“سعرها 3 كيلات شعير”.. آخر خرّاز بمطروح يحكي عن تاريخ “البُلغة”

“العروس إن ما كنتش تاخد بُلغة محررة ما يكملش جهازها” بهذه الجملة يبدأ عبدالمالك إمهيدي العبيدي، الرجل الثمانيني، صانع “البُلغة المحررة” الوحيد بمطروح، تلك الأحذية التراثية، التي يختص بها بدو مطروح.

يجلس عبدالمالك في محله الصغير البسيط خلف شارع شكري القوتلي، بقلب مرسى مطروح لخرازة الأحذية وقد غطت جدران دكانه بعض القطع الجلدية المصنوعة يدويا “هاند ميد”، تحمل كل قطعة جزءًا من حكاية مجتمع، وتاريخ بلد.

أما عبدالمالك فيحمل مخاوف أن تندثر صناعة الأحذية التقليدية، برحيل صانعيها وعزوف الأجيال الحديثة عن تعلم الصنعة، قاطعًا العهد على نفسه بالاستمرار فى صناعة الأحذية التراثية لآخر يوم في عمره.

ذكريات الخرّاز الأخير

يستعيد عبدالمالك ذكرياته قائلًا: كان يوجد ما بين 10 و15 صانعًا للأحذية “خراز” في مطروح، كانوا يتمركزون في صف من الأكشاك الصغيره بشارع جول جمال، وأشهر الخرازين كان حمد الحرباوي وإخوته.

يستكملا: أما انا فامتهنت خرازة الأحذية منذ عام 1960، وفي أوائل السبعينيات صدرت أوامر من المحافظ بإزالة كل الأكشاك، فانتقلت بعدها إلى هذا المحل الصغير منذ عام 1971 وحتى الآن.

وطوال هذه الفترة كانت تلقى صناعة الأحذية التقليدية المزركشة رواجًا كبيرًا، فكل أهل البادية بمطروح يعتمدون على لبسها بالإضافة إلى بدو ليبيا.

وخلال فترة الستينيات كان تجار الأغنام من ليبيا يأتون لبيع أغنامهم بمصر، مارين على مطروح، وهناك قد يتفقون على 20 أو 30 زوجًا من الأحذية، خلال شهرين، هي المدة التي يقضونها في مصر، لبيع أغنامهم.

يقول عبدالمالك إن البلغة تتميز عن الأحذية التقليدية  بأنها مصنوعة بالكامل من الجلد الطبيعي، حتى النعل والكعب، وتحاك وترسم نقوشها وتظرز بالخيوط الحريرية الملونه باليد “الهاند ميد”، فهي قوية ومتينة، تتحمل قسوة الطبيعية ووعورة الحياة اليومية لبدو الصحراء.

التصميم

ومن ناحية التصميم يختلف الحذاء الرجالي عن الحريمي فى الشكل والتطريز، فالحذاء الحريمي يكون له “رقبة” طويلة مقارنة بالرجالي، كما تكثر فيه النقوش والألوان، أما حذاء “الفارس” أي راكب الخيل، فيتميز بوجود جزء علوي من الجلد “لسان طويل” ليحمي القدم من “السرج” وهو موضع القدم فى عدة الحصان.

ولأن المراة البدوية لا تغادر منزلها بحكم العادات والتقاليد، فقد كانت قياسات قدمها تأتي مرسومة على صفحة من الورق، وبحكم الخبرة يحولها الخراز إلى قياسات ويبدأ التصنيع.

ويشرح عبدالمالك أن صناعة الحذاء التقليدي مكونة من جزأين، الجزء العلوي عبارة عن 4 قطع من الجلد، تؤخذ مقاسات القدم وتقص، ثم ترسل إلى بعض السيدات في المنازل لتطريزها بالرسومات والنقوشات يدويا، مستخدمين الخيوط الملونة، ويستغرق ذلك أسبوع تقريبا.

يعد ذلك تعود “البلغة” للخراز ليربط القطع العلوية الأربعة من الجلد من منتصف الحذاء، بما يعرف بـ”اللوزة”، وهي عبارة عن قطعة جلد دائرية الشكل وأسفلها بعض الغرز من الخيط السميك، و3 صفوف تسمى “جران” ويشد الجلد على “قالب”.

أما الجزء السفلي من الحذاء “النعل” مكون من 3 طبقات، الطبقة الأولى تسمى “بردولة”، وهي طبقة الجلد أسفل القدم مباشرة، التي تحاك بالجزء العلوى للحذاء، ثم الطبقة الثانية “نعل خياطة” وهي طبقة من الجلد تثبت بغرز يدوية دقيقة، وأخيرًا “النعل الأخير” وملحق به “الكعب” ويثبت هذا النعل الأخير بالمسامير.

لأنها صناعة قديمة

ولأنها صناعة قديمة، فقد شهدت العديد من التطورات، مع التغيرات الاقتصادية للبلاد قديما وحديثا، فتغيرت أسعار الحذاء التقليدي الملون من وقت لآخر.

يقولعبدالمالك: قديما لم نعرف”النقود” فالبيع والشراء بين الناس فى مطروح كان بالمقايضة، وكان يقدر الحذاء بثلاث “كيلات” من الشعير و”الكيلة” آنذاك تعادل 10 قروش، أي كان سعر الحذاء 30 قرشًا، نأخذهم إما شعير أو صوف أغنام.

كما كنا نشترى الجلد الطبيعى الذي نصنع منه الأحذية بالأوقية، وليس الحال كما هو الآن بالسنتيمتر والمتر، فكان يجلبه لنا من الإسكندرية تاجر يدعى “محمد جليصة “، وكنا ندفع له جزء من الثمن “عربون” نحصّله من “الزبون” تحت حساب شراء الجلد ومستلزمات الصناعة.

من المقايضة إلى الآجل

يضيف أنه بعد انتهاء مرحلة المقايضة، أصبحنا نبيع الحذاء بنظام الآجل، وبلغ سعره آنذاك 3 جنيهات، في نفس الوقت كان جوال الأرز 100 كجم بسعر 260 قرشًا، وأوقية اللحم بسعر 30 قرشا، وكان من يملك 10 قروش وقتها يعد من الأعيان.

ومع مرور الزمن زاد سعر الحذاء من 5 إلى 6 جنيهات، واستمر السعر فى الزيادة حتى عام 1983، قم بدأ الطلب يقل على شراء الحذاء التقليدي لغلاء سعر الجلد الطبيعي، واختفاء عدد كبير من صانعي الأحذية، إما بوفاتهم أوبتركهم الصنعة.

آخر “بلغة”

كما بدأ يختفى أصحاب الصنعة، بدأ “الزبائن” يقلون أيضًا، خاصة بعد غلق الحدود بين مصر وليبيا، وهنا أصبح الناس يفضلون شراء الأحذية العادية، وتحولت صناعة الأحذية التقليدية من حرفة إلى هواية فقط لإحياء التراث، فكان آخر حذاء تقليدي بعتها قبل ثورة  يناير 2011 بسعر 600 جنيه.

وكما شهدت أسعار الحذاء تغيرًا، فقد شهدت طريقة الصناعة أيضا تطورات، يقول عبدالمالك: أثرت الحداثة والتطور التكنولوجي على صناعة الأحذية التقليدية، وشكلها فبعد أن كانت السيدات تقوم بالرسم وتطريز النقوش يدويا بالمنزل، أصبحت الرسومات تأتي جاهزة مرسومة بواسطة الحاسب الآلي، وتطرز آليا.

كذلك اختلفت جودة الجلد المستخدم فى التصنيع وتعددت درجاته وأصبحت هناك تجديدات في الشكل والتصميم، التي يتحكم فيها الزبون، فيطلب نقوشًا أقل، أو ألوان معينة، أوتطريز مكان دون آخر، ولم يلتزم بالشكل التقليدي التراثي القديم.

وبالرغم من هذا التطور في صناعة الأحذية التقليدية، إلا أنه الطلب عليها تقلص في المهتمين بالتراث، فاستغلوها كتحف تزين المعارض الدولية، أو تستأجر لتصوير مشهد سينمائي أوفيلم تاريخي.

في ختام حديثة يقول عبدالمالك امهيدي، صانع الأحذية الأخير، أنه  اهتمام بعض الشباب بالفروسية مؤخرًا، خلق بعض الاهتمام بـ”البُلغ”، لكنهم يشترونها بمواصفات خاصة وأقل تكلفة، مبديًا استعداده لتدريب الشباب على “الصنعة”، حتى يحييها.

 

 

 

مشاركة
المقالات والآراء المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة، بل تعبر عن رأي أصحابها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى