مدن القناة الثلاث: بورسعيد، والإسماعيلية، والسويس. وقد تركز وجودها بعد توقيع معاهدة عام 1936 بين الحكومتين المصرية والبريطانية، والتي ألغيت لاحقا عام 1951 على يد الزعيم الوفدي مصطفى النحاس باشا. عقب مماطلة البريطانيين في الجلاء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، واحتلال فلسطين عام 1948.

اقرأ أيضا:تمثال «الجندي المجهول».. كيف بدأت حكايته في بورسعيد وانتهت في أستراليا

أيوب البحر.. تصوير: أسامة كمال
أيوب البحر.. تصوير: أسامة كمال
سبعون قرشا.. بداية الاعتماد على النفس

يحكي “الدبوسي” عن تلك الفترة بعين طفولته قائلا: “بدأت العمل صغيرا جدا داخل الكامب الإنجليزي، أولا في معسكر المجندات البريطانيات. وبعد اكتسابي الخبرة الكافية، ألحقوني بمعسكر المجندين، والذي كان يشغل موقع معسكر الجلاء الحالي بالإسماعيلية. وبعد هروبي إلى بورسعيد، عملت في أحد المعسكرات بمنطقة بورفؤاد. وأقمت هناك. كان راتبي الشهري سبعين قرشا، وهو ما يساوي اليوم سبعة آلاف جنيه. كان يكفيني تماما، ويكفي طفلا في مثل سني قرر الاعتماد على نفسه مبكرا”.

ويضيف: “كل جميع محتويات الكانتين داخل المعسكر تصل مباشرة من البلد الأم بريطانيا. من مواد غذائية وملابس وعطور ومطبوعات وسجائر وأدوات كتابية، وكنت أتولى توزيعها وبيعها للمجندين”.

“ريس بحري”.. بداية الحكاية مع البحر

عن شعور الدبوسي بالانتماء خلال تلك الفترة، يقول: “كنت صغيرا، ولم أكن مدركا لما يدور حولي، خاصة أنني لم ألتحق بالتعلم مثل أقراني. تركت الكاب مع بداية الخمسينات، بعد إلغاء المعاهدة. وشاركت في بعض العمليات الفدائية المحدودة ضد الاحتلال البريطاني”.

وتابع: “تنقلت بعد ذلك بين عدة أعمال، مستفيدا من خبرتي مع الإنجليز، خاصة إتقاني للغة الإنجليزية. حتى التحقت عام 1956 بشركة الرباط وأنوار السفن، وعملت “ريس بحري”، ومن هنا بدأت رحلتي مع البحر”. ويصف البحر قائلا: “البحر مثل الحياة، متقلب ومتعدد الوجوه والألوان، ليس حياة واحدة، بل حيوات متعددة”.

اقرأ أيضا: «البيت الإيطالي» ببورسعيد.. من مجد روما إلى زمن الغياب

فوزي الدبوسي.. أيوب البحر.. تصوير: أسامة كمال
فوزي الدبوسي.. أيوب البحر.. تصوير: أسامة كمال
السادات وذكريات عبور القناة

يقول الدبوسي بحنين واضح: “لن أنسى لحظة صعودي على السفينة “سوريا” خلف الرئيس الراحل محمد أنور السادات أثناء أول عبور له بعد إعادة افتتاح قناة السويس عام 1975. بدأت الاحتفالات بتسليم القناة من الإدارة العسكرية، ممثلة في وزير الدفاع الأسبق محمد عبد الغني الجمسي، إلى الإدارة المدنية ممثلة في المهندس مشهور أحمد مشهور، رئيس هيئة قناة السويس الأسبق”.

ويستكمل: “صعد السادات إلى المدمرة 6 أكتوبر، لتبحر به. ومن أمامه كاسحات ألغام، ومن خلفه اليخت “الحرية”، الذي شارك في افتتاح قناة السويس عام 1869. ثم السفينة الأمريكية “ليتل روك” التي ساهمت في تطهير القناة من الألغام والعوائق، إلى جانب سفن مصرية عدة، في مشهد لا ينسى”.

كما يتذكر السفينة الفرنسية “جورجيان” التي تعطلت في القناة عام 1980، وبقيت عالقة 16 يوما. حتى تم سحبها بواسطة قاطرة هولندية، قائلا: “قضيت تلك الفترة على متنها، وتعرفت على طاقمها، وما زالت تربطني بهم صداقات حتى اليوم”.

 البمبوطية.. وحب اللغات

بعد خروج الدبوسي إلى المعاش عام 1994، دخل في حالة من الحزن، قبل أن يعيده البحر للحياة مرة أخرى: “قررت أن أعمل “بمبوطيا”. واستخرجت التصاريح اللازمة. وتخصصت في التعامل مع السفن الإنجليزية والأمريكية”.

ويضيف: “تعلمت عدة لغات بجانب الإنجليزية، منها الهندية واليونانية والإسبانية والدنماركية. كما تعلمت أساسيات اليابانية والصينية”. وتابع: “ارتبطت بالإنجليز منذ الصغر، فهم ملوك البحر. وهم من علموني احترام الوقت وقيمة العمل. كما أكن لليابانيين محبة كبيرة لأدبهم وإخلاصهم”.

فلسفة حياة من قلب البحر

يختتم الدبوسي حديثه قائلا: “السفن ليست مجرد وسائل نقل، بل ثقافات شعوب تعبر الماء. في الماضي كانت هناك مساحة لبناء صداقات مع البحارة، أما الآن فكل شيء سريع”. ويضيف بنبرة هادئة: “أعلم أن أيامي في الحياة باتت معدودة، لكنني تركت خلفي ستة أبناء، علمتهم جميعا قيمة العمل حتى آخر لحظة”.

ثم يبتسم ويقول: “الحياة أجمل مما نتخيل، والموت أقرب مما نظن”.

اقرأ أيضا: من القبو إلى الذاكرة.. رحلة «مجدي البساطي» مع المباني المنسية في بورسعيد

زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر
إغلاق

Please disable Ad blocker temporarily

Please disable Ad blocker temporarily. من فضلك اوقف مانع الاعلانات مؤقتا.