معرض “جراجوس” للخزف.. العمل والعبادة في مكان واحد

 

إلى جانب دورهم كرجال دين في التوعية الدينية، قرر مجموعة من الرهبان كسر تلك الدائرة عن طريق تحسين ظروف معيشة الأفراد المحيطين بهم.

في مدرسة العائلة المقدسة بقلب شارع رمسيس العتيق في القاهرة، جدران المدرسة التي جسد التاريخ عراقته في تصميمها العمراني، جلس مجموعة من الرجال كبار السن يبتسمون في استقبال الزوار في معرض جراجوس للخزف المصنع يدويا.

بدأت أولى صفحات القصة عام 1966عندما لاحظ مجموعة من الرهبان بقرية جراجوس (على بعد 20 كيلومتر من الأقصر) أن الصناعة اليدوية للخزف في قريتهم مزدهرة بشدة، لكن لبعد القرية عن مركزية القاهرة وتركز سكان الإسكندرية، فسوق تلك المنتجات قليل وغير منتشر إلا من السياح الذين يقصدون الأقصر ويأخذهم المرشدون السياحيون إلى جراجوس لرؤية صناعة الخزف بأنفسهم.

أما عن سكان المدن فإنهم لا يعرفون الكثير عن ثراء تلك الصناعة في صعيد مصر.

منذ ذلك الحين بدأ الرهبان في إنشاء جمعية لتعليم رجال القرية أعمال الخزف وتدريبهم لمدة سنوات ليصبحوا بالحرفية التي تسمح لهم بعرض المنتجات للبيع، وكذلك بتنظيم معرضين سنويا أحدهما في الإسكندرية والآخر في القاهرة.

على مدار الخمسين عامًا الماضية لم يتخلف منظمي المعرض عن الموعد السنوي المتعارف عليه للمعرضين، “احنا متعودين دايمًا نعمل المعرض في مايو في الإسكندرية وفي ديسمبر في القاهرة” هكذا ييقول رياض كامل، أحد المنظمين.

الزوار من فئات عمرية واجتماعية مختلفة، يشتركون جميعًا في التعبير عن إعجابهم بتنوع المنتجات والأسعار، التي تتراوح بين 15 إلى 300 جنيه.

يضم المعرض كافة أواني المنزل الخزفية، منها “فازات” الورد، والتماثيل الصغيرة التي تجسد المرأة الريفية والرجل في مختلف أحوالهم المعيشية، كذلك كان وجود أواني الطبخ التي اختلفت ما بين أطباق للشوربة، وأطباق كبيرة للتقديم وصحون بمختلف الأحجام وأكواب للشرب.

كل تلك المنتجات تحمل أشكالا جمالية منتجة من تمازج الألوان مع الخطوط، كان منها الأطباق المرسومة عليها أسماك، كانت حرفية رسم زعانف وحرافيش الأسماك دقيقة بالصورة الموازية لتلك المصنعة الكترونيا.

أما عن المنتجات، فتطوير تصميمها وتصميمتها شيء مستمر ودائم وليس بدراسة احتياج السوق بقدر ما هو الأحساس بالفن والروح التي تسكنهم بالإضافة إلى خبرتهم على مدار السنين.

“المنشأة دي اسمها رسالية جراجوس، ومن ساعة ما فتحت بتعلم الناس الشغل دا، الخزف دا فاتح بيوت ناس كتير من زمان، في رجالة كبار شغالين فيها من ساعة ما كانوا شباب صغيرين” هكذا يعلق كامل وهو يشرح نشأة الرسالية.

يستمر المعرضين لمدة تتراوح من أسبوع إلى عشرة أيام، يعرض فيها المنتجات التي عمل عليها الأفراد طوال العام السابق، منذ انتهاء المعرض الخاص بالعام السابق، أما المعرض الدائم فهو في قرية جراجوس مفتوح للزوار في أي وقت.

بالنسبة للأفراد المنتجين، فحصرهم صعب، وذلك لأن احتراف الخزف صعب،ويأخذ الكثير من الوقت والمجهود، ولكن عدد الأفراد الذين قاموا بإنتاج المعرض الخاص بهذا العام لا يتجاوز العشرين عضوًا.

ويعلق كامل على ذلك شارحا بلكنته الصعيدية “الخزف هواية صعب ناس كتيرة تتجنها وتتعلمها، بتاخد سنين يامة عشان الراجل يعرف يطلع حاجة حلوة كدا، مينفعش نجيب واحد من بره نقوله طلع منتج، بياخد فترة طويلة مش أقل من سنتين تلاتة عشان يكون جادر يطلع منتج زين”.

يشتمل المعرض كذلك على سجاد يدوي مُصنّع بأيدي بنات جراجوس، لكن الفتيات تمارس هوايتها في المنزل ويقمن بالتعلم على أيدي سيدات العائلة اللواتي يتوارثن الصناعة على مدار الأجيال، ويعقب كامل على ذلك قائلا “الستات عندينا مبتطلعش من الدار، وكمان السجاد ممكن يتعمل في البيت لكن الخزف صعب عايز مكان مفتوح وكبير، عشان كده في مكان للجمعية بيتجمعوا فيه الرجالة يشتغلوا، أما السجاد صناعته في البيت مش صعب”.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى