“التجارة العادلة” تحيي تاريخ التطريز في مصر

لوحات تصور سيدات أهل المناطق القبلية، بينما يحكن ويطرزن المشغولات اليدوية، على خلفيتها أفلام وثائقية قصيرة تحاكي تفاصيل حياتهن، وتفاصيلها منذ نشأتهن ومراحل تشبعهن بحرفة التطريز اليدوية الى درجة الحرفية المهنية.

على جانب آخر تعرض تلك المنتجات، التي تعد مصدر الدخل الوحيد والأساسس لسيدات من سيوة وسيناء والصعيد والريف، كان ذلك جانب من أخر معارض التجارة العادلة في مصر Fair Trade Egypt  “التطريز في مصر”.

في المركز الثقافي “دوار”، بـ”وسط البلد”، وحتى انتهاء شهر فبراير، يسعى المعرض إلى تعريف الناس على الجوانب غير المرئية من حياة سيدات التطريز في مصر، وإدخال الزوار عالم الحرف اليدوية الخاصة بالسيدات، اللواتي يستثمرن فيه كل وقتهن ومجهودهن، من أجل إنتاج شغل يدوي مميز، يتنوع بين الملابس والشيلان وحقائب اليد أو الإكسسوارات، ويمتاز بالحرفية العالية المؤهلة للمنافسة العالمية.

المعرض يؤكد على أهمية مشاركة تلك السيدات تفاصيل الحرفة والتمعن في المجهود المبذول، من أجل إخراج منتج يثري العين بجمال تطريزه وتداخل ألوانه، كما هو في أغلب الأحوال، وذلك عن طريق تعريف الناس على أنواع الغرز المستخدمة في مختلف الأماكن، والتي قد تبدو في بادئ الأمر متشابهة تماما لمن يراها، إلا انها تتميز بالانفراد والاختلاف لهؤلاء الذين يمعنون الدراسة والعرفة بها.

عن أسباب تركيز المعرض على حرفة التطريز خاصة دون أي حرف يدوية أخرى، تقول أميرة نبيل، مسؤول التسويق الخاصة بالتجارة العادلة، إن التطريز من الحرف القليلة جدا المتأصلة في مصر، التي توحد السيات في مختلف أماكنهن وطبيعة حياتهن ة”هو مش بس مصدر الرزق الوحيد للستات في المناطق دي، هو كمان منفذهم الوحيد اللي بيستخدموه للتعبير عن علاقاتهن، مشاعرهن، ولتوثيق مجتمعاتهن”.

عن طريق عرض 60 منتجًا وتوفير شبيه لهم في منافذ بيع التجارة العادلة في الزمالك والمعادي، عرّف القائمون على المعرض الزوار على الغرز اليدوية، حسب كل مجموعة عاملة بها، وأهم ما يميز كل مجموعة وينعكس في تطريزاتها.

مجموعة المعتمدية في صعيد مصر حظيت على القدر الأكبر من التميز لسهولة التعرف على الفرق في الغرزة الخاصة بسيداتها دون الأخريات، فغرزة السلسلة التي تستخدمها سيدات الريف المصري هي من أسهل وأبسط الغرز المستخدمة، والتي عادة ما يكون نتاجها لوح تعبر يمتزج فيها البساطة بالإبداع.

عرفت سيدات المعتمدية التطريز منذ عهد ليس ببعيد، كان ذلك تحديدا في نهاية التسعينيات، حين دربت إحدى الراهبات مجموعة من السيدات على استخدام خيوط القطن في التطريز على القماش،  ومنذ ذلك الوقت انتشر ذلك النوع من التطريز بين سيدات المجتمع، اللواتي يعبرن به عن الطبيعة المجاورة لهن عادة، ولذلك أكثر ما يميز هذا النوع هو البساطة.

على النقيض، فإن تطريز سيدات التلي والمنسج بصعيد مصر، يعود إلى العصور الفرعونية والعهود اللاحقة لها، وما يميز التلي هو استخدام الخيوط اللامعة الذهبية والفضية فيه، وعادة ما تكون له أشكال محددة وثابتة لا تخرج منتجاته عنها، أما المنسج فيعتمد على شد القماش على نول ومنه يتم تطريز الأشكال بواسطة إبره الكروشيه.

أما عن سيوة وسيناء فأكثر ما تشارك فيه السيدات هو توارث الحرفة، وأغلب سيدات هاتين المنطقتين تعلمن الحرفة بمساعدة أمهاتهن اللواتي كن يمتهن التطريز كمصدر للرزق كذلك.

أهم ما يميز التطريز السيوي هو الألوان والأشكال، وعلى مر الزمان كانت السيدات يوثقن اللغة الأمازيغية- اللغة السائدة في واحة سيوة- عن طريق تطريزها على ملابسهن حتى أصبحت من الملامح الثابتة للتراث السيوي.

أما عن الألوان، فعادة لا تخرج ألوان التطريز السيوي عن الأخضر والبني والبرتقالي والأحمر والأصفر والأسود، وهي ترجمة وتوثيق لألوان البلح السيوي في مختلف مراحل نضجه.

على الرغم من أن الحرف اليدوية في سيناء تواجه صعوبات حاليا بسبب الظروف الأمنية المشددة، إلا أن سيداتها مازلن يحاربن الأوضاع بتطريزات تميزها الأشكال الهندسية أو كما يسمى “غرزة الكروس”(+)، عن طريق عدة أشكال هندسية متشابكة من الممكن التعرف على أن هذا المنتج تم تصميمه وتطريزه في سيناء.

على مدار العهود اشتركت الشام وشبه جزيرة سيناء بنفس آليات التطريز، إلا ان القبائل السيناوية عملت على ابتكار “موتيفات” غير تقليدية تميز بها فساتين أفراح البنات والخيام والملابس، وبهذا أصبح لمنطقة سيناء الهوية الخاصة بها المختلفة عن تلك المشابهة لحرفتها.

تواجه حاليا بعض المناطق مثل رفح والشيخ زويد مشكلات في الإنتاجية، بسبب الظروف الأمنية، التي أدت الى انخفاض عدد الحرفيات العاملات من 42 حرفية في 2013 إلى 5 حرفيات في 2017، هذا ما تذكره صابرين سالم، إحدى المنتجات في شمال سيناء، خلال إحدى الأفلام الوثائقية المسجلة.

تختتم صابرين حديثها “الحرفة دي تراثنا اللي منقدرش نستغنى عنه، بس بتنقرض بسبب قلة الأجور، ممكن أي بنت تروح تشتغل في أي مكتبة ويكون أجرها في الشهر أعلى كتير من اللي بتاخده في شغل متعب، ومرهق للجسم”.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى