كيف جاء صاروخان إلى مصر؟

قصة حياته أشبه بالحدوتة، هذا الرجل القصير الأصلع ملامحه الكاريكاتورية مثل رسومه. كان مولده في مدينة باطوم منذ 125 عاما، مصري الجنسية أرمني الأصل قوقازي المولد، يجيد الحديث بسبع لغات منها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والتركية إلى جانب لغته الأصلية الأرمينية. إنه الرسام «صاروخان» الذي كانت رسوماته بمثابة نقلة نوعية كبيرة في فن الكاريكاتير المصري منذ عام 1925.

الهجرة الأولى

استلزم عمل والد صاروخان إلى السفر إلى مدينة إسطنبول فعبر البحر الأسود به وبأخيه الأصغر قاصدا تلك المدينة. حيث كان والده وعمه يعملان في مجال استخراج البترول، وهناك قضى صاروخان ثلاثة عشر عاما يواصل هو وشقيقه دراستهما في مدرسة أرمينية.

ومع بداية عام 1915 بدأ الأتراك في تنفيذ مجازر ضد الأرمن والتقتيل حتى أفنوا منهم عددا يقارب المليون. وإزاء هذا لم يكن غريبا أن يفكر صاروخان في الهجرة من تركيا بأن عبر البلقان إلى مدينة فيينا. وهناك أتم صاروخان دراسته الفنية وأتيحت له في بعض مجلاتها الصغيرة مكانا ينشر فيه رسومه.

هجرة ثانية

كان صاروخان يحلم بالسفر إلى إنجلترا أو أمريكا ولم يخطر له قط أنه سيزور مصر ولو زيارة عابرة، بعكس ما كان مدبرا له. فهناك في فيينا قابل شاب مصريا يدعى “عبدالقادر الشناوي” كان يدرس الطباعة هناك على نفقة أسرته الثرية. وقال لصاروخان إنه سيؤسس عند عودته إلى القاهرة دارا كبيرة للطباعة والنشر وإنه سيكون في حاجة إلى رسام موهوب مثله. وأخبره أنه سيمنحه مرتبا شهريا قدره خمسة عشر جنيها إلى جانب المسكن. كان ذلك كفيلا بإغراء الشاب الطموح بأن يعبر البحر المتوسط ليبدأ حياته في بلاد جديدة لا يعرف عنها شيئا.

وعاد الشاب المصري إلى مصر وحدثت بينه وبين صاروخان مراسلات قليلة. ثم وجد صاروخان في يده حوالة بريدية بمبلغ عشرين جنيها مصريا لتغطية نفقات الرحلة. فاشترى لنفسه كل ما يعتقد أنه سيلزمه في البلاد الجديدة وركب الباخرة متجها إلى الإسكندرية وفي جيبه ما تبقى من العشرين جنيها وهو مبلغ قدره اثنان وستون قرشا. وكان المفروض أن يقابل ذلك الشاب المصري على رصيف الميناء ولكنه لم يظهر هناك، ساعة كاملة وقفها صاروخان على رصيف الميناء يمسح العرق المتصبب على وجهه في ذلك اليوم من عام 1924.

صورة كاريكاتورية رسمها الفنان صاروخان لنفسه
صورة كاريكاتورية رسمها الفنان صاروخان لنفسه
سقوط شَعره

في حوار لصاروخان مع “محمد عفيفي” عام 1961 يقول: “لن أنسى ذلك اليوم أبدا يوم وصلت الإسكندرية ووقفت وسط عشرات الشيالين الذين يريدون أن يحملوا حقائبي ويصرخون بلغتهم التي لا أفهمها وأصرخ فيهم بلغتي التي لا يفهموها”. حتى مرت ساعات فأدرك صاروخان واليأس يأكل قلبه أن صديقه لا ينوي الظهور وأنه لا مفر له أن يتقدم وحده في هذه البلاد الغريبة.

ومن عجائب حظه أن الرجل اليوناني صاحب الفندق الذي قصد إليه بحقائبه في عربة الحنطور أخبره بأن الأجر الطبيعي للشيال الذي أحضر حقائبه وأجرة الفندق هو ستون قرشا لا غير. وهكذا طارت ثروة صاروخان في لحظة واحدة ما بين الشيال وصاحب الفندق ولم يبق في جيبه إلا القرشان فقط.

وبعد ساعات من الحزن والألم يقول صاروخان إنه دخل تحت الدش في حمام ذلك الفندق الحقير وأدرك أن يد القدر قد شرعت تمتد إلى شعره. إذ رفع يده إلى رأسه لكي يغسلها فنزلت كتلة كبيرة من شعره الأسود الغزير نتيجة عصبيته للساعات الأليمة التي قضاها الشاب التعس منذ نزوله من الباخرة وحيدا ضائعا، ومن تلك اللحظة لم يكف شعره عن التساقط.

العثور على الشاب المصري

عثر صاروخان على الشاب المصري “عبدالقادر الشناوي” لتكتمل حدوتة صاروخان في مصر. أما كيف عثر عليه فبدأت القصة عندما رأى بالصدفة لافتة على دكان وعرف أن صاحبها أرمني ودار حديث سريع بينهما، فهم صاروخان أن البقال يعرفه من رسومه التي رآها له في بعض المجلات الأرمينية التي ترسلها إسطنبول إلى الإسكندرية ودله البقال على مقر شركة “مانتاشوف” للبترول بالإسكندرية وهي فرع تابع للشركة الرئيسية بالقوقاز تلك الشركة التي يعمل فيها عمه.

وبضمان عمه نجح صاروخان في إقناع أحد المديرين بأن يقرضه جنيهين، وبهما وقف على رصيف محطة الإسكندرية ينتظر وصول القطار الذي يحمله إلى المنصورة وهي بلدة ذلك الشاب المصري كما أخبره بنفسه في فيينا. وعلى رصيف المحطة يرى صاروخان شابا يشبه صديقه الشناوي ولكنه ليس هو. كما لاحظ أن الشاب يتفرس فيه لسبب لا يعرفه بنفس الاهتمام.

وأخيرا تقدم الشاب منه وقال له هل أنت صاروخان؟ فقال: نعم! فأخبره الشاب أنه أخو عبدالقادر الشناوي. وأنه قد تعرف على صاروخان من صورة له رآها عند أخيه وأخبره أن أخاه موجود حاليا في القاهرة. وإلى القاهرة سافر صاروخان والتقى أخيرا بالشاب الطموح الذي عقد آمالا كبيرة للعمل معه في المطبعة، أخذه إلى حجرة في فندق بشارع “كلوت بك” أمام مقر بيوت البغاء الرسمي وقتها. ثم نقله إلى شقة صغيرة من حجرة واحدة، ومرت أيام دارت فيها بينهما هذه المحاورة أكثر من مرة.

  • متى تفتتح مؤسستك للطباعة والنشر؟
  • قريبا جدا..
  • قريبا متى؟
  • أصبر.

**

فصبر صاروخان نحو شهر، ثم قاده الشاب إلى مطبعة مظلمة في نهاية سرداب معتم في أعماق إحدى حواري الفجالة. وقال له إن هذه هي دار الطباعة والنشر، وبالفعل أصدر الشناوي أخيرا مجلته واختار لها اسم “المجلة المصورة” في سبتمبر 1924 ولم يصدر منها سوى عددين فقط. ثم سافر الشاب إلى بلدته المنصورة وغاب عدة أيام حتى ظن صاروخان أنه لن يرجع ولكنه رجع وروى له قصة عن والده الذي مات وعمه الذي ينازعه في الميراث. ومن أجل ذلك الميراث سافر الشاب من جديد إلى المنصورة وفي هذه المرة لم يرجع ثانيا أبدا وبذلك تعذر إصدار المجلة من جديد.

وبرغم كل ما حدث لصاروخان جراء هذا الشاب إلا أنه – صاروخان- كان يؤكد أنه ليس بكذاب أو نصاب. وإنما كان شابا طموحا بالفعل يريد أن يؤسس دار للطباعة والنشر وكاد يؤسسها فعلا لولا ضياع حقوقه في الميراث.

وفي جميع الأحوال وجد صاروخان نفسه وحيدا بلا مال ولا عمل في القاهرة. ومن جديد ذهب يضرب في الطرقات حتى وصل إلى المدرسة الأرمينية ببولاق. وكانت في حاجة إلى مدرس للرسم وبهذه الوظيفة بدأ صاروخان يشعر بشيء من الاستقرار في القاهرة.

كيف دخل صاروخان الصحافة المصرية

يقول صاروخان: “أردت أن ألفت إلىّ الأنظار فأقمت معرضي الأول في القاهرة وكان يضم 95 عملا تم عرضها في القاعة الشعبية الأرمينية في مايو 1927. ثم سافرت في أكتوبر 1927 إلى الإسكندرية وأقمت معرضا آخر كسبت منه مائتي جنيه”.

عندما عاد صاروخان من الإسكندرية التقى بصديقه “باربريان” الذي قال له: “هل تريد أن تستقر في مجلة ناجحة؟ إذن سأقدمك إلى محمد أفندي التابعي المحرر بمجلة روزاليوسف. فقد حدثني عن ضرورة البحث عن رسام كاريكاتير فحدثته عنك”. في ذلك الوقت ببداية عام 1928 كانت مجلة روزاليوسف قد بدأت الانتقال من مرحلة المجلة الفنية الأدبية إلى المجلة السياسية. وعندما التقى صاروخان بالتابعي قال له التابعي:

أنك سترسم عندنا سياسة!

فأخبره صاروخان أنه يفضل الفكاهة.

فقال له التابعي: لماذا؟ أننا الآن مجلة سياسية في المقام الأول. وقد نحتاج بعد السياسة إلى القليل من الفكاهة لأن أي مجلة مهما كانت سياسية تحتاج إلى الابتسامة.

أخبره صاروخان أنه لا يعرف وجوه زعماء مصر، وفي اليوم التالي أرسل إليه التابعي صورا لكل الزعماء السياسيين في مصر. ليدرسها صاروخان دراسة فنية دقيقة ويكوّن فكرة الخطوط العريضة التي سيرسم بها كل وجه.

كاريكاتير محمد محمود باشا يدوس على الصحافة
كاريكاتير محمد محمود باشا يدوس على الصحافة
الظهور الأول ونصيحة التابعي

وظهر أول رسم لصاروخان على غلاف روزاليوسف في العدد 118 الصادر يوم 3 مارس 1928. واستمر صاروخان بجانب التابعي في روزاليوسف حتى عام 1934 وقد عاصر بريشته كل الأزمات السياسية التي لحقت بالمجلة في تلك الفترة. بل كانت ريشته هي العامل الأكبر في تلك الأزمات. عندما رسم محمد محمود باشا رئيس الوزراء يدوس على الدستور على غلاف العدد 134 في يونيو 1928، فقامت الحكومة بمصادرة جميع أعداد المجلة. وكانت تلك أول مرة تصادر فيها روزاليوسف وعندما صدر العدد التالي رسم صاروخان محمد محمود باشا يدوس على الصحافة، وكذلك عاصر حبس التابعي عام 1933 أثناء حكومة صدقي باشا وكانت ريشته أيضا بجانب مقالات التابعي من العوامل الأساسية للأزمة.

ويتذكر صاروخان نصيحة التابعي قائلا: “ولما كنت قد تخصصت بفضل توجيه الأستاذ التابعي في تقديم الرسومات السياسية التي كانت تهاجم ساسة زمان. فقد كنت معرضا للسجن والتشرد ولذلك نصحتني السيدة روزاليوسف والأستاذ التابعي نصيحة غالية. قالا لي: “إذا قبض عليك ذات يوم لا تعارض في هذا القبض وسوف يسألك المحقق لماذا رسمت هذا الرسم وما الذي تقصده؟.. أجب فورا: أنا أرمني لا أعرف من العربية شيئا. أنا ارسم فكرة غيري”. وفعلا أنقذتني هذه النصيحة من السجن عدة مرات.

هيكل والنقراشي

عندما اصطحبه محمد حسنين هيكل لمنزل النقراشي ليأخذ عدة رسومات أثناء إجراء حوارا معه، شعر صاروخان أن هيكل يورطه ويحرجه مع من يسخر منهم في رسوماته. وقال لهيكل: “والله مش أصول يا أخي”.

ويكتب هيكل مقدمة هذا الحوار شارحا ما حدث بينه وبين صاروخان في منزل النقراشي: “والله مش أصول يا أخي.. قالها لي الأستاذ صاروخان بلهجته العربية الأرمينية وهو يشير إلى الحراس المسلحين بالمسدسات أمام دار رئيس الوزراء في مصر الجديدة. ولم اسأل صاروخان إيضاحا لأن أحدهم تقدم منا ويده على حزامه الذي فيه مسدسه ليتحقق من أننا فعلا أولئك الذين ينتظرهم دولة النقراشي باشا..

وأخيرا وصلنا إلى مائدة حولها بضعة كراسي في حديقة الدار. وهنا سألت صاروخان عن سر احتجاجه. فإذا به يتلخص في أننا نورطه مع العظماء فنجعله يرسم لهم صورا يضحك الناس منها ثم نأتي به بعد ذلك ليقابلهم وهو غارق في عرق الخجل والكسوف ومسدسات الحراس أيضا. هذا هو ما قصده صاروخان حين قال: والله مش أصول يا أخي!”.

شخصية المصري أفندي
شخصية المصري أفندي
المصري أفندي

ظهرت شخصية المصري أفندي لأول مرة في روزاليوسف بداية من العدد 212 في 7مارس 1932. وهي شخصية مقتبسة من المجلات الأجنبية وجرى تمصيرها ليصبح على هيئة رجلا قصير القامة ضئيل الجسم يرتدي طربوشا ويمسك بيده سبحة ومبتسما دائما.

وكانت تلك الشخصية بمثابة الرد على شخصية “جحا” التي كانت تقدمها مجلة الكشكول بريشة سانتيس. وأصبح هذا الرسم علامة مسجلة لصاروخان لفترة طويلة من الزمن. وفي عام 1939 أصدر الصحفي “عبدالرحمن نصر” مجلة باسم “المصري أفندي” مستغلا النجاح الكبير للشخصية وللاسم. ويشاء القدر أن ينتقل لمجلة “المصري أفندي” صاروخان بريشته مع التابعي ومصطفى أمين عندما أوقفت مجلة آخر ساعة ثلاثة أشهر في نوفمبر 1939. وحُكم على التابعي ومصطفى أمين بالسجن مع إيقاف التنفيذ في قضية سب ولي العهد “محمد علي توفيق”.

وبعد ثورة يوليو وإلغاء الألقاب تغير اسم “المصري أفندي” في الصحافة إلى “المواطن مصري” وتتابع على رسمها العديد من الرسامين مثل عبدالسميع وزهدي وطوغان ورخا.

مخضوض باشا
مخضوض باشا
إلى آخر ساعة

يقول صاروخان: “حدث خلاف بين الأستاذ التابعي والسيدة روزاليوسف، وبعد هذا الخلاف قرر التابعي إصدار مجلة جديدة سماها “آخر ساعة”. وعرض علي العمل معه، فوافقت وفي اللحظة التي فاتحني فيها التابعي بالحديث عن عملي الجديد في آخر ساعة انتابني شعور بالقلق والحزن على فراق روزاليوسف، المجلة التي شهدت مولد أعمالي الفنية والتي قدمتني للقراء العرب وحققت أحلامي التي راودتني من اللحظة الأولى التي جئت فيها من أوروبا لأعمل في مصر. وزاد من حيرتي أن السيدة روزاليوسف أرسلت تطلب مقابلتي وقابلتها.. فقالت لي:

  • صاروخان.. هل ستتركنا؟… قلت لها في صوت خفيض: لقد ارتبطت مع الأستاذ التابعي.
  • قالت: أنني أعلم أن التابعي هو الذي قدمك إليّ. وهو الذي اكتشفك للصحافة المصرية، ولكن هل أنت مُصر على الذهاب معه وترك روزاليوسف، المجلة التي أعطتك فرصة العمر؟

لم يستطع صاروخان الإجابة ونظر إلى روزاليوسف قائلا: لن أترك المجلة بدون رسام يقدم لها الكاريكاتير. وبالفعل ذهب إلى الرسام “رفقي” وروى له ما حدث وعرض عليه العمل مكانه في روزاليوسف. وبالفعل وافق رفقي وأخذه من يده وقدمه للسيدة روزاليوسف واستطاع رفقي أن يقدم أفضل إنتاجه في روزاليوسف خلفا لصاروخان.

وانتقل مع التابعي إلى آخر ساعة. وهناك بدأ مرحلة جديدة ثرية في حياته المهنية وابتكر شخصيات أخرى بجانب المصري أفندي مثل “مخضوض باشا” و”إشاعة هانم” وهي شخصيات ظهرت مع بداية الحرب العالمية الثانية. ولم تستمر كثيرا بعكس شخصية المصري أفندي التي عاشت طويلا. وبعد أن ترك التابعي آخر ساعة للأخوين مصطفى وعلي أمين عام 1946 انتقل معهما إلى أخبار اليوم واستمر بها حتى وفاته.

بعد الثورة

جاءت ثورة يوليو تتويجا لآلاف الرسومات التي رسمها صاروخان منذ عمله في الصحافة المصرية. حيث يقول إنه كتب كلمتي “الجلاء” و”المفاوضات” أكثر من عشرة آلاف مرة في العهد السابق. وكانت تلك الكلمات مجرد أحلام وأمنيات لم يتخيل تحقيقها. وكان تكريما لصاروخان أن منح الجنسية المصرية عام 1955 ولذلك رفض كل العروض التي عرضت عليه للعمل في أرمينيا وفي روما وباريس بعد أن عاشر المصريين عقود طويلة حتى وفاته في الأول من يناير 1977.

اقرأ أيضا:

«صاروخان».. الرؤوس التي أعجبته والرؤوس التي أتعبته

برعاية «باب مصر»: اليوم.. افتتاح معرض صاروخان في بيت السناري

للاشتراك في خدمة باب مصر البريدية اضغط على الرابط التالي:

Babmsr Newsletter

النشرة الإخبارية الشهرية
مشاركة
زر الذهاب إلى الأعلى
باب مصر